فاز الروائي الصيني مو يان بجائزة نوبل في الآداب هذا العام عن #187;واقعيته التخيلية#171; . وهو ثاني كاتب صيني يفوز بهذه الجائزة العريقة، بعد منحها لغاو سينجيان في عام 2000 .
ولد غوان موي في عام 1955 في مقاطعة غاومي، ومع بدايات حياته الروائية اختار اسم مو يان والذي يعني #187;من لا يتكلم#171;، في إشارة إلى عدم القدرة على الكلام في مجتمع لا يرحب بالنقد . انضم مو إلى جيش التحرير الشعبي، الجناح العسكري للحزب الشيوعي الصيني، وبدأ الكتابة في عام 1981 وهو ما زال جندياً في الجيش . وبعد ذلك بثلاثة أعوام، بدأ التدريس في قسم الأدب في الأكاديمية الثقافية التابعة للجيش . يعد مو من أكثر الكتَّاب شهرة في الصين، وبالأخص مع صدور روايته #187;عشيرة سورغو#171; التي نقلها زانغ ييمو إلى السينما من خلال فيلم #187;الذرة الحمراء#171; الذي فاز بجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين عام 1988)،نتاجه غزير، يتعدى الثمانين رواية ومجموعة قصصية . تطبع أعماله واقعية قد تصل إلى حد العنف وتتناول التغيرات المفاجئة التي مرت بها الصين قبل الحقبة
الشيوعية وخلال الاجتياح الياباني والثورة الثقافية وفترات أخرى مضطربة في ظل النظام الشيوعي . ولكن، وبما أنه يدرك أن الكاتب لا يستطيع إلا أن يتحدث، فقد اختار العالم الغرائبي الذي يوصل من خلاله الفكرة من دون أن يتعرض للواقع بشكل مباشر، وهو أسلوب اعتمده رفاق له في أوروبا الشرقية لتفادي الصدام مع الرقيب في سنوات الرقابة على الفن .
ذكرت الأكاديمية السويدية في بيانها #187;أقام مو يان من خلال الجمع بين الخيال والواقع وبين البعد التاريخي والاجتماعي عالماً يذكر من خلال تعقيداته بعوالم كتاب مثل وليام فولكنر وغابريال غارسيا ماركيز، مع جذور ضاربة في الأدب الصيني القديم وتقليد القصة الشعبية#171; .
في روايته #187;قانون كارما القاسي#171;، يحكي الروائي الصيني الكبير محنة كزيمان ناو، مالك الأراضي الذي قتل على أيدي الماويين، وحكم عليه ملك الجحيم أن يتحول إلى حيوان . رواية خيالية، ولكنها بالأحرى رواية هجائية عن الصين الشيوعية . وفي هذا الحوار، يحكي مو يان عن نتاجه الأدبي والواقع الصيني المعاصر، خلال العقود الأخيرة .
فقد البرئ والمخلص كزيمان ناو نوعه الإنساني . هل لهذه الاستعارة أصداء في الحقيقة؟
- مصير كزيمان ناو غير عادل . حاز على ثروته بقوة الذراع، كان يستطيع أن يحيا حياة سعيدة . فضلاً على ذلك، كان يساعد الآخرين طواعية، ومع ذلك كانت نهايته تراجيدية، تجسداته في جسد مختلف استعارة، تعبّر عن حياة الفلاحين الصينيين خلال العقود الأخيرة، حياة الحيوانات إجمالاً . بعد صراع طويل، يعود كزيمان ناو إلى حالة الذات الإنسانية . هذا يرمز إلى مصير الفلاحين الصينيين بعد صعود الشيوعية . هناك مقولة بوذية تقول: #187;إذا لم أذهب إلى الجحيم، من سيذهب إليه؟#171;، أيضاً نستطيع القول إن تجسدات كزيمان ناو المتتابعة شيء من تطهير الذات .
وجدت روحه سموها، والحقد خرج منه، وفي آخر الأمر أصبح ذاتاً إنسانية .
هل نتقاسم في صين اليوم رأي كزيمان ناو بخصوص الشيوعية، وهل ستنتهي الأشياء إلى أن تتغير؟
- لا يمتلك الصينيون خطاباً ايديولوجياً، بما أن النظام لا يزال شيوعياً، من ناحية أخرى، فإن المجتمع الصيني الحالي يعيش عملياً الآليات نفسها في الغرب، بعيداً عن الاختلافات القائمة على مستوى السلطة السياسية . بما يختص بالاقتصاد الفردي، الأخلاق والقيم، هناك اختلافات كبيرة . لا نفكر في سؤال المعرفة إذا كنا نستطيع أو لا نستطيع تطبيق الاشتراكية، ما جعل كثيراً من الناس يعتقدون أن الأمر لا يعنيهم في شيء . الشيوعية، على المستوى التاريخي، أمر طيب، وإنما خلال تطور التطبيق، كان من الصعب قبولها حتى النهاية، لأن كل فرد يحوز في ذاته على شيء من الأنانية والنزعة الفردية . إذا لم تعتمد الدولة على القانون والأخلاق كحاجز، فسوف تعرف الكثير من المشكلات الكبيرة . وإذا كانت الاشتراكية عرفت كثيراً من الإخفاقات في تجربتها الصينية، كما في الكثير من الدول، فهذا لأنها لم تجد الشكل الذي يمكن النظرية من التطبيق . المجتمع الصيني الحالي، من وجهة نظري، ليس النموذج الكلاسيكي للاشتراكية، إنه نموذج غريب على الطريقة الصينية . ليس اشتراكياً ولا رأسمالياً، إنه نتاج هجين يوفق بين ما هو صيني وما هو غربي .
انجذبت شخصياتك إلى دوامات سياسية تتجاوزها، أصبحت في صدام مع الموضوعات الأيديولوجية . ألا يزال هذا الأمر متحققاً اليوم؟
- كانت حياة الصينيين خلال العقود الأخيرة رهيبة . قامت علاقات الناس على التناقضات، وكان يمكن حل كثير من المشكلات بطريقة سلمية بدلاً من العنف والصراعات المزعومة المبنية على صراع الطبقات . تحولت التناقضات بين الناس إلى صراع بين الطبقات حتى الموت، وهو السبب الجوهري نفسه لعدم الاستقرار في المجتمع الصيني . بعد فترة طويلة من المعاناة، أصبح الصينيون اليوم واضحين، لا يريدون الكلام عن الصراع الطبقي . يطمحون في مجتمع متناغم . بين الشعب والحكومة، تناغم في قلب الشعب وفي قلب كل فرد منهم، وهو أمر صعب التطبيق . نفكر في أن البوذية ترى ضرورة كبت الرغبات كافة للوصول إلى التناغم الكلي . حينما ترى شخصاً يقود سيارة فارهة، بينما تقود دراجة عتيقة، لن تكون سعيداً، أليس كذلك؟ حينما تنظر إلى شخص لا يمتلك أي موهبة مثلك، يصبح موظفاً سامياً، ويحيا حياة جيدة، لن تكون سعيداً، وسوف تصاب بالغيرة، أليس كذلك؟ أيضا، للوصول إلى التناغم الكلي، فمن اللازم الارتكان إلى قوة البوذية . يعرف المجتمع دوماً التناقضات، ولكن يحب التفكير في طريقة حلها من دون اللجوء إلى العنف، من خلال وسائل شرعية أو أخرى . إذا كان الصينيون أرادوا الحفاظ على حريتهم الفردية، فمن الضروري أن يعتمدوا على القانون . إذا تفاعلت في إطار القانون، فإنه يحمي حريتي الفردية . على هذا المستوى، جرت تطورات كبيرة في الصين . منذ عشرين عاماً، إذا مشى رجل وامرأة في الشارع متشابكي الأيدي . من الممكن أن يستجوبهما شخص ما، وإذا #187;كويت#171; الشعر أو ارتديت كعباً طويلاً، من الممكن إصابتك بالمتاعب . ومع ذلك، لا يهتم أحد اليوم بهذا .
ما هو وضع الرقابة الرسمية تجاه أعمالك؟
- عرفت رواياتي منذ البداية نوعين من ردة الفعل . يرى البعض، في الزاوية الفنية، أنني أكتب نتاجاً مجدداً، وأعرض طموحاً تحقق في الأدب منذ الثمانينات . أعتبر أن نتاجي جزءاً تم تقديره خلال هذه الفترة . لم يتوقف نقد أعمالي أبداً . وبلغ أوجه مع مخطوطة روايتي #187;نهود جميلة، أرداف جميلة#171; حين منعت . في 2004 وعوقب من نشروها، بيد أن الكتاب لم يمنع علانية .
هل يتعلق الأمر بالنشر الرسمي؟
- نعم، ولكن في الصين، هناك حالة خاصة للغاية، الدولة تراقب دور النشر، يستطيع الأفراد النشر، فقط يلزمهم الحصول على رقم الإيداع الدولي بثمن غال، حتى يكون نشرهم شرعياً . إنها ممارسة غير مبررة على الإطلاق . إنه تحكم يمارس على الإصدرات الفردية بالنسبة للنقد الذي تناول أعمالي على المستوى الأدبي، لم يمنعني من التجديد، من تحقيق الاكتشافات، من الطبيعي أن يتحقق النقد في مجال ما كما في مجال آخر، ولكن ما هو غير طبيعي، إصدار كتاب . أنا منفتح على هذا النمط النقدي، ولكن إذا منعت السلطة السياسية الإصدار أو توزيع الكتاب، فهذا أمر ضد حرية التفكير التي يجب أن تتحقق في المجتمع الحديث . من يراقبون الإصدارات في الصين أكثر ذكاء حالياً . خلال السنوات العشر الأخيرة، ليس هناك منع رسمي لأي كتاب، وإنما في الكواليس هناك نقد . ومع ذلك، هذا لا علاقة له بما كان يجري في السابق، حينما كان الكتاب يؤدي إلى النفي .
الدعابة في كتبك، وامتزاج سياقها الريفي بالخيال، تذكر الفرنسي بالأدب الشعبي، الشفاهي أولاً، ثم المكتوب خلال العصر الوسيط حتى القرن الثامن عشر، بالأخص كتابات (رابليه) . هل من الممكن إدراك هذا التأصيل البعيد في السياق الثقافي الصيني؟
- خضعت روايتي الأخيرة للعديد من التأثيرات: إرث الأدب الصيني الكلاسيكي الذي تربيت عليه، مثل #187;الحكايات العجيبة مقصورة وقت الفراغ#171; أو #187;على ضفة المياه#171; . في رواياتي، هناك تخليد لهذه القريحة . بالنسبة ل#187;الشره#171; لرابلية، مع وصفه السوريالي، كان لأسلوبه كبير الأثر في الأدبي الصيني المعاصر، لأن مجتمعنا، منذ الخمسينات حتى الثمانينات، يشبه إلى حد ما المجتمع الذي وصفه رابليه . هذا الانفصال عن الوقائع، هذا الجنون، هذا التشدق، هذه المبالغات . عشنا كل هذا ويجده القارئ في نتاجي .
بالتالي، خضعت لتأثير رابليه؟
- حقيقة لم أقرأه . سمعتهم يتحدثون عن رابليه، لأنه في فترة سابقة كان هناك ناقد روسي، متخصص في أدب رابليه، له تأثير كبير في الصين . وبما أنني لم أقرأ الكتاب، أعرف أسلوبه . #187;قانون كارما القاسي#171; كتاب ذو أسلوب صيني يصف المجتمع الصيني ويستعير الكثير من الأدب التقليدي الصيني . . . ثم، أنا أعيش في الصين . ولكن من الممكن أن يترجم وأعتقد أنه من الممكن أيضاً أن يحصل على كثير من القراء الصينيين، لأنه يصف الناس وعواطفهم . ومع ذلك، ما يتعلق بالذات الإنسانية، سواء كان صينياً، فرنسيا أو أي جنسية أخرى، فستظل الأنماط الرئيسة واحدة .
ألا تزال التقاليد الشعبية القديمة، التي تمنح الكتاب #187;نكهته#171; موجودة في الصين؟
- ما زال البعض موجوداً، واختفى البعض الآخر . منذ عقد من الزمان، عرفت الصين افتتاناً كبيراً بالثقافة . تعظم الحكومة التثقيف على المستويات كافة: المقاطعة، المنطقة، وهذا يتضمن أيضاً بعث التقاليد الشعبية، مثلاً حفل الربيع، الرقص على عكازين، أغاني حصاد الأرز، حفل منتصف الخريف، إشعال الفوانيس، الفنون الشعبية لكل إقليم، كما في #187;غاومي#171;، الأوراق المقطعة، المنحوتات الطينية، المسرح الشعبي . تحقق كل هذا بدعم الحكومة المادي الكبير في بعث هذه التقاليد . كل ما له أهمية إقليمية تم تنظيمه اليوم .
هل يدين السياق الريفي الذي عشت طفولتك فيه إلى سياق كزيمان ناو الريفي؟
- تصف رواية #187;قانون كارما القاسي#171; ريف طفولتي . تعد الحبكة وكثير من الشخصيات ثمرة تخيلي أو مستعارة من منابع أخرى . المظهر الجوهري للقرية هو مظهر طفولتي . البحيرة، الجسر الحجري الذي يتجاوزه، الطريق العريضة القائمة بعد الجسر التي تؤدي إلى مدينة المنطقة، غابات أشجار المشمش والمقابر، كل هذا كان حاضراً في طفولتي . ولكن بقلمي كبرت هذه الأشياء . مئة شجرة مشمش أصبحت ألفاً أو عشرة آلاف شجرة . من الضروري أن يؤوب كزيمان ناو إلى الطور الحيواني .
الإنسانية ليست شيئاً مكتسباً . ألا ترى أنها غير منسجمة إلا مع الاستعارة الداخلية البطيئة؟
- معاناة كزيمان ناو تحققت في الجحيم والمعاناة التي نقلها إلى أجساد مختلف الحيوانات في صورة اختبار للروح . خرجت روحه مهيبة، صافية . المعاناة ترتقي بالذات الإنسانية .
هل من اللازم أن يمضي كل فرد عبر هذا الطريق؟
- لا، ليس ضرورياً، ولكن يجب معرفة مواجهة المعاناة وعدم إنكار أنه طريق تقدم المجتمع الإنساني . إذا لم نعرف أي مظهر سيئ، أي معاناة، لا نستطيع معرفة قيمة الديمقراطية والتقدم، مر كزيمان ناو بكل هذا العقاب في الجحيم، لكي يفهم أنه ليس بالسهل التصرف كذات إنسانية، لكي يفهم ثمن حالة الذات الإنسانية، يجب أن يشكر السماء .
ولكن في البداية، لم يكن هناك أسوأ من هذا، إنه رجل شجاع . . .
- التناقض يرجع إلى الحدث أكثر من كون المرء رجلاً شجاعاً، يرجع إلى احتمال المعاناة، ومن دونها لا معنى . إنه اختبار تحمل المصير .
مو يان، مؤلف وشخصية من شخصيات #187;قانون كارما القاسي#171; . كيف يرى المؤلف والشخصية التي تحمل الاسم نفسه في الرواية؟
- أحياناً، تطابق شخصية #187;مو يان#171; في الرواية مع المؤلف، ولكن في معظم الأحيان، هي شخصية مستقلة، أشعر بكوني مثل القرد في #187;رحلة إلى الغرب#171;، الذي ينزع شعرة من جسده وينفخ فيها فإذا هناك قرد يشبهه . حينما أنظر إليها في هذه اللحظة، أجد أنها شخصية روائية، ولكن حينما أنفصل عنها وأدون ملاحظات عن الرواية، حينذاك أجده أنا، هو من يتكلم باسمي .
أصبحت الصين شريكاً تجارياً كبيراً للغرب . هل لهذا التطور أثراً حاسماً في المستوى الثقافي؟
- تعد التبادلات الثقافية والرحلات وسيطاً مهما لتطوير الإنسانية . من دون التبادلات فليس هناك تطور، من الضروري المقارنة . . بالنظر إلى الآثار الباريسية والصرعات، أستطيع أن أفهم الآثار والموضة في الصين بصورة من الصور، نتقدم بالأخذ من الآخرين، يجب على كل مجتمع إنساني أن يمارس السياسة بأسلوب الباب المفتوح، أما بالنسبة للتبادلات التجارية، فلا تتحقق بمفردها بل تنتج حتماً مبادلات تجارية، ولكن القوة القاطرة للتبادلات التجارية هي المال، هذا صحيح بالنسبة للصينيين والفرنسيين على حد سواء، إنها تبادلات على مستوى الحكومات ورجال الأعمال، ولكن الشعب الذي يعمل، على مدار التبادلات الاقتصادية يشارك في التبادلات الثقافية، فالفرنسيون الذين يزورون الصين، حتى وإن لم يكونوا كثيرين، ينشطّون حتماً أنماط الفكر وطرق العمل وأنماط الحياة التي تنتمي إليهم فليس هناك تبادل اقتصادي صرف، فالتبادلات الثقافية ممتزجة به .
كيف يرى كاتب صيني مثلك فرنسا وثقافتها؟
- فرنسا، بالنسبة للصينيين، دلالة رومانتيكية غير مباشرة، يختبرون عاطفة خاصة للغاية تجاه هذا البلد، على وجه الخصوص الصينيون المعاصرون إلى #187;كومونة باريس#171; على أنها نموذج الشيوعية، وهذا صحيح أيضاً لدى شيوعي العالم بأسره، ففي الخمسينيات والستينيات، قبل الثورة الثقافية، كان الكتاب الفرنسيون معروفون على نطاق واسع لدى القراء الصينيين، ولهم تأثير عميق، وإذا كان الصينيون يعرفون مدينة أوروبية، فإنها باريس! وعلاوة على ذلك، السياح الذين يزورونها أكثر بكثير من سياح أي مدينة أخرى، فأنا زرت باريس سبع مرات، وفي كل مرة يمتلكني الإحساس بأنني أرى شيئاً جديد، في كل مرة، هناك دوماً شيء جديد بالنسبة لي، فمثلاً جسور نهر السين، لا أختبر نفس الشعور في كل مرة أراها فيها . بالنسبة للأدب الفرنسي، أهتم بقوة : فيكتور هوغو، الواقعية النقدية، زولا، فلوبير، موباسان، بروست، دوديه، سارتر وكامو . أقرأهم دوماً . بدون شك لم يعد الفرنسيون يقرأون #187;مدام بوفاري#171;، ولكنه بالنسبة لي كتاب أقرأه وأعيد قراءته، تماماً مثل #187;الأحمر والأسود#171; لستندال، في العام الفائت، أعدت قراءة دوماس الأب، وأيضاً #187;جون كريستوف#171; لرومان رولان . قرأت أيضاً الرواية الجديدة، روايات روب-غرييه وكلود سيمون . قرأت قليلاً الروائيين الشباب المعاصرين، لأنني أكتب كثيراً ووقتي قليل .
(*) Entretien avec Mo Yan, Magazine Litteraire, Septembre 2009 .
* * *
"مو يان" من راعي غنم إلى "نوبل"
في إحدى المرات قام أعضاء من الحزب الشيوعي بتكريم #187;مو يان#171; الذي فاز قبل أيام بنوبل في الآداب بوجبة غذاء فاخرة، فيها ثلاثة أنواع من السمك بينها المحار وخيار البحر، وفجأة دهش مويان فقال #187;ليست لدي فكرة أن #187;غومي#171; فيها مطاعم فاخرة من هذا النوع#171;، لكنه أحس بأنه تعجل في الكلام فاعتذر من مضيفيه . هذا التمهيد الذي جاء على لسان سيمون اليجنت في مجلة #187;التايم#171; الأمريكية في 20 مارس/آذار 2010 يحمل الكثير من الدلالة، ف#187;مو يان#171; وهو الاسم الذي عرف به ككاتب في ما اسمه الحقيقي هو #187;غوان مويي#171;، عاش مرارة الحرمان في ستينات القرن الماضي فهو أصلاً ابن عائلة فقيرة كانت تعمل في الزراعة، ما أثر لاحقاً في سيرته الشخصية التي تسربت إليها ملامح تلك الفترة القاسية التي اضطرته ليقوم بمرافقة الماشية في الجبال والتحدث إليها في صورة أقرب إلى الجنون أو الهستيريا .
الشارقة - عثمان حسن:
في معظم أعماله الروائية والقصصية تحضر صورة #187;غومي#171;، فها هو #187;زانغ ييمو#171; يقوم باعداد سيناريو فيلم عن عمله #187;الذرة الحمراء#171; ويتحدث عن فترة الاحتلال الياباني للصين، ويقوم #187;مو يان#171; بإصدار الكثير من الأعمال ومنها على سبيل المثال #187;الضفدع#171; التي نشرت في عام 2009 والتي تتحدث عن سيرة قابلة تشهد عمليات ولادة قسرية بسبب الإجهاض، وهو عمل يقارب السياسة السكانية وتشجيع فكرة أن يكون للعائلة طفل واحد فقط، وتسرد القابلة سيرتها التي تحاول فيها التوفيق بين ولاءاتها المتضاربة لعائلتها وللحزب وخيط طويل من الألم والمرض وما شابه .
يدين حائز نوبل الصيني #187;مو يان#171; لمدينة #187;غومي#171; مسقط رأسه بالشهرة الأدبية، هذه المدينة التي يعترف الان بأنها تخطو بثبات نحو الحداثة، وهي تختلف عن #187;غومي#171; منتصف القرن، التي تتبع مقاطعة شاندونغ، التي ترتسم في مخيلته بفلاحين يركبون الحمير، وجمال على ظهورها أحمال ثقيلة تسير في شوارع متربة .
و#187;غومي#171; بحسب ما يعترف #187;مو يان#171; هي منبع إبداعه والمكان الحيوي الذي استلهم منه الكثير من شخصيات أعماله .
ومن المهم هنا التأكيد على أن مؤلفات مو يان الكثيرة، إنما تكتب للجيل الجديد الذي ولد بعد عام ،1980 وهؤلاء يقدر عددهم بنحو 350 مليوناً، وهي المجموعة التي تقرأ كتبه وتحقق له أفضل المبيعات .
ليس ذلك فحسب فواقعيته السحرية وأسلوبه البارع وحرصه على أن يظل في المسافة الرمادية بين إرضاء قناعاته ككاتب، وكل ما يثير حنق المؤسسة السياسية، هي من أسباب نجاحه، فقد جعله ذلك يختبر قدرته على الخيال الأدبي ويبتكر أسلوباً محترفاً ومقنعاً إلى حد بعيد .
وفي هذا السياق يصر #187;مو يان#171; بأنه لم يقلق يوما بشأن الرقابة على المصنفات الأدبية في الصين، عند اختيار ما يكتب فيقول #187;هناك بعض القيود على الكتابة في كل بلد، ويشير إلى أن عدم القدرة على الاقتراب من مثل الموضوعات الرئيسة فيه بعض المزايا، فمثل هذه القيود من وجهة نظره #187;تتوافق مع جماليات الأدب#171; ويضيف #187;واحدة من مشكلات الأدب الرئيسة هي الافتقار إلى الدقة، وأن على الكاتب أن يدفن أفكاره ويحملها عبر شخصيات عمله الروائي#171; .
أياً كان السبب ف#187;مو يان#171; يدرك أن رواياته ستبقى متجذرة في غومي، أو على الأقل الرواية التاريخية التي يفكر بكتابتها والتي تتركز على الحصار المفروض على البلدة منذ ،1930 عندما كانت تعصف بالصين مجموعة من المتنافسين من أمراء الحرب .
يحاول #187;مو يان#171; على أن يبقى على صلة طيبة مع الكتاب المعاصرين، رغم اختلافه معهم حول الموضوعات التي يكتبونها، وهي موضوعات ليست مثيرة للجدل من وجهة نظره، كالعلاقات وعذاب الامتحانات وخلافها، لكنه يقول #187;من المستحيل على واحد مثلي أن يستمتع بمثل هذه القصص، موضحاً #187;أنا لا أريد كتابة مثل هذه الأعمال#171;، ويضيف #187;لكني أتفهم أن هناك أسباباً لوجودها#171;، و#187;مويان#171; يقول بلا خجل إن الرغبة في الهروب من الفقر هي السبب الأول لوجود رواياته، لكنه يضيف #187;أن ذلك احتاج إلى زمن طويل ليتلاشى، والآن حيث أستطيع أن أقدم الفطائر للآخرين، فلماذا أصر على الاستمرار في الكتابة؟ ويجيب : ذلك لأن لدي أشياء لأقولها، #187;وأقولها بشيء من المتعة واللذة إذا ما أراد أن يستمتع بعلاقات طيبة مع مضيفيه على الغداء#171; .
بحسب اريك ابراهام سين مترجم الروايات الصينية الجديدة، فإن #187;مو يان#171; العارف بخفايا ما يواجه الكتاب الصينيين يدرك تماماً أين تقع الحدود، ولا يسمح لنفسه بتجاوزها، فمثلا سياسة الطفل الواحد في الصين، لم تعد من الموضوعات المثيرة للجدل الآن، وقد دخلت الصين سياسات إصلاحية جديدة، وهي من الأمور التي أدركها #187;مو يان#171; فكانت روايته #187;الضفدع#171; التي نشرت على نطاق واسع .
الفساد الذي كان ينخر المجتمع الصيني، وحياة الفقر والعوز التي عاشها في طفولته في إقليم شاندونغ حيث تقع قريته #187;غومي#171;، هي من الأسباب الحقيقية وراء حصوله على جائزة نوبل للآداب في العام الحالي، أما التفاصيل فكثيرة، حيث تلخصها سيرته الذاتية التي جعلته يترك الدراسة مبكرا، ويلتحق مع عائلته التي تعمل في الزراعة ليرعى الماشية، إبان الثورة الثقافية في الصين، وحكاية رعي الأغنام هي حكاية طريفة، فقد عاش معها حكاية أقرب إلى الهلوسة، وهي السمة التي طبعت أعماله كلها هلوسة ممزوجة بالواقعية أو العكس .
فقد تحدثت وسائل الإعلام عن طفل يرعى الماشية في الجبال، وهو يتحدث إلى أغنامه، ويجد نفسه مجبراً لتناول لحاء الشجر وفضلات الأرض لكي يبقى على قيد الحياة،، في ما بعد سيذكر التاريخ كيف أن هذا الولد الفقير، وبعد انضمامه إلى الجيش الشعبي، سيبدأ في الكتابة باسم #187;مو يان#171; وهو الاسم الذي يعني بالصينية #187;لا تتكلم#171; فكانت أولى رواياته #187;هبوط المطر في ليلة ربيعية#171; في ،1981 وتلتها القصص والروايات التي تتحدث عن الريف الصيني فجاءت #187;الذرة الحمراء#171; 1987 ثم #187;أغنيات الثوم#171; 1988 و#187;جمهورية النبيذ#171; ونشرت للمرة الأولى في الصين في عام 1992 وبالإنجليزية عام 2000 والتي يعدها البعض أفضل أعماله، و#187;خشب الصندل#171; 2006 و#187;انفجارات#171; و#187;الضفدع#171; 2011 وغيرها .
شَبَّهه #187;هاورد غولد بلات#171; الذي ترجم معظم أعماله إلى الإنجليزية بتشارلز ديكنز رغم تأثره بكتّاب مثل فولكنر، وماركيز، وغونتر غراس، ودي اتش لورنس . ومن المتوقع أن تصدر له رواية #187;بو#171; بالإنجليزية في يناير/كانون الثاني 2013 ليان
هو أستاذ غير متفرغ في جامعة شاندونغ في كلية الآداب والصحافة، وله نشاطات ثقافية كثيرة وحاصل على الدكتوراة الفخرية من جامعة هونغ كونغ .
ترجمت اعماله إلى الإنجليزية، والفرنسية، والروسية، والألمانية ما أتاح له فرصة التعريف به على مستوى العالم بعدما منح العديد من الجوائز الأدبية في بلده .