يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، والفطرة التي فطر الله الناس عليها هي الإسلام، هذا الدين الذي بالرغم من المحاولات اليومية الحثيثة لتشويهه وتنفير الناس منه، يظل راسخاً ليثبت أنه الدين الحق والشامل، مجيباً على أي سؤال يطرحه عقل إنسان ومشبعاً لفطرته السوية .

هذه السطور ليست كلمات جوفاء، بل هي قراءة مبسطة على ضوء الأرقام والإحصاءات التي تشير إلى أن الإسلام هو الدين الأوسع انتشاراً في العالم الغربي، وهو ولله الحمد في نمو، والإقبال عليه في ازدياد دائم . برغم ما تعرض له عبر التاريخ ولا يزال، وخاصة خلال العقد المنصرم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وليس انتهاء بتفجيرات النرويج الأخيرة، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين (الأنفال 30)، فنجد بدلاً من الابتعاد عن هذا الدين والنفور منه، يزيد الإقبال عليه أو بالأحرى العودة إليه كما يفضل بعض العلماء ان يسمي اعتناق الإسلام بالعودة إلى الإسلام عملا بمبدأ الحديث الشريف سابق الذكر .

ومع هذا الإقبال على اعتناق الإسلام، أصبح المسلمون الجدد ظاهرة ثابتة ومتكاثرة وليست عابرة واستثنائية . وينفرد كل مسلم من هؤلاء المسلمين الجدد برواية تختلف أحداثها عن اعتناقه الإسلام فيها عن رواية غيره، كما تتباين طريقة كل منهم في تسخير تعاليم الإسلام لتشمل كل لفظ أو قول لحديثي العهد بالإسلام .

إحدى هذه القصص، هي لصائغ ذهب إيطالي، أسلم قبل زهاء عقدين من الزمن، وأصبح علامة بين إخوانه العرب والمسلمين في مدينته، يضربون به المثل في حسن إسلام المرء .

الخليج حاورت مهدي وزوجته، ومهدي هو الإسم الذي اختاره بعد إشهار إسلامه، ليسردا لنا قصته مع الإسلام ولنقف على جوانب من حياة إنسان اعتنق ديناً مغايراً للدين الذي وجد عليه أهله وأصدقاءه ومجتمعه .

يستهل مهدي واسمه السابق سيموني حديثه معرفا عن نفسه ولدت باسم سيموني بينيدتي، من مدينة فلورنسا بوسط إيطاليا، وأعمل صائغ ذهب، ترعرعت في أسرة مسيحية، وكانت والدتي تترد على الكنيسة للصلاة . وقد منَ الله علي بأن هداني للإسلام قبل واحد وعشرين عاماً وأسميت نفسي مهدي .

وعن قصة اعتناقه الإسلام يقول: قبل اثنين وعشرين عاماً، تعرفت إلى زوجتي هنا في فلورنسا، وهي مغربية الأصل، وقد أردت الارتباط بها ولكن إسلامها يمنعها من الزواج بغير مسلم، مضيفاً في الحقيقة، اعتنقت الإسلام في البداية كي أتزوجها فقط، لكن بعد زواجي وشيئاً فشيئاً أصبحت مسلماً قلباً وقالباً، وآمنت بكل ما أنزل على رسولنا الكريم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، إلى أن وصلت لما أنا عليه الآن من إيمان وعقيدة والحمد لله .

ويشير مهدي إلى الفترة التي بدأ يشعر فيها بأن اعتناقه الإسلام تجاوز بوصفه وسيلة للزواج وأصبح غايته في الحياة رغم أنني كنت نصرانياً غير ملتزم أو شبه ملحد إذا صح التعبير، لكني بعد إشهاري الإسلام، بدأت البحث والقراءة ودراسة ديني الجديد، واستمر ذلك نحو عشر سنوات، إلى اللحظة التي شعرت فيها بإسلامي متجذراً في أعماقي وواضحاً في سلوكي وأثره ظاهراً في حياتي .

دور مزدوج

وعن الدور الذي لعبته زوجته في مسار إسلامه يقول كانت زوجتي قريبة مني، وساعدتني بالطبع من أجل أن يحسن إسلامي، وقد جاهدت في ذلك على مستويين، الأول هو محاولة تكيفها مع المجتمع الجديد عليها والغريب بالنسبة لها، والثاني هو العمل على غرس الإسلام في قلب رجل عرف الدين الحنيف حديثاً .

وحول ردة فعل والديه وأصدقائه يخبرنا عندما أسلمت كنت أعمل ولدي زبائني وأصدقائي ووالدي، تعرضت لبعض المشكلات المعتادة مع كل من يعتنق الإسلام داخل محيط عائلته، ولكن بقليل من الصبر والجلد بدأت الخلافات تختفي، وفي النهاية أنا لم أتغير مع والدي، اعتنقت الإسلام لكني بقيت على المسافة نفسها من الود والرحمة مع أبي وأمي حتى هذه الساعة . أما بالنسبة لمعارفي وأصدقاء طفولتي فقد مرت الأمور بهدوء نسبي .

وعلى صعيد المسلمين والعالم الإسلامي يحتفظ مهدي برؤية ملخصها: لكل شخص نظرته وحكمه على الأمور، أعتقد أن هناك مسلمين لا يتقيدون بسماحة الإسلام في التعامل مع إخوانهم، وهذا الأمر شائع في العالم الإسلامي وكذلك بين الأقليات الإسلامية في مناطق مختلفة من العالم . وأعتقد أنه ينبغي علينا العمل بجدية لنشر تعاليم الدين الصحيحة، ربما أتفهم قليلاً حالة الأقلية المسلمة بوصفها تعيش في عالم غربي مادي وتفتقر إلى عناصر كثيرة، ما قد يزيحها شيئاً ما عن السلوك الإسلامي الصحيح، لكن بالنسبة للمسلمين في أوطانهم الأم يجب ألا تكون هذه السلوكيات البعيدة عن الإسلام وتعاليمه موجودة . ويضرب لنا أبو إلياس مثالاً على ذلك عندما سنحت لي فرصة الذهاب إلى بلد عربي، فوجئت مثلاً أن الناس بدلاً من الذهاب إلى المسجد فور سماع نعمة الأذان وأقول نعمة لأننا محرومون منها، تجدهم في المقاهي وعلى الأرصفة، وقس على ذلك، وصراحة يضايقني ما أراه من طريقة تعاملهم مع الدين، فبدلاً من أن نسعى لنكون قريبين من الدين نجد أنفسنا بعيدين عنه .

وحول تقييمه للعلاقة بين الأقليات الإسلامية في الغرب والعالم الإسلامي يجيب هناك معضلة في الجمعيات الإسلامية في الغرب فهي كثيرة جداً متفرقة، هو الأمر الذي يجعلها ضعيفة التأثير ولا تحظى بتنسيق مؤسساتي بينها، وهذا مما لا شك في أنه يخلق نوعاً من الصراع بينهم ويؤثر حتى في قدرتهم على التنسيق بينهم وبين المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي .

تدابير إلهية

أما أم إلياس زوجة مهدي فُترجع أسباب اعتناق زوجها للإسلام إلى كونها تدابير إلهية تقول شاء القدر أن أتعرف إلى زوجي أثناء زيارة قصيرة لشقيقي المقيم في إيطاليا، فالتقيت بمهدي وسبحان الله وجدت فيه إسلام المسلمين، فكان ملتزماً ومتعففاً، نقياً وسوياً، ويتعامل باحترام فائق مع الناس على اختلاف أجناسهم، وقد طلب الزواج مني فأخبرته أني فتاة مسلمة وأعتز بإسلامي وتعاليمه، التي تحرم علي الزواج بغير المسلم، وتضيف: ويبدو أن الله كتب له نعمة الإسلام فوجدته يوافق على اعتناق الإسلام وبالفعل ذهبنا إلى المغرب، حيث تزوجنا على كتاب الله وسنة نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم .

وتشير أم الياس إلى انتهاجها سياسة محددة وواضحة في التعامل مع زوجها مع بدايات إسلامه اعتمدت منذ أن نطق الشهادتين أن أراوح بين الترغيب والتحبيب وأحياناً الترهيب في شرح تعاليم عقيدتنا، مع مراعاة عدة نقاط مهمة مثل أصدقائه وأسرته والمجتمع الذي نشأ فيه وحداثته في الدين بكل تأكيد وفي هذا الصدد تضرب لنا مثالاً في أول رمضان حل علينا بعد اعتناقه الإسلام، كان الله معنا في تدبيره، إذ صادف أن شهر الصوم كان في فصل الشتاء، وكان النهار قصيراً، فصام زوجي بعد أن فهم ماهية الصوم والأجر وعقد العزم على تأديته منذ اليوم الأول لرمضان وأتم الشهر كاملاً، وأذكر أن أحد أصدقائه القدامى من غير المسلمين كان قد دعانا إلى مأدبة، فذهبنا وبالفعل أفطرنا في منزله، فلم أشأ أن أبتر زوجي عن مجتمعه الذي ولد وترعرع فيه وأزرعه فجأة في مجتمع آخر لا يزال غريباً عليه، وذهب أبعد من هذا وفكرت في أنها ستكون فرصة مناسبة لإظهار ديننا وتعاليمه من خلال اختلاطنا بهم، وهكذا لم أفرق بينه وبين والديه وعائلته وأصدقائه، ونحتفظ بعلاقة طيبة معهم إلى يومنا هذا والحمد لله، مضيفة لكن مع تحسن إسلامه، بدأ هو من تلقاء نفسه في الاقتراب من الجالية المسلمة وبناء صداقات مع المسلمين الإيطاليين والمقيمين على حساب صداقاته قبل الإسلام .

تقصير

بسؤالها عن الوقت الذي شعرت فيه بأنه قد تجاوز مرحلة المسلم حديثاً، وأصبح لا ينقصه شيء عن أي مسلم آخر أجابت شعرت أنه أصبح مسلماً عندما بدأ التردد على المسجد وإقامة علاقات صداقة مع إخوانه المسلمين، وبدأت داخله تنمو غيرة المسلم المعهودة على عرضه وأهل بيته، وأصبح يدرك أن الرجال قوامون على النساء، وليس كماهو الحال في المجتمع الغربي، وهانحن ذا الآن وبفضل الله نعيش في أسرة مسلمة ولدينا ثلاثة أبناء هم سارة (19 عاماً)، إلياس (11 عاماً) وياسمين (7 أعوام)، وهم ملتزمون وفخورون بدينهم وحريصون على تنفيذ تعاليمه .

وعن المصاعب التي واجهتها خلال شرح تعاليم الإسلام لزوجها تقول للأسف كان لدينا نقص في المواد التعليمية، مثل الكتب التي تشرح الإسلام باللغة الإيطالية، وكذلك المصادر الحية مثل شيوخ وعلماء الدين يشرحون هذا الدين للمسلمين الجدد، فنحن المسلمون في الغرب مهمشون ونأمل من العالم الإسلامي أن يكون أكثر اهتماماً بنا ورعاية لهذه الفئة من الناس . وهنا أقول إن المسلمين الايطاليين نهلوا عن أبناء جنسهم ممن سبقوهم إلى الإسلام، فكان الأقدم يشرح للأحدث، وقد ترجموا كتباً عدة، ونحن لدينا مثلاً رياض الصالحين باللغة الإيطالية .

وتوجه أم إلياس رسالة إلى القائمين على أمور الإسلام في الوطن العربي نحن لدينا الكثير من المشكلات والأمور التي نحتاج فيها إلى فتاوى، وخاصة التي تراعي فقه الأقليات، فنحن لدينا مئات الأسئلة لفهم الدين وتطبيقه بشكل صحيح، كما تنقصنا اللقاءات التي تعمل على غرس الوعي اللازم لتربية أولادنا ولتأسيس مجتمع إسلامي صحيح، لذلك أناشد المسؤولين من علماء ورجال دين ودعاة أن يعملوا على بناء جسور متينة تربط إخوانهم المسلمين بهم وتثبت هذا الدين في بلاد الغربة .