شكل اختيار عنوان طريق الحرير لمهرجان الفنون الاسلامية في دورته الحادية عشرة، والذي افتتحه رسمياً صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في العاشر من أيلول /سبتمبر الفائت، خياراً ثقافياً واضحاً لطرح جملة من القضايا والأسئلة من خلال الفعاليات الفنية التي ضمها المعرض والتي بلغت 130 فعالية شاركت فيها الدول التي كانت تقع تاريخياً على طريق الحرير، بالاضافة إلى فعاليات إماراتية شاركت فيها أكثر من مؤسسة فنية وثقافية عبر الورش والمعارض والندوات التي أقيمت في أماكن عدة عكست حالة من الشمولية والتكاملية في عمل المؤسسات المحلية، ولقد كان من الطبيعي أن يكون المهرجان مناسبة
مهمة لطرح جدل فكري نابع من البعد التاريخي والحضاري للمهرجان في خضم إطار ثقافي عولمي بدا في الكثير من تجلياته أنه يحاول القطع مع الإرث الحضاري للشعوب من دون أن يقدم إجابات واضحة حول المسائل الرئيسية التي تشكل هاجساً لدى شعوب كثيرة وعلى رأسها مسألتا الانتماء والهوية، والراصد للمهرجان يرى جهداً كبيراً تم بذله في اختيار الفعاليات المشاركة على مستوى التنوع، وهو ما أفرز تنوعاً مماثلاً على ضفة التلقي. خاصة وأن الحروفية قد كانت التيمة الرئيسية في المهرجان، وهي بتاريخها الموغل في التاريخ الفني لشعوب طريق الحرير أتاحت للمتلقي أن يتابع التنوع في تناول الحروفية من ثقافة إلى أخرى، انطلاقا من التكوين البنيوي لكل واحدة منها.
شكلت المشاركة الصينية ركناً أساسياً من مهرجان طريق الحرير والذي يعود عمره إلى 2000 عام يبدأ أساساً من الصين وتحديداً من مدينة جانجان والتي تسمى اليوم شيان، وإذا كانت المسافة الكلية للطريق تبلغ ما يقارب 700 كيلومتر، فلأن نصف هذه المسافة موجودة داخل الصين وهذا ما يعطي للمشاركة الصينية خصوصيتها وأهميتها، إلى جوانب أخرى كثيرة برزت بعض تجلياتها في معرض جرس الجمل للفنان موسي ميو يونغيان حيث ضم المعرض 15 عملاً حروفياً تشكلت خلفياتها من الحرير المزخرف، بينما جاءت الكتابة على مادة الورق، أما التيمة الرئيسية في كل اللوحات فهي الآيات القرآنية المكتوبة باللغة العربية من خلال الأسلوب الصيني، وقد جاءت اللوحات على شكل الستاند الطولي، أما توزيع الكتلة الحروفية فقد اتخذ أشكالا عدة حسب الآية المختارة فيها كالمستطيل والمربع، وبأحجام مختلفة مدروسة وفقا لتناسب كتلة اللوحة والخط مع الخلفية المزخرفة، مع استخدام تقنية التشكيل باكثر من كتلة داخل اللوحة الواحدة، وذلك لإبراز الجماليات الناتجة عن علاقة الكتل بالفراغ، ما يمنح عين المتلقي الإحساس بالراحة أثناء تأمل اللوحة، خاصة وأن الزخرفة على الخلفية الحريرية أتت بطريقة بسيطة كي لا يكون التركيز من قبل المتلقي عليها على حساب اللوحة الخطية، وثمة ميزة رئيسية في كل لوحات جرس الجمل وهي بناء الحروفية على أساس التراكيب المفتوحة والمستقيمة، ما يشي بالطاقة الكبيرة لاستخدام الخط العربي وفقا للأسلوب الصيني حيث تعطي الحروفية جملة من الانطباعات المختلفة وتظهر الخواص الإيقاعية والموسيقية في التوازن القائم ما بين الحروف، كذلك نجد حضوراً بارزاً للطبيعة من خلال الألوان المستخدمة في الزخرفة وفي الخط، وتأثيراً للشخصية التأملية التي يمتاز بها الصينيون حيث توحي اللوحة ببساطتها بأهمية ما هو جوهري على حساب ما هو تزييني،كما أن الأحبار المستخدمة في التخطيط مصنوعة من رماد النباتات، ويذكر أن الفنان موسي ميو يونغيان هو من مواليد 1947 وقد تتلمذ منذ بداياته الفنية على يدي مجموعة من الخطاطين الصينيين المشهورين وقد درس أعمال الحروفيين القدماء من أمثال يان جنكينغ وليو غونكوان وأويانغ شيو وزاو شي وآخرين، وله أعمال فنية نالت شهرة واسعة ومنها مخطوطة قصيدة الثلج للشاعر ماو زيدونغ، وقد اختيرت خطوطه في أنظمة كمبيوتر عدة لامتيازها بالتوحيد القياسي، وله منشورات كثيرة منها ألبوم الخط العالمي والرسامون والخطاطون الكلاسيكيون في العالم وقاموس مخطوطات الخطاطين المعاصرين وألبوم الخط الصيني الكلاسيكي.
أما المعرض الصيني الثاني فكان تحت عنوان بداية ونهاية الطريق وضم 30 لوحة للفنان محمد باي شيويه يي، وهي عبارة عن صور فوتوغرافية توثق الحياة الاسلامية في الصين حيث نجد المساجد ذات الخصوصية المعمارية الصينية التي ينفتح في بعضها الحيز المكاني على الهواء الطلق من خلال بعض الفتحات، وهناك مساجد قديمة مبنية من الطين في أماكن ريفية نائية، وهناك لوحة قوس البوابة وهي تصور مسجداً تتداخل في تشكيل بوابته الخارجية أنماط عدة من الزخارف، وقصر خوانغ رسمي المقام على جانب إحدى البحيرات حيث تنعكس صورة الواجهة الأمامية للقصر بكل زخارفها والتشكيلات الحروفية على سطح ماء البحيرة، بالإضافة إلى الكثير من اللوحات التي توثق الحياة اليومية للمسلمين في الصين وأنماط معيشتهم، وممارساتهم للشعائر الدينية، فنجد إحدى اللوحات التي ترصد تشييع المتوفى وفقا للشعائر الاسلامية، كذلك الأضاحي في الأعياد من خلال سوق الأغنام، بالإضافة إلى رصد شعائر الصلاة داخل المساجد. ويذكر ان الفنان من المهتمين بالثقافة العربية، فهو قد أصدر ألبومات توثق لبعض جوانب الحياة في مناطق الخليج العربي ومنها مذكرات سفر إلى مكة والتقاليد في سلطنة عمان.
وأبرز معرض نور على نور للفنان صالحوف بهادر الذي مثل أوزبكستان في المهرجان الطبيعة الوظيفية المعاصرة لفن الحروفية من خلال استخدامها في فن التصميم الاعلاني انطلاقا من الجماليات الكامنة في الحروف، مع وجود الكثير من البساطة في التصميم، آخذاً في الاعتبار ان الاعلان فن جماهيري بالدرجة الأولى، ما جعل التصاميم المعروضة نماذج لرؤية أقرب إلى الشكلانية حيث لا وجود لأثر طاغ للزخرفة، بينما حضرت التزيينية والزخرفية في المعرض نفسه من خلال المعروضات الخشبية الصغيرة ذات الاستخدام الجمالي المحض داخل البيوت، وهذا الأمر يشير إلى اتجاه نظري مهم وهو ان الاستخدامات المختلفة للحروفية تنطلق وفقا لهذا الاتجاه من البنية الوظيفية والاستعمالية للعمل نفسه من دون تحميل العمل أبعادا رمزية، وبالتالي فإن تركيز الفنان الحروفي ينصب على التقنية وليس على المعاني والدلالات، أي أنه ينبع من نظرة واقعية للحروفية.
الملصق الإيراني
ضم المعرض 110 أعمال لفنانين إيرانيين ينتمون إلى أجيال مختلفة يجمع فيما بينهم تلك النظرة الحداثية إلى الحروفية والتي انعكست في معالجة الخطوط داخل الملصق، فالملصق وإن كان وسيلة إعلانية إلا أنه في الوقت نفسه يعبر عن اتجاه نظري فني واضح المعالم، وهو رؤية اجتماعية وسايكولوجية في الوقت نفسه، والمتأمل في الملصقات المشاركة يرى ان معاجة الخط تتعدى مفهوم التخطيط الكلاسيكي، وإن كان هو العنصر الرئيسي في العمل، إلى بناء تكوين جمالي أقرب إلى المدارس الحداثية الفنية من تعبيرية وتجريدية كما في ملصق الفنان كسرا عبديني حيث شكلت نقاط الحروف بؤبؤي العينين للوجه المرسوم داخل الملصق، بينما جاء الجبين مشكلا من الحروفية، ما يمنح الملصق إمكانية قراءته وفقا لأكثر من منظور.
أما الفنان بهراد جافانبخت وهو متخصص في التصميم فنراه يستفيد من المعالجات اللونية التي أتاحتها تقنيات الديجتال في تكوين الملصق مع التركيز على حدة الخطوط وواقعيتها في الحروف المستخدمة.أما الفنان بهروز متين سيفات فيركز في ملصقه على الهندسة الزخرفية الاسلامية التي تحتل كامل الملصق على حساب الكتلة الحروفية الصغيرة الحجم، وكأنه يستحث عين المشاهد للابتعاد عن البعد العملاني في الملصق والتركيز على الجمالية الزخرفية، حيث يمكن التعامل مع الملصق على أنه لوحة زخرفية كلاسيكية تتجاوز الاطار الزمني كما يلاحظ أن الفنانين الشباب يميلون إلى التجريد في استخدام الحروفية داخل الملصق كما في ملصق للفنان بيجان سايفوري الذي يستغل فيه إمكانات فن الجرافيك في تداخل الحروف مع بعضها بعضا بأحجام كبيرة وألوان مختلفة حتى أن الملصق يقترب من روحية التجريد لإبراز طابع حداثي وإشكالي في آن واحد، حيث يبدو التجريد حلاً لإشكالية التراث/المعاصرة التي تسود في المماحكات النظرية حول تاريخ الحروفية وإمكاناتها في التعبير عما هو معاصر وجديد، بينما تذهب ملصقات بعض الفنانين الآخرين نحو مغامرات تجريبية ما بعد حداثية كما في ملصقات فارشيد مسغالي التي تستخدم الحروفية بطريقة أقرب إلى كتابات الأطفال مع تقنيات فن الكاريكاتير، بالإضافة إلى الرسوم المستوحاة من أفلام الكرتون، فاتحا بذلك فضاء الحروفية على تنويعات مختلفة تبدو صادمة في بعض الأحيان بغرائبيتها، ويذكر ان معظم الفنانين الايرانيين المشاركين في هذا المعرض هم اعضاء في جمعية ايران لفنون التصميم، المؤسسة الأكثر شهرة في مجالها والتي تضم في عضويتها اكثر من 700 فنان ومحترف، وقدعملت الجمعية على تعزيز وحماية مكتسباتهم كمصممين ومهنيين في ايران.
جماعة الفن الخاص
تشكل المعرض من مشاركات المنسبين إلى جماعة الفن الخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة ممن خضعوا إلى دورات فنية وأساتذتهم ما أضفى نوعا من التفاعل والحيوية في المعرض الذي ضم 60 عملاً، بالاضافة إلى نتاج مجموعة من الورش مثل الخط والخزف والنحاسيات كما أقيمت داخل المعرض ورشتان حيتان واحدة لفن الخط والثانية لفن الآبرو.
وعكست اللوحات المشاركة اتجاهين فنيين رئيسيين هما التعبيرية والانطباعية، حيث ركزت مجمل اللوحات على مواضيع البيئة والموروث والطبيعة مثل رسم المراكب والقلاع والأسواق الشعبية بالاضافة إلى لوحات الخط العربي، كما حاول الفنانان محمود علي فهمي وجهاد موسى من خلالها أن يعكسا الخصائص البيئية والمكانية للشعوب القائمة على طول خط طريق الحرير كالثقافة العربية الاسلامية والثقافة الصينية وثقافة وسط آسيا، ومزجت جداريتهما بين مقومات العمل الفني والعمل التعليمي في الوقت نفسه، وذلك من خلال مجموعة من العناصر ابتداء من اختيار اللوحة كجدارية بأبعاد كبيرة بارتفاع 190سم وعرض ما يزيد على 4 أمتار، واختيار اللون الترابي كخلفية رئيسية، مع رسم المساجد الطينية ذات الزخارف والكتابات التركية والصينية، والجمال ذات السنامين وهي تنتمي إلى بيئة وسط آسيا.
معارض فردية
أقيمت ضمن المهرجان مجموعة من المعارض الفردية منها معرض الفنان الاماراتي عبد القادر الريس في متحف الشارقة للفنون والذي ضم 30 لوحة تمزج بين تقنيات التشكيل وبين الحروفية، وبرزت فيها اشتغالات الريس على سطح اللوحة لونياً بعيداً عن التأثيرات الكلاسيكية للألوان التي تطبع اللوحة الحروفية عادة مثل اللونين الترابي والبني، إنما حافظ على تلقائيته التعبيرية التي اشتهر بها حيث سادت اللوحات الألوان الحارة بدرجات مخففة مكنت الحروف داخل اللوحات من اكتساب شخصيتهما مثل حرفي الواو والهاء بكل ما يملكانه من حضور في الذاكرة التراثية ومن دون تعقيدات زخرفية من شأنها أن تخرج اللوحة من إطارها التشكيلي، وبذلك بقيت اللوحات التي شارك بها الريس أمينة لرؤيته اللونية وتقنيات التشكيل المعاصر.
كما أقام الفنان العراقي الحروفي الدكتور صلاح شيرزاد معرضه في ساحة الفنون، وضم ما يقارب 60 لوحة حروفية تشكل بانوراما استعادية لمراحل مختلفة من تجربة الفنان التي تمتد إلى أكثر من 20 عاماً. وكان الخط المستخدم في أغلب الأعمال هو خط الثلث، الثلث والنسخ، الجلي والديواني، التعليق مع بعض الأعمال التي استخدم فيها الخط الكوفي. وأبرزت الأعمال 3 مراحل أسلوبية من تجربة شيرزاد وهي التقليدية، والحديثة، والكلاسيكية الحديثة، وكانت النماذج المقدمة متباينة من حيث أحجام اللوحات وأشكالها المستطيل والدائرة والألوان المستخدمة حيث طغى اللون الترابي على أغلب اللوحات، مع تنويع في بعضها الآخر مابين الأزرق والزهري والذهبي. وحول هذه النقطة قال شيرزاد: إن تكوين النص يفرض الألوان المستخدمة داخل اللوحة نفسها، واللون الترابي هو اللون التقليدي المستخدم تاريخياً في اللوحة الحروفية، كما أن الزخرفة هي الأخرى صاحبت اللوحة الحروفية منذ بداياتها، وأنا لا أميل إلى تحميل الألوان داخل اللوحة الحروفية دلالات أكثر من طابعها التاريخي على خلاف ما تحمله الألوان من دلالات في اللوحة التشكيلية.
كما شكل معرض مقتنيات الفنان نجا المهداوي فرصة للاطلاع على أرشيف بصري كبير لفنانين عالميين استخدموا تشكيلات حروفية في بعض أعمالهم مثل بول كلي وماكس أرنست وهنري ميشو وميريلا بينتيغوليو وروبرت إنديانا ومارينتي وتيزاي هيداي وكامل البابا وساليت تافريس وأنيم بارين وشيريو مورينا ولوحات للمهداوي، اضافة إلى أعمال لفنانين آخرين، ما أعطى المعرض مكانته لما يتيحه هذا التنوع من قراءة ثقافية لمكانة اللغة/الحرف بأبعادها الجمالية والدلالية لدى فنانين ينتمون لمدارس فنية وتوجهات نظرية مختلفة.
وأقيمت في إطار المهرجان مجموعة من الورش الحية توزعت على أكثر من مكان، فقد أقيمت في معهد الشارقة للفنون مجموعة من الورش الحية لأشكال فنية عدة كالخزف والنحت والرسم حيث شارك فيها طلبة المعهد من دورات سابقة بالاضافة إلى من يرغب من العموم في الاطلاع على هذه الفنون، وكانت المشاركة مفتوحة من سن 12 عاماً وما فوق، واللافت في تلك الورش هو التناغم أثناء الورشة بين الطلبة الصغار وبعض المشاركين الذين تجاوزت أعمارهم الستين عاما، بالاضافة إلى تنوع جنسيات المشاركين من مواطنين وعرب وأجانب، حيث قاموا بالاشتغال على تيمة اساسية في كل ورشة بالاتفاق مع الفنان الذي يشرف عليها، وقد شكلت أعمالهم معرضا لاحقاً معرض نتاج الورش الفنية، كما أقيمت في بيوت الخطاطين مجموعة من الورش كان من أبرزها ورشة دراسات لونية متنوعة للفنان محمد نوري، حيث شكلت موضوعة الجدارية المرتكز الأساسي في الورشة التي انقسمت إلى قسمين نظري وعملي، أوضح فيها نوري مفهومه الخاص للجدارية التي يرى ذاكرة الأزقة والمدن، وخاصة القديمة منها، والتي امتلأت بكتابات الأطفال، والملصقات، وما زالت تتحدى عوامل البيئة والزمن ومن هنا فالجداريات هي توثيق فني لذاكرة المدن فبعض تلك المدن يعود عمرها إلى مئات السنين ومنها ما زال يحتفظ بالكثير من الكتابات التي تعود إلى العصر العباسي وعصر المماليك، والفنان لديه اليوم تقنيات حديثة تمنحه القدرة على تشكيل لوحة جدارية، وتبقى المسألة الرئيسية هي الرؤية الخاصة للفنان في تشكيل جداريته وكان المدخل النظري للفنان نوري بمثابة مدخل إلى مضمون الورشة العملي إذ أخذ بالعمل على تشكيل جدارية واختار مادة الكرتون أرضية لها فأوضح أن اختيار المادة التي سوف تشكل أرضية الجدارية تفرض على الفنان بعضا من الخيارات اللونية، وذكر أن الأرضية يمكن أن تكون من القماش أو الكرتون أو الخشب، وأن الألوان الرئيسية المستخدمة هي الأكليريك وذلك لتمتعها بخاصية الجفاف السريع وهي مواد فنية وليست تجارية، ومن ثم تأتي مرحلة تعتيق العمل لإعطاء الإيحاء بالقدم الزمني للجدارية، ومن بعض المواد المستخدمة في عملية التعتيق قشور الجوز وألوان مستخرجة من التراب والأشجار.
أما جمعية الامارات للفنون التشكيلية فقد استضافت ورش التصوير الضوئي التي كان من أبرزها ورشتا الفنانين بدر عباس وعيسى آل علي، وقد تناول عباس في ورشته تقنيات التصوير بالفلاش، حيث قدم خبرته الطويلة والتي تعود إلى فترة منتصف الثمانينات من القرن الماضي ورؤيته لعلاقة الظل بالنور في الصورة والتي تؤسس حسب رأيه إلى تحول الصورة من مجرد توثيق إلى صورة فنية تنافس اللوحة التشكيلية خاصة مع بروز تقنيات الديجيتال والبرمجيات المختلفة التي تتيح إمكانات كبيرة في معالجة الصورة بشكلها النهائي، وقدم في الورشة نماذج عدة لاستخدام الفلاش وميزة كل منها، وأكد ضرورة معرفة المصور/الفنان بها، لأن معرفته باتجاه الحزمة الضوئية الناتجة عن الفلاش تتيح له إعطاء الشحنة العاطفية والجمالية التي يريدها، أما الفنان الشاب عيسى آل علي فتناول في ورشته إحدى طرق تصوير الطبيعة الصامتة، وهي تصوير نقاط الماء على الزهور، والتي تحتاج إلى معرفة وخبرة في استخدام معدات التصوير وزوايا التصوير المختلفة.
فعاليات المنطقة الشرقية
استضافت كلية المجتمع في خورفكان معرض الصور الفوتوغرافية - عدسات مضيئة - وشارك فيه 16 فناناً وضم 60 عملاً عكست جماليات العمارة الاسلامية من قباب وزخارف وحروفيات في صور فوتوغرافية لها الكثير من سمات التشكيل خاصة لجهة النسب اللونية في اللوحات، بالاضافة إلى بعض الصور التي التقطت تفاصيل تتعلق بالحياة الاسلامية في شهر رمضان. كما أقيم معرض الهوية الاسلامية الذي شارك فيه 31 منتسباً لمراكز الفنون من عموم المنطقة الشرقية وضم ما يزيد على 150 عملاً في مجالات الرسم والخزف والنحت وفنون السيراميك، حيث أبرزت الأعمال رؤى متنوعة لعلاقة الفنون بمكونات الهوية.كما أقيم معرض مشترك للفنانين سعيد جمعوه وعمر النقبي تحت عنوان ومضات ضوئية في فندق الدوشيناك في خورفكان، وقد قدم الفنانان 100 عمل سلطت الضوء على البعد التاريخي والحضاري للتراث من خلال التركيز في أعمالهما التصويرية على مقاطع محددة من بعض الشواهد الآثارية التي تبرز علاقة الصورة مع التفاصيل الصغيرة، حيث تظهر بعض الحروفيات في الصور المعروضة وكأنها مشغولة بتقنية الجرافيك.
ندوة المنصوص والمبصور
حول واقع اللوحة الحروفية ومستقبلها وعلاقتها بالهوية وموقعها على خريطة التشكيل العربي جاءت ندوة المنصوص والمبصور لتجمع عددا من النقاد والمتخصصين بالفن التشكيلين، وتكشف عن وجهات نظرهم ونتائج بحثهم حول الحروفية وتتيح المجال لتقديم قراءات نقدية حول تجارب بعض روادها، حيث قدم الدكتور محمود شاهين استعراضاً موثقاً باللوحات عن طريق تقنية العرض بالسلايد لتجربة الفنان التشكيلي محمود حماد الذي يعد من الرواد العرب في إدخال الحروفية إلى اللوحة التشكيلية.
وأوضح شاهين تأثر حماد الذي درس الفن في روما بالمدارس الأوروبية الكلاسيكية في بداياته، وتدرج في تجربته مع مرور الزمن من الواقعية إلى التلخيصية التي تعتمد على البساطة في العناصر، وصولا إلى المرحلة الحروفية، وقد استمرت الكثير من مؤثرات تجاربه السابقة في لوحاته الحروفية، فحماد بحسب الدكتور شاهين لم يتعاط مع المعنى المباشر للحرف، وإنما ركز على شكله وحركته في إطار بنية اللوحة، فقدم لوحة حروفية فيها كل تقنيات التجريد مع توظيف الأشكال الهندسية من دوائر ومربعات في أرضيات لوحاته.
وقدمت الدكتورة مهى سلطان قراءة في تجربة الفنان رفيق شرف حيث أجرت توصيفا للمراحل المختلفة من تجربته الحروفية التي بدأت في منتصف سبعينات القرن الماضي مع الحرب الأهلية اللبنانية فقالت: أخذ الفنان رفيق شرف يرسم أشكالا حروفية على المحارم الورقية مع بداية الحرب، وكانت تلك الأشكال في منتهى القسوة ومشحونة بالسوداوية معبرة عن الواقع المؤلم للحرب، ثم حوّل تلك الأشكال إلى لوحات، ثم أتت مرحلة الثمانينات من القرن الماضي لتشهد تحولا في تجربته على مستوى النضوج اللوني واستخدام الرموز التراثية والشعبية، مع المحافظة على التلقائية وعدم الانتظام الهندسي في استخدام الحروف داخل لوحاته، وأحدث نقلات مهمة حيث بدأت الحروفية تقترب عنده من فن الجرافيك والحفاظ على المساحات وخط الأفق ما منح لوحاته اقتراباً من المدرسة الطبيعية، مصراً على أن تقدم لوحاته للمتلقي خطابا بصريا وليس أعمالا زخرفية.
واستعرض الفنان طلال معلا مدير المركز العربي للفنون تاريخ اللوحة الحروفية العربية منذ سبعينات القرن الماضي، وكيف تأثرت بالخطاب الثقافي العربي ما يطرح حسب رأيه مجموعة من الأسئلة حول الحروفية وعلاقتها بالخطاب البصري الذي يقدمه التشكيل، ما أفرز التباسات كثيرة وغموضا في قراءة موقع اللوحة الحروفية وكيفية استقبالها من قبل المتلقي ورأى معلا أن الحروفية تستند إلى قواعد صارمة في التكوين بينما يعتمد التشكيل على الحرية في التعاطي مع مكونات اللوحة من أشكال وألوان ونسب وغيرها من مكونات اللوحة التشكيلية، وهذا ما يدعو إلى وجود قراءات نقدية جادة للحروفية بعيدا عن متطلبات العرض والطلب في سوق الفن التشكيلي، فاللوحة الحروفية قائمة على التزيين والزخرفة بينما يحمل العمل التشكيلي كثافة ورموزاً ودلالات متفاعلة مع الحراك الاجتماعي والثقافي الذي يعيشه الانسان.
الإبداع والهوية
يرى الفنان صلاح سيرزاد أن إحدى المشاكل الكبرى اليوم التي تعاني منها الحروفية هي الطابع المتشابه في أعمال الحروفيين وعزا ذلك إلى التفاوت في التكوين الثقافي والفني والفكري الذي يمكن الفنان من إيجاد بصمته الخاصة في اللوحة الحروفية والاقتراب أكثر من شروط المعاصرة في تشكيل اللوحة، وتخطي المرحلة التقليدية، كي يتمكن المتلقي من التمييز بين أعمال فنان حروفي وفنان آخر على غرار الفن التشكيلي حيث يشكل الأسلوب أحد أركان الهوية الفنية لمبدع اللوحة
المرئي والمسموع
كما درجت العادة في مهرجان الفنون الاسلامية فإن المرئي والمسموع هو فسحة كبيرة لعرض أعمال لفنانين ينتمون إلى أجيال ومدارس مختلفة، وقد انقسم المعرض في هذه الدورة إلى قسمين الأول يبني اللوحة الحروفية من خلال القواعد الكلاسيكية للخط والآخر يسافر في فضاء اللوحة التشكيلية معتمدا على إمكانات الحروفية في إعطاء اللوحة دلالاتها حيث تبرز روح المغامرة في بناء معمار من مادتين فنيتين مختلفتين من حيث الانتماء والدلالة هما الخط واللوحة، ولقد برزت جلياً في اللوحات الحروفية اتجاهات مختلفة على صعيد توظيف القواعد الكلاسيكية، فقد حافظ البعض على بنيوية اللوحة الحروفية من حيث امتلاء اللوحة معتمداً على الإرث التزييني، بينما امتازت أعمال أخرى بخلق معادلة توازن بين المتن الحروفي وفضاء اللوحة مع توظيف التناقض اللوني بين لون الخط المستخدم وخلفية اللوحة.