هذا ما سنتحدث عنه في حلقات من خلال دراسات وتفاسير وآراء لعدد من علماء علوم القرآن.
«والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب».. (النور: 39).
يبدو الكون في هذا المشهد الخاشع متجهاً كله إلى خالقه، مسبحاً بحمده، قائماً بصلاته، وإنه لكذلك في فطرته، وفي طاعته لمشيئة خالقه الممثلة في نواميسه، وإن الإنسان ليدرك حين يرى هذا المشهد ممثلاً في حسه كأنه يراه، يقول المفسرون: من لم يتصل بهذا النور فهو في ظلمة لا انكشاف لها، وفي مخالفة لا أمن فيها، وفي ضلال لا رجعة منه، ونهاية العمل سراب ضائع يقود إلى الهلاك والعذاب لأنه لا عمل بغير عقيدة، ولا صلاح بغير إيمان.
ومشهد الكفر والضلال والظلام في عالم الناس، يتبعه مشهد الإيمان والهدى والنور في الكون الفسيح وهو مشهد يتمثل فيه الوجود كله، بمن فيه وما فيه، شاخصاً يسبح لله، إنسه وجنه، أملاكه وأفلاكه، أحياؤه وجماده.. وإذا الوجود كله تتجاوب بالتسبيح أرجاؤه، في مشهد يرتعش له الوجدان حين يتأمله: «ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون».
مفاجأة مذهلة
يقول علي بن نايف الشحود، الباحث في القرآن والسنة، في تفسيره (الإعجاز اللغوي والبياني في القرآن الكريم)، «التعبير يصور حال الكافرين ومآلهم في مشهد عجيب حافل بالحركة والحياة، ففي المشهد الأول يشبه أعمالهم بسراب في أرض مكشوفة مبسوطة، يلتمع التماعاً كاذباً، فيتبعه صاحبه الظامئ، وهو يتوقع الري غافلاً عما ينتظره هناك.. وفجأة يتحرك المشهد حركة عنيفة، فهذا السائر وراء السراب، الظامئ الذي يتوقع الشراب، الغافل عما ينتظره هناك.. يصل فلا يجد ماء يرويه، إنما يجد المفاجأة المذهلة التي لم تخطر له ببال، والتي تقطع الأوصال، وتورث الخبال: «ووجد الله عنده»! الله الذي كفر به وجحده، وخاصمه وعاداه، وجده هنالك ينتظره! ولو وجد في هذه المفاجأة خصماً له من بني البشر لروعه، وهو ذاهل غافل على غير استعداد، فكيف وهو يجد الله القوي المنتقم الجبار؟».
هكذا يمر المشهد في سرعة عاجلة تتناسق مع البغتة والفجاءة، وقوله سبحانه تعالى «والله سريع الحساب».. تعقيب يتناسق مع المشهد الخاطف المروع، وفي مقام آخر يتمثل الهول في ظلمات البحر اللجي الذي يغشاه موج من فوقه موج، من فوقه سحاب، وتتراكم الظلمات بعضها فوق بعض، حتى ليخرج يده أمام بصره فلا يراها لشدة الرعب والظلام! إنه الكفر ظلمة منقطعة عن نور الله الفائض في الكون، وضلال لا يرى فيه القلب أقرب علامات الهدى، ومخافة لا أمن فيها ولا قرار، «ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور».. ونور الله هدى في القلب، وتفتح في البصيرة واتصال في الفطرة بنواميس الله في السماوات والأرض والتقاء بها على الله نور السماوات والأرض.
جزاء العمل
يقول المفسرون: «الإنسان ليس مفرداً في هذا الكون الفسيح فإن من حوله، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته، وحيثما امتد به النظر أو طاف به الخيال.. خلائق من خلق الله، لهم طبائع شتى، وصور وأشكال شتى، لكنهم بعد ذلك كله يلتقون في الله، ويتوجهون إليه، ويسبحون بحمده، والقرآن يوجه الإنسان إلى النظر فيما حوله من صنع الله، وإلى من حوله من خلق الله في السماوات والأرض، وهم يسبحون بحمده وتقواه ويوجه بصره وقلبه، خاصة إلى مشهد في كل يوم يراه، فلا يثير انتباهه ولا يحرك قلبه لطول ما يراه، ذلك مشهد الطير صافات أرجلها وهي طائرة في الفضاء تسبح بحمد الله «كل قد علم صلاته وتسبيحه».. والإنسان وحده هو الذي يغفل عن تسبيح ربه وهو أجدر خلق الله بالإيمان والتسبيح والصلاة».
يقول محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره (التحرير والتنوير): «السراب هو رطوبة كثيفة تصعد على الأرض ولا تعلو في الجو تنشأ من بين رطوبة الأرض وحرارة الجو في المناطق الحارة الرملية فيلوح من بعيد كأنه ماء، فتكون كل طبقة أكثف من التي تحتها، فإذا انعكس على تلك الأشعة نور الجو من قرب طلوع الشمس إلى بقية النهار تكيفت تلك الأشعة بلون الماء، ففي أول ظهور النور يلوح السراب كأنه الماء الراكد أو البحر، وكلما اشتد الضياء ظهر في السراب ترقرق كأنه ماء جار، وقوله بقيعة فإن الباء بمعنى في، و(قيعة) تعني أرض، والسراب لا يتكون إلا في قيعة، والقيعة هي الأرض المنبسطة ليس فيها ربى ويرادفها القاعة».
وقوله: «يحسبه الظمآن ماء»، يفيد وجه الشبه ويتضمن أحد أركان التمثيل وهو الرجل العطشان، وهو مشابه الكافر صاحب العمل.. ومجيء الظمآن إلى السراب يحصل بوصوله إلى مسافة كان يقدرها مبدأ الماء بحسب مرأى تخيله، كأن يحدده بشجرة أو صخرة، فلما بلغ إلى حيث توهم وجود الماء لم يجد الماء فتحقق أن ما لاح له سراب، فهذا معنى قوله: «حتى إذا جاءه»، أي إذا جاء الموضع الذي تخيل أنه إن وصل إليه يجد ماء، وإلا فإن السراب لا يزال يلوح له على بعد كلما تقدم السائر في سيره، فضرب ذلك مثلاً لقرب زمن إفضاء الكافر إلى عمله وقت موته حين يرى مقعده أو في وقت الحشر، وقوله: «ووجد الله عنده» هو من تمام التمثيل، أي لم يجد الماء ووجد في مظنة الماء الذي ينتفع به من إن أخذ بناصيته لم يفلته، أي أنه عند ظنه الفوز بمطلوبه فاجأه من يأخذه للعذاب، وهو معنى قوله: «فوفاه حسابه» أي أعطاه جزاء كفره وافياً، فمعنى فوفاه أنه لا تخفيف فيه، فهو قد تعب ونصب في العمل فلم يجد جزاء إلا العذاب».