حققت الحضارة الإسلامية ازدهارا سريعا في الأندلس، وقد أعان على ذلك عدة عوامل منها الاستقلال السياسي المبكر الذي نالته الأندلس بعد أربعين سنة من الفتح العربي، فكانت الأندلس أسبق من سائر أقطار الدولة الإسلامية في الإحساس بشعور قومي أصيل نتيجة لهذا الاستقلال السياسي، وتكمن أهمية هذا الاستقلال في أنه مكن الأمراء الأمويين في الأندلس من تنظيم حكومتهم وإدارتهم للبلاد في رقعة محدودة لم يتجاوزوها، وعلى نحو راعوا فيه الظروف الخاصة لشعبهم، ولهذا فإن حكمهم بوجه عام كان أكثر نجاحا وتنورا واستقرارا من حكم العباسيين آنذاك لدولتهم الهائلة المترامية الأطراف الممتدة من تخوم الهند إلى المغرب الأقصى، فإذا أضفنا إلى ذلك تنوع العناصر الاجتماعية التي تألف منها الشعب الأندلسي، وما اعتدناه في قوانين الوراثة من تولد مجتمع جديد عن ذلك يكون في الغالب مشتملا على جميع مميزات تلك العناصر، أمكننا أن نلمح طرفا من أسباب هذا النضج السريع الذي قدر للمجتمع الأندلسي، وجعل من أنموذجه الحضاري نقطة انطلاق إلى دوائر أوسع في العالم الغربي.

ويضيف البعض عاملا آخر يتمثل في أن بعد الأندلس عن مراكز الثقافة العربية الإسلامية في الشرق أرهف فيهم الحساسية الثقافية والفكرية فجعلهم أكثر تطلعا إلى الأخذ بأسباب تلك الثقافة في حماسة شديدة، ومن يقرأ كتب التراجم الأندلسية الأولى يجد كيف كان تيار الرحلة إلى مختلف بلاد الشرق من أجل تحصيل العلم مستمرا لم ينقطع في أي وقت من الأوقات، وغني عن الذكر مدى ما كان لهذه الرحلات من أثر بعيد في صقل نفوس الأندلسيين وجعلهم من أكثر الشعوب الإسلامية تفتحا وأخذا بأسباب الحضارة.

لقد أصبحت الأندلس المركز الثقافي الإسلامي المتميز الذي يأتيه مثقفو أوروبا كلها طلبا للعلم من المصادر الإسلامية وكان أديلار الباثي (1090 1160م) من رواد هذه النهضة، فقد ولد في باث (قرب بريستول) ثم انتقل وهو شاب صغير إلى فرنسا، وسافر إلى صقلية وسيلسيا، وأجرى قياسات فلكية في القدس عام 1115م، وزار دمشق وبغداد ومصر وأمضى في إنجلترا سنوات رشده، وحاول أن يرسم بداية منهج علمي مؤكدا على أهمية البحث عن الأسباب الطبيعية، وعبر عن تشبعه بعلوم الحضارة العربية الإسلامية قائلا: هل من أحد غيري تعلم على يد المعلمين العرب سلوك درب العقل، فعليك من جهتك ألا تعميك غشاوة السلطة، إذ لو فعلت فكأنك قد ربطت برسن (أي زمام على الأنف) وأي شيء يمكن أن توصف به السلطة غير وصف الرسن؟.. إن تركت نفسك تخضع للسلطة تكن كالحيوانات التي لا تعرف لا إلى أين ولا إلام تجر.

ومن أهم ترجمات أديلار الباثي كتاب الخوارزمي في الحساب بعنوان الجمع والتفريق بحساب الهند وهو أول كتاب من نوعه من حيث الترتيب والتبويب والمادة العلمية، كما أنه أول كتاب دخل أوروبا وبقي المصدر المعتمد في البحوث الحسابية، وقد بقي علم الحساب لمدة قرون معروفا باسم الجوريتمي نسبة إلى الخوارزمي، كذلك قام أديلار الباثي بترجمة زيج الخوارزمي الذي انتشر كجدول فلكي في أوروبا.

وقد أفصح أديلار الباثي من خلال ترجماته اللاتينية للنصوص العربية عن مدرسة المترجمين في طليطلة، ولابد من التنويه هنا بفضل ريموندو (ت 1152م) أسقف طليطلة وكبير مستشاري ملوك قشتالة آنذاك، فهو الذي شجع حركة الترجمة ونقل الكتب العربية إلى اللاتينية.

ونتذكر من أمثلة الكتب العربية ذات التأثير الواضح في النهضة الفكرية والعلمية الأوروبية كتاب مقاصد الفلاسفة للغزالي، وبعض مؤلفات ابن سينا: النفس، والطبيعة، وما وراء الطبيعة، والجبر والمقابلة للخوارزمي، والزيج الصابي للبتاني، والمناظر لابن الهيثم، والحاوي والمنصوري للرازي، والكليات لابن رشد، وغيرها.

والجدير بالذكر أن الأنموذج الحضاري للأندلس لم ينته بسقوط مملكة غرناطة سنة 1492م، بل استمر بعد ذلك ممثلا في الموريسكيين، (أي: المسلمون الذين أرغموا على التنصر)، وهم الذين بقوا في إسبانيا حتى القرن السابع عشر الميلادي حينما تقرر طرد جماعات كبيرة منهم إلى الشمال الإفريقي، ومن هنا نرى أن الوجود العربي المادي في شبه الجزيرة استمر ماثلا محسوسا طيلة تسعة قرون على الأقل، وهي مدة كافية لأن يعمق المسلمون في الشعبين الإسباني والبرتغالي من خصائص الحضارة العربية الإسلامية وعطائها ما لا يزال سمة واضحة حتى اليوم، بل إن إسبانيا بالذات كانت المعبر الأهم الذي انتقلت من خلاله الحضارة العربية الإسلامية إلى أوروبا وأمريكا.

[email protected]