أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يلحقوا بإخوانهم الأنصار بيثرب، على أن يهاجروا إليها فرادى أو في نفر قليل حتى لا يثيروا غضب قريش التي زادت من اضطهادها وأذاها . وكان أول من هاجر إلى يثرب أبو سلمة عبدالله بن عبدالأسد المخزومي، ثم قدمها عامر بن ربيعة ومعه زوجته ليلى بنت أبي خثمة العدوية، ثم عبدالله بن جحش وأخوه أبو احمد .
وبذلك تتابعت هجرة المسلمين إلى يثرب فخرج إليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولحق به أخوه زيد بن الخطاب، وعمرو وعبدالله ابنا سراقة بن المعتمر، وخنيس بن حذافة السهمي زوج ابنة عمر حفصة .
وهكذا بقي النبي محمد صلى الله عليه وسلم مقيماً في مكة المكرمة ينتظر الإذن من الله تعالى بالهجرة، بعد أن هاجر معظم المسلمين، ولم يبق معه إلا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وأبو بكر الصديق رضي الله عنه ومن حبس كرهاً في مكة المكرمة .
كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه كثيراً ما يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة فيقول له: لا تعجل لعل يجعل لك صاحباً . ويقصد أنه ينتظر الأمر بالهجرة معه، فابتاع راحلتين بثلاثمائة درهم وحبسهما في داره يعلفهما، وحمل معه ماله كله خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم، إعداداً للهجرة .
في غار ثور
انطلق النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر رضي الله عنه إلى غار ثور، وهو في جبل جنوب مكة المكرمة . ولم يعلم بمخبئهما غير عبدالله بن أبي بكر وأختيه عائشة وأسماء ومولاهم عامر بن فهيرة .
وكانت قريش قد أعدت شباناً لقتل النبي صلى الله عليه وسلم، ولما دخلوا الدار في الصباح وجدوا علياً كرم الله وجهه في الفراش عوضاً عنه . وأخذوا يقتفون أثره حتى أقبلوا نحو غار ثور . وتملك الخوف أبا بكر رضي الله عنه لما شعر بدنوهم من الغار وكان النبي صلى الله عليه وسلم يهمس في أذنه: لا تحزن إن الله معنا .
وكان الله سبحانه وتعالى ثالثهما، فما أن أقبل شبان قريش حتى أسرعت العنكبوت إلى نسيج بيتها تستر به من في الغار عن الأعين ثم جاءت حمامتان فباضتا عند بابه وتحت شجرة لم تكن نامية، مما زادهم إقناعاً بأن الغار ليس فيه أحد وعادوا من حيث أتوا . فقال الله تعالى: إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِن اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذِينَ كَفَرُوا السفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (التوبة، 40) .
احتياط كامل
أمضى النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه ثلاثة أيام في غار ثور، وكان عبدالله بن أبي بكر يزودهما خلالها بأخبار مكة المكرمة، في حين كلفت أسماء بنت أبي بكر بإعداد الطعام وإحضاره للغار ليلاً، وكان عامر بن فهيرة يرعى غنم أبي بكر رضي الله عنه نهاراً وفي المساء يأتيهما بالغنم ليشربا حليبها، ولتبعد بحركة سيرها أثر أقدام عبدالله وأسماء، مما يدل على دقة التخطيط والتنظيم لكيفية الخروج إلى يثرب .
وفي اليوم الثالث (4 ربيع الأول 622م) زودتهما أسماء بنت أبي بكر بالطعام والماء بعد أن شقت نطاقها فعلقت الطعام بنصفه وارتدت النصف الآخر، فسماها النبي صلى الله عليه وسلم ذات النطاقين . ثم تركا الغار بعد أن استأجرا دليلاً يقال له عبدالله بن أريقط . وبعد أن تأكدا من سكون ثائرة قريش .
سلك بهما الدليل طرقاً غير مألوفة للوصول إلى يثرب، وذلك زيادة في الحرص والحذر من تتبع قريش لهما . فاتجه بهما نحو الجنوب وكأنه يقصد اليمن ثم قصد تهامة على مقربة من البحر الأحمر، ثم اتجه شمالاً محاذياً الشاطىء مع الابتعاد عنه . مما يعني التخطيط والتنظيم والترتيب والاحتياط الكامل في عملية الهجرة .
استمرت رحلة الهجرة من غار ثور إلى يثرب سبعة أيام متتالية، وكان أهل يثرب يخرجون ما يزيد على خمسة أيام إلى ظاهر المدينة ينتظرون تحت حرارة الشمس قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ترامت إليهم الأخبار بهجرته وصاحبه . وكان الكثيرون منهم اتبعوه ولم يروه . وعندما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قباء، على بعد فرسخين من يثرب، استقبل بالنشيد المعبر عن الحب والولاء:
طلع البدر علينا
من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا
ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا
جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة
مرحباً يا خير داع
وكان يوماً مشهوداً لأهل يثرب وهم يستقبلون النبي صلى الله عليه وسلم .