قال تعالى: وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكُلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه، وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم، قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (البقرة: 35 - 39).
تكشف هذه الآيات من سورة البقرة جانباً من جوانب إغواء إبليس لآدم وزوجه وإخراجهما من الجنة، لعصيانهما أمر الله بعدم الأكل من الشجرة في الجنة، وقد تعدد ذكر هذه القصة في عدة مواضع في القرآن الكريم، والمقام لا يسمح بذكر تفاصيل هذه المواضع، والمهم أن لنا في الآيات المذكورة وكما تعودنا تساؤلات ونظرات منها: ورد في الأعراف قوله تعالى: ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة (الأعراف: 19)
فهذه آية شبيهة بآية البقرة، ولكن مما يلحظ في الموضعين: أنه عطف فعل الأكل بالواو في البقرة فقيل: وكُلا منها، في حين عطف هذا الفعل بالفاء في الأعراف فقيل: فكلا، فما السر في هذا التغاير؟ ثم ما وجه إثبات كلمة رغدا في البقرة، وحذفها من الأعراف؟
لماذا قيل: ولا تقربا هذه الشجرة ولم يقل: ولا تأكلا من هذه الشجرة؟
ما دلالة الفاء العاطفة في قوله تعالى: فأزلهما الشيطان، ولماذا أوثرت على ثم؟
ما وجه بلاغة قراءة حمزة فأزالهما؟ وعلام يعود الضمير حينئذ في قوله عنها؟
وما الذي تثيره هذه الآية في النفوس؟
لماذا عُطف وقلنا اهبطوا بالواو دون الفاء؟
ما سر الفاء في قوله فتلقى آدم من ربه كلمات؟
بمَ يشعر التعبير بقوله فتاب عليه؟
وأخيراً: لماذا لم تذكر توبة حواء في هذا الموضوع على الرغم من أنها مذكورة في مواضع أخرى؟
زمن ممتد
نقول وبعون الله: أما عن العطف بالواو في البقرة في قوله: اسكن أنت وزوجك الجنة وكُلا، فإن المراد بالسكّن: الإقامة، وذلك يستدعي زمناً ممتداً فكان الموضع للواو لا للفاء لأن المعنى: اجمع بين الإقامة فيها والأكل من ثمارها، ولو كان العطف بالفاء مكان الواو في البقرة للزم تأخير الأكل إلى الفراغ من الإقامة. والمراد بالسكن في آية الأعراف اتخاذ الموضع مسكناً لأن الله تعالى أخرج إبليس من الجنة بقوله: اخرج منها مذموماً (الأعراف: 18) وخاطب آدم فقال: يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة الأعراف: 19) أي: اتخذاها لنفسيكما مسكناً فكلا من حيث شئتما، فكانت الفاء في هذا الموضوع أولى، لأن اتخاذ المسكن لا يستدعى زماناً ممتداً ولا يمكن الجمع بين الاتخاذ والأكل فيه، وزاد في البقرة قوله رغدا لَما زاد في الخبر تعظيماً بقوله: وقلنا بخلاف سورة الأعراف، فإن فيها قال من دون نون العظمة، وقيل: إن ما في الأعراف خطاب لهما قبل الدخول، وما في البقرة بعد الدخول والمراد دخول الجنة. والله أعلم.
وقيل: ولا تقربا هذه الشجرة ولم يقل: ولا تأكلا من الشجرة، لأن النهي عن القرب أبلغ من النهي عن الأكل، لأن القرب من الشيء ينشئ رغبة فيه، ومَيْلاً إليه، كما ورد في الحديث الشريف: من حام حول الحِمَى يوشك أن يقع فيه.
عاقبة المعصية
وتأمل الفاء في قوله فأزلهما أي تسبب في عصيانهما ومما لا شك فيه أن وقوع العصيان والخطأ من آدم وحواء كان بعد مضي مدة على دخولهما الجنة، وهذا يستدعي ظاهراً الربط بحرف التراخي (ثم) ولكن فاء التعقيب كانت الأنسب في هذا المقام، لأنها سلبت من آدم وزوجه الإحساس بالزمن الطويل من الإقامة في الجنة والتقلب في نعيمها وأومأت الفاء إلى أن إحساسهما بالسعادة والهناءة فيها كان قصيراً وذلك بالنسبة إلى أملهما في دوام البقاء في جنة الخلد، لقد قضت المعصية بآثارها من الخروج من الجنة والهبوط إلى الأرض على الإحساس بالسعادة والنعيم الذي تقلبا فيه طول مدة إقامتهما في الجنة، وهكذا قيل: رُب شهوة ساعة أورثت الذل العمر كله.
وتشير فاء التعقيب، في قوله فأزلهما إلى زيادة في العتاب من الله تعالى لآدم، لأنها صَورَته في صورة من أسرع إلى الوقوع في حبائل إبليس وغوايته، على الرغم من أن صدى نهي الله له عن الأكل من الشجرة كان ما يزال يتردد في أذنه. ولو وُضعَت (ثم) مكان الفاء لتلاشى هذا المعنى من ذهنك.
موعظة وترغيب
وقرأ حمزة فأزالهما من الإزالة أي الإبعاد، وعلى هذه القراءة يتعين أن يكون الضمير في قوله عنها عائداً إلى الجنة لا إلى الشجرة، وبلاغة هذه القراءة أن فيها إحضاراً لهذه الخسارة العظيمة في نفوس السامعين وأذهانهم. وقد أفادت الآية إثارة الحسرة في نفوس بني آدم على ما أصاب آدم جراء عدم امتثاله لوصية الله له، وفي الآية أيضاً موعظة ترشد إلى وجوب الالتزام بأوامر الله تعالى ونواهيه، وفيها ترغيب بني آدم بالسعي إلى ما يعيدهم إلى هذه الجنة التي كانت لأبيهم، والآية تُربي العداوة بينهم وبين إبليس وجنده، وتذكر بني آدم بهذه العداوة، حيث كان الشيطان وأعوانه سبباً في وقوع أبيهم في هذه الخطيئة التي أخرج من الجنة بسببها، وذلك حتى يكون بنو آدم ثأراً لأبيهم معادين للشيطان ووسوسته وإغوائه.
وعطف وقلنا اهبطوا بالواو دون الفاء، لأن الهبوط ليس بمتفرع عن الإخراج من الجنة، بل هو متقدم عليه، وهنا يتبادر سؤال بناء على هذا التوجيه وهو: لماذا تقدم ذكر الإخراج في قوله فأخرجهما مما كانا فيه؟
نقول: إن تقدم ذكر الإخراج فيه مناسبة لسياق الحديث عن وسوسة الشيطان وإغوائه لآدم، فلذلك قدم قوله فأخرجهما إثر قوله فأزلهما الشيطان وقيل في تعليل جمع الضمير في قوله اهبطوا: إن هبوط آدم وحواء اقتضى ألا يكون لنسلهما وجود في الجنة، فكان إهباطهما إهباطاً لِنَسْلهما. وقيل: الخطاب لهما ولإبليس والله أعلم بمراده.
وتأمل الفاء في قوله فتلقى آدم من ربه كلمات حيث تجد فيها إشارة إلى مبادرة آدم عليه السلام بطلب العفو والصفح من ربه، وفي التعبير بقوله فتاب عليه إشعار بأن أكل آدم من الشجرة خطيئة أوجبت تأديباً عاجلاً، لأنه لم يكن مترتباً عليها يومئذ جزاء أخروي، كما أن هذه الخطيئة لم تقدح في نبوة آدم عليه السلام، لأنها كانت بعد هبوطه إلى الأرض فلم تكن له عصمة قبل ذلك إذ العصمة عند النبوة.
ولم تذكر توبة حواء في هذا الموضع مع أنها مذكورة في قوله قالا ربنا ظلمنا أنفسنا، لأن الغرض من الكلام ذكر تكريم آدم وجعله خليفة في الأرض، فكان الاعتناء بذكر أحواله هو الغرض المقصود. والله أعلم.