كانت «هناء» منذ نعومة أظافرها تشعر بأنها فاتنة وتزهو بجمالها ولم تكد تصل إلى الإعدادية حتى أصبحت حسناء بكل معنى الكلمة حتى أن والدها الحاج «سيد» جاءته أكثر من شكوى من المعارك التي تنشب بسببها بين الشباب من الجيران، لذلك بمجرد أن حصلت على الشهادة الإعدادية أبقاها في المنزل حتى يأتيها ابن الحلال. فرحت «هناء» في أعماقها بقرار والدها في الحقيقة وإن تظاهرت بعكس ذلك فتاريخها الدراسي لم يكن يبشر بأي أمل، كما أن جمالها الذي تزهو به يكفي ويزيد لكي يكون جواز المرور إلى تحقيق الآمال التي تحلم بها كل فتاة في مثل عمرها فبقيت في المنزل تنعم بحياتها وبالملابس الغالية التي تشتريها لها أمها وبدأ الخطاب يتوافدون على المنزل عندما بلغت السابعة عشرة من عمرها لكنهم جميعاً لم يلاقوا القبول منها لأنها لم تجد فيهم من يمكن أن يكون جديراً بها أو يمكن أن تتحقق على يديه الآمال التي تحلم بها في حياة مرفهة، خاصة وأن الشرط الوحيد الذي أملته على أبيها ووافق عليه مقابل حرمانها من استكمال دراستها هو ألا تتزوج إلا بموافقتها حتى تصادف أن توجهت إلى محل الألبان لاستئذان والدها في حضور حفل عيد ميلاد إحدى صديقاتها، ومصادفة كان في المحل تاجر ثري من إحدى دول الخليج وشاهدها، وعلى الرغم من أن التاجر كان قد تجاوز الخمسين من عمره وله في بلده زوجتان له منهما عدد من الأولاد والبنات، قلبت «هناء» كيانه وأخذ يحملق فيها وبمجرد انصرافها من المحل سأل والدها عما إذا كانت مرتبطة أم لا وبدأ الحوار بين التاجرين وانتهى بوعد من الأب بدعوة التاجر إلى الغداء في منزله بعد أن يكون قد مهد الطريق أمامه وحصل على موافقة «هناء».
نفذ الحاج «سيد» وعده بسلاسة تامة لم يكن هو نفسه يتوقعها وتمكن بسهولة من الحصول على موافقة «هناء» خاصة وأن مظاهر الثروة على العريس كانت تجعله أصغر سناً بكثير من الحقيقة وبعد أقل من أسبوع كانت «هناء» تمسك بيديها عقد الفيلا التي اشتراها العريس باسمها وتم الزواج في حفل باهظ التكاليف في أحد فنادق الخمس نجوم وسافرا إلى إحدى القرى السياحية لقضاء شهر العسل، وحتى ينتهي إعداد وتجهيز الفيلا لاستقبالهما عاد العروسان وأكملا شهر العسل في الفيلا لكن بعدها بقليل سافر العريس إلى بلده وترك «هناء» بمفردها فاستدعت أمها للإقامة معها بصفة شبه دائمة عدا الأيام التي يحضر فيها زوجها وبعد مرور عام واحد كانت «هناء» قد حملت وأنجبت ولداً، ما زاد من قدرها لدى زوجها فضاعف رصيدها في البنك لكن رغم كل مظاهر الثراء التي تحيط بها وتعيش فيها كانت «هناء» تشعر بالاكتئاب يكاد يخنق أنفاسها فزوجها يغيب عنها بالشهور وعندما يعود يتعامل معها وكأنها جزء من أملاكه، فبدأت تفتعل معه المشاجرات والخلافات حتى تخرج من هدوء ورتابة الأيام التي تعيشها. مع الوقت تطورت الخلافات وتفاقمت وتحولت إلى معارك باللسان تارة وبالأيدي تارة أخرى حتى طلبت منه الطلاق وكأنه كان ينتظر أن تقولها فألقى عليها يمين الطلاق على الفور وهو يخبرها بأنها صفقة خاسرة بالنسبة له وترك لها كل شيء ورحل.
وجدت «هناء» نفسها وهي في العشرين من العمر قد أصبحت مطلقة ولها ثروة طائلة وأنها بذلك قد أصبحت مطمعاً لصائدي الثروات وفي الوقت نفسه أغلقت صديقاتها الأبواب في وجهها لأنها تشكل خطراً على أزواجهن، وبعد حوالي عامين من الطلاق قررت القيام ببعض الإصلاحات في الفيلا كنوع من شغل وقت الفراغ الذي يخنقها ويكتم على أنفاسها وألقت بشباكها على صاحب مكتب الديكور الذي كلفته بعمل الإصلاحات وبدأت تشكو إليه وحدتها وسوء حظها وكان الرجل خبيراً بالنساء فأخذ يجاريها ويلقي على مسامعها الكلمات التي تشتاق إليها وعرض عليها الزواج بشرط أن يكون عرفياً فهو لا يريد إثارة مشاكل مع زوجته وأولاده، خاصة وأن مكتب الديكور الذي يديره مكتوب باسم زوجته. وافقت «هناء»على الزواج العرفي الذي تم في سرية تامة ولم يعرف به أحد كما طلب منها، لكن بعد أيام قليلة من الزواج شعرت «هناء» بأن عمليات الديكورات التي تتم في الفيلا قد تحولت إلى عملية نهب وسلب منظم لثروتها وكأن زوجها يحصل على ثمن الساعات التي يقضيها معها فثارت لكرامتها وهي تطالبه برد جميع الأموال التي أخذها منها وأنه كان من الواجب عليه باعتباره زوجها أن يقوم بعمل الديكورات المطلوبة على نفقته الخاصة ولو على سبيل «المهر» سخر الزوج من ثورتها وهو يحاول تهدئتها من دون جدوى، وانتهى الموقف بتمزيق عقد الزواج العرفي ومغادرة الفيلا وهو ثائر في قرارة نفسه لعدم تمكنه من الحصول على جزء كبير من ثروة زوجته كما كان يمني نفسه، وفي صباح اليوم التالي مباشرة كان قد أوقف الأعمال التي تتم في الفيلا ومنع العمال من استكمالها وتحدث معها هاتفياً يطلب مبلغاً كبيراً إن كانت تريد إكمال العمل وتطور النقاش إلى سباب وشتائم واتهمته بسرقتها وهددته بأنها ستقيم دعوى ضده لإلزامه بإكمال العمل أو رد نقودها.
بعد حوالي شهر كانت قد يئست منه فاتفقت مع مكتب ديكور آخر على إكمال العمل المطلوب ولحسن حظها كان المهندس «هشام» الذي تكفل بالعمل في الفيلا على خلق قويم وما زال شاباً يزيد عليها في العمر بسنوات قليلة ولم يطلب منها سوى مبلغ صغير بالنسبة لما كان يطلبه زوجها السابق فحولت مشاعرها المتأججة إليه فلم يحتمل سوى أيام قليلة ووجد نفسه يعرض عليها الزواج بصفة رسمية، وأنه مستعد لتلبية كل شروطها بقدر استطاعته.تم الزواج في حفل كبير وسافر العروسان إلى إحدى المدن الساحلية لقضاء شهر العسل وبالطبع لم تخبر «هناء» زوجها الجديد بزواجها العرفي واعتبرت أن ما حدث سيظل سراً لن يعرف به أحد، لكن عندما وصلت أخبارها إلى زوجها العرفي السابق كاد يغلي من شدة الغيظ فقد كان يمني نفسه بأن تعود إليه فقرر الانتقام منها وبحكم صلاته تمكن من معرفة رقم الهاتف المحمول للزوج الجديد الذي فوجئ بمكالمة هاتفية من شخص غريب يخبره فيها بأن عروسه ليست بريئة كما تدعي وأنه كان على علاقة بها ووصف له بعض العلامات في جسدها. أذهلت المفاجأة غير المتوقعة المهندس«هشام» وطاش صوابه ولم يعرف ماذا يفعل، وعندما أفاق وجد نفسه يحاول التملص من قبضة رجال الشرطة المحيطين به، وعرف بعد ذلك أنه اقتحم على زوجته الحمام وقام بخنقها بيديه وأن عمال الفندق تنبهوا إلى أصوات الاستغاثة الصادرة منها لكنهم لم يتمكنوا من إنقاذها فقد كانت قد لفظت أنفاسها الأخيرة قبل أن يحطموا باب الحجرة. أحيل «هشام» إلى النيابة وأمرت بحبسه على ذمة التحقيق بتهمة قتل زوجته عمداً مع سبق الإصرار.