منذ فترة طويلة ينهال الإعلام الغربي المسموع والمقروء والمرئي تقطيعاً وقدحاً في شعيرة الأضحية بدعاوى الوحشية وسفك الدماء وغرس مفاهيم القسوة والعنف حسب زعمهم فالإسلام يعزز ثقافة إهراق الدماء ودليلهم ملايين الخراف التي تذبح سنوياً، وأن شعيرة الحج عند المسلمين لا تكتمل صحتها إلا بالذبح، ومثل كل عام انطلقت مؤخراً حاليا الأبواق الإعلامية، والجمعيات الأهلية، ومنظمات حقوق الحيوان منددة ورافضة، وداعية دول العالم للتصدي لظاهرة العنف الإسلامي، وكأننا من ارتكب المذابح في رواندا أو العراق وأفغانستان، وفلسطين، فكما يزعمون لا توجد ديانة سماوية أو وضعية تتبنى فكرة الأضحية عدا الإسلام. وفي كل عام وفي التوقيت نفسه تقريبا تقوم جمعيات الرفق بالحيوان في أمريكا وبريطانيا وفرنسا واستراليا باستنكار ما يفعله المسلمون في عيد الأضحى حيث تعرض تلك الجمعيات صوراً تظهر الأغنام بعد ذبحها وهي تتلوى من الألم تعبيراً عن قسوة المسلمين على حد زعمهم. الخليج طرحت القضية على بعض علماء الدين والمهتمين بالرفق بالحيوان لإلقاء الضوء على رعاية الإسلام للحيوان، وتوفير كل سبل الرعاية والرفق به، وفي محاولة لمعرفة كيف يواجه المسلمون الأقاويل والمزاعم الغربية.
هذه قصة حقيقية وقعت في مصر حيث أساءت استراليا فهم توجيهات الإسلام بشأن الأضاحي، وبدأت القصة بمقطع فيديو لا تزيد مدته على عشر دقائق التقطته سائحة أسترالية، تزامنت زيارتها لمصر مع عيد الأضحى قبل الماضي، واحتوى مشاهد لذبح الأضاحي اعتبر نشطاء أستراليون في مجال حقوق الحيوان أنها تشكل مخالفات لمواثيق الرفق بالحيوان.
كما التقط أعضاء بمنظمات الرفق بالحيوان الأسترالية مشاهد لعمليات الذبح اعتبروا أنها تضمنت معاملة شديدة القسوة للأضاحي.
وتضمنت المشاهد، بحسب المصدر، نقل الخراف بكميات ضخمة في الصناديق الخلفية لسيارات قديمة، والذبح الجماعي وسط تصفيق الصغار والكبار، وذبح الأضاحي أمام المنازل وليس في المجازر، وسلخ الخراف بنفخها بعد الذبح لفصل الجلد عن اللحم.
هذه المشاهد اعتبرت جمعيات الرفق بالحيوان الاسترالية أنها تندرج تحت القسوة في التعامل مع الحيوان، ونظمت سلسلة من المظاهرات احتجاجا على الطريقة التي يتعامل بها المصريون مع الخراف المستوردة من أستراليا.
واستجابة لضغوط جمعيات الرفق بالحيوان، قررت السلطات الاسترالية التضحية بالمكاسب الاقتصادية مقابل الانتصار لحقوق الحيوان، حيث أعلنت رفضها تصدير الخراف إلى مصر مما تسبب في مشكلة كادت تتحول إلى أزمة دبلوماسية.
وهذا ما جعلنا نسأل الدكتور أحمد الشربيني رئيس جمعية أصدقاء الحيوان والعضو في العديد من الجمعيات العربية للرفق بالحيوان عن تفسيره لتلك المواقف فقال: لابد أن نفرق تماما بين عمل المؤسسات الغربية المشبوهة التي تستهدف الإساءة للإسلام عن طريق بث بعض السلوكيات الخاطئة التي يرتكبها المسلمون وبين المؤسسات الدينية والمدنية العربية التي تستهدف تعميق ونشر ثقافة الرفق بالحيوان كما حث عليها الإسلام، ونحن في جمعيات الرفق بالحيوان العربية نثق تماما في أن الحملات التي تشنها بعض الجماعات الغربية ضد الأضاحي في كل موسم حج، لا يكون المقصود منها حماية حقوق الحيوان كما يدعون، ولكن تقديم الجانب السيئ من تصرفات بعض العرب والمسلمين بقصد الإساءة إلى الإسلام والمسلمين، فنحن مثلا نلاحظ سنويا وفي موسم الحج بالذات الحملة التي تقودها بعض الممثلات الغربيات وعلى رأسهن الممثلة الفرنسية المعتزلة بريجيت باردو ضد طريقة الذبح الإسلامي بهدف الإساءة إلى موسم الحج رغم المحاولات التي نبذلها ويبذلها العلماء المسلمون من أجل تصحيح المفهوم الخاطئ لدى بعض الجمعيات العالمية عن مفهوم الإسلام حول ذبح الحيوانات، وبلا شك فإن الإسلام يحث على الرفق بالحيوان وحسن معاملته، ويحرم تعذيبه، في الوقت الذي نلاحظ فيه أن بعض دول العالم التي تعترض على الذبح بالطريقة الإسلامية تقوم بقتل وتعذيب الحيوانات عن طريق اصطيادها بالمصائد والكماشات للحصول على الفراء والأشياء الأخرى التي يستخدمها الأثرياء للزينة، بالإضافة إلى ممارسة رياضة صيد الحيوانات بالغابات والمناطق المفتوحة، ونحن من نحرص على العمل على نشر الوعي بما تتضمنه آداب الذبح في الإسلام وكيفية التعامل مع الحيوان برفق وتوضيح كيف كان الإسلام سباقاً لهذا.
ممارسات خاطئة
ويضيف الدكتور الشربيني: لكن للأسف الشديد فإن هناك ممارسات يقوم بها بعض المسلمين تسيء للإسلام كدين وكثقافة، حيث يذبحون الأضحيات في جو تنعدم فيه شروط النظافة والوقاية رغم أننا نردد دائما أن النظافة من الإيمان، ولهذا يأتي دور الإعلام الإسلامي في بث ونشر تعاليم الإسلام في الذبح وتحقيق الغاية النبيلة من وراء هذه الفريضة، ونحن نحرص من جانبنا في كل المؤتمرات التي نشارك فيها على رد الهجوم الذي يتعرض له الإسلام ومحاولة الربط بينه وبين السلوكيات الخاطئة التي يتبعها بعض المسلمين، ولكننا للأسف الشديد نفاجأ في العديد من المؤتمرات الدولية بصور تعرض العديد من الممارسات المخزية التي يمارسها قلة من المسلمين وهي كلها ممارسات تمثل إخلالا بتعاليم الإسلام فيما يتعلق بمعاملة الحيوانات في مزارع الإنتاج وخلال عمليات النقل إلى الأسواق والمجازر، بالإضافة لما تلاقيه أثناء عملية الذبح من ممارسات نهى عنها الإسلام، وأنا شخصيا أنادي بضرورة أن تعمل الدول العربية على تدريب الجزارين على الممارسات الصحيحة للذبح طبقاً لتعاليم الدين الإسلامي مع وضع التشريعات اللازمة لمنع القسوة ضد الحيوان وتدريب كفاءات تباشر عمليات الذبح تتحلى بقدر من الثقافة الإسلامية كي تباشرها بطريقة صحيحة.
سنة الذبح
ويشير الدكتور محمد الدسوقي أستاذ الشريعة بجامعة القاهرة إلى أن العلم الحديث كشف خطأ المزاعم الغربية، وللأسف فإن الغرب يتجاهل لماذا تمت سنة الذبح باعتباره من أهم السنن الحميدة، ولا يمكن اعتبار هذه السنة من البدع أو الممارسات غير الإنسانية، وقد ثبت علمياً أن الذبح الإسلامي هو أسرع وأفيد الطرق المستخدمة لإنهاء حياة الحيوان، وقد كشفت الأبحاث العلمية أن للذبح الشرعي عدة فوائد أهمها قطع (الودجين) وهما أكبر وريدين سطحيين في جسم الحيوان يمران بالرقبة، اللذين يؤدي قطعهما إلى نزف أكبر كمية ممكنه من الدماء في أقل وقت ممكن، حيث ينزف ما يقرب من ثلثي الدم الموجود في جسم الحيوان، الذي يعد في الوقت ذاته أفضل وسط لتكاثر الميكروبات، والكائنات الدقيقة إذا بقي داخل الجسم.
ويضيف الدكتور الدسوقي: نحن كمسلمين يجب أن نتعامل مع تلك المزاعم بالتجاهل التام لأنها تخص إحدى عباداتنا، وهي ركن أساسي من أركان الإسلام غير مسموح بالنقاش فيه، والأضحية هي من العبادات الإسلامية المفروضة والتي تحمل في طياتها غايات سامية من تقويم وتربية وتهذيب وإصلاح الإنسان المسلم، وقد شرع الإسلام الأضحية لشكر الله على نعمه التي لا تعد ولا تحصى ولإحياء سنة الخليل إبراهيم عليه السلام حين أمره الله بذبح الفداء عن ولده سيدنا إسماعيل، وأن يتذكر المسلم مدى ما كان عليه سيدنا إبراهيم من صبر على البلاء ومدى ما كان عليه سيدنا إسماعيل من بر لوالده والذي أدى إلى رفع البلاء ونزول الفداء.
وفي الأضحية اعتراف بنعمة الله عز وجل لأن الأضحية تكون وسيلة للتوسعة على النفس، وأهل البيت وإكرام الجار والضيف والتصدق على الفقير والمسكين، وكل هذا يشعر الإنسان بالفرحة والسعادة بما أنعم الله به عليه، وقد سئل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل له يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟ قال سنة أبيكم إبراهيم قالوا فما لنا فيها؟ قال بكل شعرة من الصوف حسنة.
خطوات مطلوبة
ويقول الدكتور محمد الدسوقي: إن أفضل رد على المزاعم الغربية تجاه سنة ذبح الأضاحي هو تسليط الضوء على ما تقوم به الدول الإسلامية من تجميع لتلك الأضاحي وتوزيعها على فقراء العالم الإسلامي، ففي دول الخليج مثلا تحرص الحكومات الخليجية على الاستفادة بأضاحي المسلمين هناك وتوجيه لحوم تلك الأضاحي لفقراء العالم الإسلامي، وهو ما يمثل قمة التكافل الذي لم ولن يعرفه الغرب، وبالإضافة إلى تعريف الغرب بفوائد الأضاحي، فعلى المؤسسات الدينية والإعلامية في عالمنا الإسلامي تسليط الضوء على قيم الرفق بالحيوان كما جاء بها الإسلام، حتى لا نترك للغرب حجة يدخل بها، والإسلام هو الدين الوحيد الذي حين شرع الذبح حرص على الدعوة إلى الرفق بالحيوان، بل إنه جعل الرفق بالحيوان من الأسباب الجالبة لرحمة الله، ففي مسند الإمام أحمد من حديث معاوية بن قرة عن أبيه أن رجلاً قال: يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والشاة إن رحمتها رحمك الله.
وأضاف الدكتور الدسوقي: يجب أن ننشر أمام الرأي العام الدولي أن الإسلام سبق جمعيات الرفق بالحيوان بثلاثة عشر قرنا ويزيد، فجعل الإحسان إليه من شعب الإيمان وإيذاءه والقسوة عليه من موجبات النار، وهذه الحقائق يتعامى عنها الغرب الذي لا يريد أن يبصر ويسعى بكل الطرق للطعن في هذا الدين وإلصاق التهم بالأمة الإسلامية، ويجب أيضا أن نوضح موقف الإسلام من معاملة الحيوان معاملة بالغة الرحمة، فهناك آداب حتى في الذبح فالرسول صلى الله عليه وسلم يأمرنا بعدم سن آلة الذبح أمام الحيوان الذي سوف يذبح وألا تجر الدابة من رجلها، ولكن تساق بطريقة رقيقة وألا تذبح دابة أمام دابة أخرى، والرسول صلى الله عليه وسلم عندما وجد شخصا يسن آلة الذبح قال: أتريد أن تميتها موتتين، وأمرنا بأن نذبح الدابة وهي مضجعة على جنبها حتى تستريح، وأن تكون آلة الذبح ماضية حتى تسرع في ذبح الدابة، وحتى لا تتألم، ويضاف إلى هذا أن على صاحبها أن يمرر السكين بسرعة حتى تنتهي حياة الدابة بسرعة دون تعذيب، كما ينبغي على الإنسان أن يراعيها، بحيث تسقى الدابة ولا تذبح وهي عطشى أو جائعة، فيجب تقديم الطعام أو الشراب لها، وأن تذبح في مكان معتدل الحرارة ونظيف، وكلنا نعلم حديث الكلب الذي سقاه صاحبه فغفر الله تعالى له، والمرأة التي دخلت النار بسبب الهرة التي حبستها، وغيرها الكثير من الآداب والقيم الإسلامية الراقية والتي سبقت الغرب بقرون طويلة.
عناية لا مثيل لها
ورداً على هذه المزاعم الغربية يوضح الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس اللجنة الدينية بمجلس الشعب المصري والرئيس السابق لجامعة الأزهر بعض مظاهر عناية الإسلام بالحيوان فيقول: من يتأمل في نظرة الإسلام إلى الحيوانات بوجه عام والأليف منها بوجه خاص يجد أنها ذكرت في مواضع متعددة من القرآن الكريم على أنها نعمة من نعم الله تعالى على الناس، سخر بعضها لخدمتهم وبعضها للانتفاع بلحومها وأشعارها وأوبارها وهناك العديد من النصوص الشرعية تأمر بالرحمة والرأفة بجميع المخلوقات ومنها الطير والحيوان، ولهذا اهتم المسلمون عبر التاريخ بها اهتماماً بالغاً بالعطف عليها والرحمة بها، حتى إن هناك من أثرياء المسلمين من أوقف عليها وقفاً خاصاً بها وأكرموها إكراما لا نظير له وخاصة ما فيه فائدة كالخيل، حيث كانت عصب حياتهم، وهذا ابن عم النبي عبدالله بن عباس يقول في الخيل:
أحبوا الخيل واصطبروا عليها
فإن العز فيها والجمالا
نقاسمها المعيشة كل يوم
ونكسوها البراقع والجلالا
بل إن عبدالرحمن بن صخر الدوسي كناه الرسول صلى الله عليه وسلم بأبي هريرة لعطفه على هرة كانت تلازمه ورفقه بها وعاب القرآن على أهل الجاهلية ما كانوا يفعلونه من شق آذان الأنعام وجب سنام الجمل وإلية الشاة وهي حية، فجاء النهي الإلهي وأبطل هذا العمل، وبين أنه عمل من الشيطان، قال الله تعالى إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلا إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلا شَيْطَاناً مرِيداً. لعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتخِذَن مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مفْرُوضاً. وَلأُضِلنهُمْ وَلأُمَنيَنهُمْ وَلآمُرَنهُمْ فَلَيُبَتكُن آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنهُمْ فَلَيُغَيرُن خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتخِذِ الشيْطَانَ وَلِيّاً من دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مبِيناً وحرم الرسول صلى الله عليه وسلم قطع إلية الشاة واعتبر ما قطع منها ميتة لا يجوز الانتفاع به فقال (ما قطع من البهيمة وهي حية، فما قطع منها فهو ميتة). وفي هذا نهي عن تعذيب الحيوان وإيلامه بل إنه نهى عن الأضحية التي قطعت أذنها أو جزء منها أو المشقوقة أو المثقوبة أو مقطوعة الذنب، وعمم النهي عن قطع أي شيء من الحيوان قد يضر به مستقبلا كأن يقطع ذيله، قال عليه الصلاة والسلام: (لا تقصوا نواصي الخيل ولا معارفها ولا أذنابها فإن أذنابها مذابها ومعارفها دفاؤها ونواصيها معقود فيها الخير).
وعرض الدكتور هاشم للحكمة من تحريم الإسلام لأكل المنخنقة والموقوذة والنطيحة والمتردية وما أكل السبع إن لم ندركه بالتذكية بهدف المحافظة والرعاية التامة للأنعام حتى لا تتعرض إلى مخاطر تؤدي إلى هلاكها دون الاستفادة منها. بل إن الأمر الإلهي بوجوب الاهتمام بتربية وتغذية الحيوانات الموجودة عندنا لأنها عجماء لا تستطيع المناداة بما تحتاج إليه في قوله تعالى (وأنزل من السماء ماءً فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى. كلوا وارعوا أنعامكم) وقوله (فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم) وقوله جل شأنه: (أخرج منها ماءها ومرعاها. والجبال أرساها. متاعاً لكم ولأنعامكم).
توجيهات نبوية
وأوصى الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالحرص على إطعام الحيوان في الحضر والسفر: (إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حقها، وإذا سافرتم في الجدب فأسرعوا السير) وقد ذم الرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا أهمل بعيره حتى لحق ظهره ببطنه من شدة الجوع فقال: (اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة فاركبوها صالحة وكلوها صالحة).
وأكمل الدكتور هاشم لصور مضيئة من التوجيهات الإسلامية للرفق بالحيوان والتي تفوق ما نادى به أصحاب جمعيات الرفق بالحيوان الذين يسيئون للإسلام فقال: حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من التحريش بين الحيوانات وتهييج بعضها على بعض كما في مصارعة الثيران ومقارعة الكباش، كما اتفق علماء الإسلام على أن ضرب الحيوان وكيه على وجهه أمر منهي عنه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما مر بحمار قد وسم في وجهه (لعن الله الذي وسمه) وقال: (أما بلغكم أني لعنت من وسم البهيمة في وجهها أو ضربها في وجهها). ونهى الرجل عن أن يتحدث مع غيره لفترة من الزمن وهو على ظهر دابته فقال صلى الله عليه وسلم (إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وجعل لكم الأرض فعليها فاقضوا حاجاتكم).
وقوله صلى الله عليه وسلم (بينما رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحرث).
وطالب الدكتور هاشم بعدم الانشغال بالشعارات الفارغة التي يرددها الغربيون وأن نحرص على الالتزام بتعاليم الإسلام التي ارتقت بسلوكياتنا في التعامل مع كل ما يحيط بنا من إنسان وحيوان وجماد.
رفق بلا حدود
واستعرض الشيخ جمال قطب صورا أخرى من الرفق الإسلامي بالحيوان للرد على أكاذيب المشككين فقال: نهى رسول الرحمة عن تعذيب البهائم واتخاذها هدفا للتسلية، أو لتعليم الرماية، وقد مر ابن عمر بفتيان من قريش قد نصبوا طيرا وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا فإن رسول الله لعن من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا. وحرم حبس الحيوان دون طعام ولا شراب حتى الموت. فقال عليه الصلاة والسلام (ما من إنسان قتل عصفورا فما فوقها، بغير حقها إلا سأله الله عز وجل عنها، قيل: يا رسول الله، وما حقها؟ قال يذبحها فيأكلها ولا يقطع رأسها يرمي بها) وقال صلى الله عليه وسلم: (من قتل عصفورا عبثا عج إلى الله عز وجل يوم القيامة يقول: يا رب إن فلانا قتلني عبثا ولم يقتلني لمنفعة) وهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر مع بعض أصحابه فوجدوا فرخين لقبرة مع أمهما فأخذوهما فجعلت ترفرف بجناحيها فوق النبي صلى الله عليه وسلم فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال (من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها). ونهى عن أن يحد الذابح سكينته أمام ذبيحته رحمة بها، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا أضجع شاة وهو يحد شفرته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (أتريد أن تميتها موتتين؟ هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها).
ويضيف الشيخ قطب: تنهى تعاليم الإسلام عن ذبح الحيوان أمام غيره من البهائم، فعن عبدالله بن عمر قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحد الشفار وأن نواري عن البهائم وقال: إذا ذبح أحدكم فليجهز وقال عليه الصلاة والسلام: إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته). وهذا تحذير نبوي حين قال (عذبت امرأة في هرة ربطتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) وعكس هذا السلوك أوضحه في حديث آخر (بينما رجل يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئرا فشرب منها ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، ثم رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجرا؟ قال: في كل كبد رطبة أجر) وحتى في أوقات الحروب لم ينس الإسلام التوصية بالحيوانات فقال أبو بكر رضي الله عنه يوصي جيش المسلمين: (لا تخونوا ولا تغلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرا ولا شيخاً كبيرا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بعيراً ولا بقرة إلا لمأكلة).
فصل لربك وانحر
ويشرح الدكتور عبدالحي عزب عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية في بني سويف بجامعة الأزهر بعض مظاهر الرفق بالأضحية فقال: الأضحية شعيرة اسمية نصت عليها الآيات القرآنية فقال تعالى: فصل لربك وانحر وطبقها الرسول عمليا حين ضحى بكبشين سمينين، عظيمين أملحين، أقرنين، مخصيين وأضجع أحدهما وقال باسم الله والله أكبر اللهم عن محمد وآل محمد ثم أضجع الآخر وقال باسم الله والله أكبر اللهم عن محمد وأمته.
ورغب الرسول في الأضحية فروت عنه عائشة أنه قال: ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض فطيبوا بها نفساً وأكثر العلماء يرون أن الأضحية سنة مؤكدة لما روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث كتبت علي وهن لكم تطوع الوتر والنحر وركعتا الفجر. ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم علق الأضحية على إرادة المضحي في حديثه إذا دخل العشر أي العشر الأوائل من ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي. ومن شروط الأضحية التي تدل على رفق الإسلام وحرصه على نضح الأضحية حتى تكون الاستفادة بها كاملة أن تكون في الشياه ما اكتمل له ستة أشهر ودخل في السابع ومن البقر ما كمل له سنتان ودخل في الثالثة ومن الإبل ما كمل له خمس سنين ودخل في السادسة، ويستحب أن تكون الأضحية سمينة وعظيمة وحسنة ويجب أن تكون خالية من العيوب التي تؤثر في وفرة لحمها وجودته، ولهذا فلا يجزئ التضحية بالعوراء أو العرجاء، أو المريضة التي لا يرجي برؤها، أو العجفاء المهزولة، أو العضباء التي ذهب أكثر من نصف أذنها أو قرنها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربع لا يجوز فيها الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والعجفاء التي لا تنقى.
وإذا كان هناك من الأضاحي ما عظم لحمه من البقر المهجن بحيث إذا زادت على سنتين فإن لحمها لا يكون مستساغاً، وفي البقر غير المهجن يجزئ ما كان أقل من سنتين نظراً لحكمة الشارع من الأضحية وهي وفرة اللحم، حتى يكفي الفقراء.
توزيع الأضحية
ويدعو الشيخ عبدالحميد الأطرش رئيس لجنة الفتوى بالأزهر إلى تأمل كيفية توزيع الأضحية حتى تكون خير رد على من اتهموا الإسلام بالوحشية والدموية والأنانية وعدم العطف على الفقراء فقال: يستحب أن يطعم المضحي أهل بيته ثلثها، ويهدي ثلثها للفقراء من جيرانه وأقاربه، ويتصدق بالثلث على من يسألها تنفيذا لقوله تعالى فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر والقانع هو السائل والمعتر هو الذي يعتري الناس، أي يتعرض لهم ليطعموه، ولا يسألهم ذلك وليس للمضحي أن يعطي الجزار شيئاً منها أجرة له على عمله، ولكن إذا دفع إليه شيئاً منه لفقره أو على سبيل الهدية فلا بأس، فقد روي عن علي كرم الله وجهه قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنة، وأن أقسم جلودها وجلالها، وألا أعطي الجازر شيئاً منها، وقال: نحن نعطيه من عندنا.
ولا يجوز للمضحي كذلك أن يبيع شيئاً من الأضحية لحماً كان أو جلداً أو غيرهما، وله أن ينتفع بجلدها وفضلاتها بلا خلاف.
جمعيات مشبوهة
يقول الدكتور عبدالفتاح الشيخ رئيس لجنة البحوث الفقهية بمجمع البحوث الإسلامية: غريب أمر تلك الجمعيات المشبوهة التي تشن الهجوم على المسلمين كل عام في موسم الأضاحي، فالغرب يطالبنا مثلا بعدم نقل الحيوانات لما في ذلك من مشقة عليها ويريدون منا أن نستورد لحوم الحيوانات مجمدة، وهم بذلك يريدون منا أن نتنازل عن واحدة من أهم طقوسنا الدينية التي شرعها الله تعالى ألا وهي ذبح الأضاحي بأنفسنا، وأنا أقول لكل من يهاجم نقل الحيوانات وسفرها أليس في السفر مشقة على الإنسان مثلما هو الحال مع الحيوان، لقد أباح الشارع الحكيم للمسافر أن يفطر ولا يصوم فإذا كان الإنسان يتعرض لمشقة السفر فكيف لا يتعرض لها الحيوان، نحن فقط نطالب ببذل أقصى جهد ممكن لتيسير طريقة نقل الحيوان من مكان المرعى لمكان الذبح، لكن أن نمنع نقل الحيوانات نهائيا فهذا أمر لا يجوز.
ويضيف: الغريب أن يشن الغرب علينا حملاته العدائية ويصفنا بالوحشية في الوقت الذي يذبح فيه الغرب ملايين الرؤوس من الماشية والدواجن في العديد من المناسبات، مثل يوم الكريسماس حيث يصل ما يأكله الغرب إلى ما يزيد على خمسين مليون ديك في يوم واحد، وكذلك تفعل الولايات المتحدة الأمريكية في عيد الفصح وعيد الشكر وغيرها من أعيادهم، فلماذا لا نهاجم من يهاجمنا بنفس سلاحه ألا وهو الصور والأرقام، وفي نفس الوقت علينا أن ننشر الهدف السامي من ذبح الأضحية، فكثير من الغربيين إن لم يكن معظمهم لا يدركون أن الأضحية التي يتم نحرها في الدور والمنازل يوزع ثلثاها على الأقل على الأقارب والمحتاجين والفقراء، ويتبقى لصاحب الأضحية الثلث أو أقل، وفي كثير من الأحيان لا ينال منها شيئاً، تلك هي فلسفة الأضحية.
ونحن كمسلمين نذبح الأضحية في عيد الأضحى تعبداً واستجابة لأمر الله تعالى وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، فالأضحية هي تقرب إلى الله عز وجل. يقول تعالى: ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير.
ولقوله تعالى: ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين.
وحين شرع الله تعالى ذبح البهائم شرع الرحمة والرفق بها، فقد جاء في الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته وبالطبع فغني عن التعريف أن إحدى أهم فوائد الأضحية أنها تساهم في إطعام الفقراء والمحتاجين بالصدقة عليهم.