السيدة هدى ابراهيم الخميس كانو، مؤسسة مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، وعضو عدد كبير من الهيئات والمؤسسات داخل الدولة وخارجها تمتلك تجربة حياتية مميزة في مجال الثقافة والفنون أتاحتها لها أسفارها المبكرة، واطلاعها على ثقافات متنوعة، وقد حازت جائزة المرأة من الأمم المتحدة مؤخراً، ومعها كان هذا الحوار الشامل:

تفتحت عيناي على جو أسري يتميز بالحب والوفاء والتسامح

بداية نود أن نتعرف إلى نشأتك وحياتك العلمية، وأبرز ما علق بذاكرتك منها.

- ولدتُ في بيروت لأم سورية ووالد سعودي، وتلقيت تعليمي في لبنان حيث درست في مدارس البعثات الأجنبية من راهبات أخوات المحبة، وقد كانت دراسة جميلة ذات تسامح عظيم، بعدها لم استطع إكمال الدراسة من تأثير الحرب فتوجهت للمملكة العربية السعودية حيث نلت التوجيهية من مدرسة التربية الإسلامية، وهي مدرسة خاصة بأبناء الملك فيصل، - رحمة الله عليه، وهي من المدارس الأولى التي شهدت تحديثاً في التعليم في المملكة، وقد كنا 5 بنات في الصف، وأذكر انني لم أكن كثيرة الكلام لعدم درايتي باللهجة السعودية، ولكن الوحدة العربية كانت في قلوبنا بالطبع، وبعدها ذهبت إلى فرنسا، فدرست الأدب الفرنسي في الجامعة الأمريكية، وتاريخ الفنون وفي المرحلة العمرية من 17 وحتى 22 عاماً يكون العقل قد بدأ في التوسع، وبالتالي تتبلور الشخصية، وقد اكتسبت من هذه المرحلة ضرورة البحث عن المعرفة وبعمق.. وذلك مع الخبرة والانفتاح على العلوم والفنون..، وهكذا فأنا فخورة بأنني قد نشأت في أحضان التنوير في لبنان وباريس، حيث وجدت في البلدين انفتاحاً على الثقافات وحواراتها.

أسرة منفتحة

ماذا عن أجواء الحياة الأسرية الأولى وكيف أثرت في شخصيتك؟

- تكفلت بتربيتي والدتي الكريمة حفظها الله تعالى، وقد كان الوالد من اوائل تجار المملكة العربية السعودية، الذين خرجوا بأعمالهم التجارية خارج المملكة، وكان مكتبه التجاري في لبنان في الثلاثينات من أول المكاتب التجارية هناك وكان لبنان مهماً في هذا المجال بالتحديد، وفي حياة الوالد تفتحت عيناي على المعرفة، وعلى جو من الحب والدفء، والتسامح فقد كان مجلس أبي مفتوحاً للتجار وتحضره المرأة بقوة بخاصة في ظل وجود والدتي، وتعلمت منه احترام الغير والاخوة والمرأة بخاصة في ظل تعاليم ديننا الحنيف التي تحض على التسامح، مع التعاون على فعل الخير، والزخم الثقافي الكبير الممثل في المطارحات الشعرية ما بين أبي والزائرين.. حتى شاء الله تعالى ان يتوفى الوالد، ونحن صغار وقد ترك فينا أثراً كبيراً جداً، فنحن 7 إخوة 3 من الإناث و4 من الذكور، وكنت انا الثالثة، بالوسط تقريباً، وعلى الرغم من انه تركنا في فترة كنا بأشد الحاجة إليه فيها إلا أن الوالدة تصدت للمسؤولية وربتنا على القيم العربية والإسلامية وحرصت على دفعنا للأمام.

ماذا عن عشقك للفنون الإسلامية؟

- في الحقيقة لو عاد الزمان بي للوراء لاخترت أن أدرس - الفنون الإسلامية - بالتحديد، فمن خلال انفتاحي على تاريخ الفنون في باريس، وزيارة المتاحف اكتشفت عظمة تلك الفنون، وعظمة التاريخ الإسلامي، وبعدها بفترة بسيطة تزوجت وكان حماي الدكتور عبداللطيف كانو خبيراً في جمع تلك المقتنيات فانفتحت أمامي آفاق كل هذه الكنوز الإسلامية ولذلك كله تمنيت لو تخصصت في ذلك المجال بعينه.

سر نجاح المجموعة

ننتقل للحديث عن زواجك واستقرارك في الدولة ثم بداية حياتك العملية مع مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون.

- بعد فترة تعليمي في فرنسا عدت إلى المملكة العربية السعودية، ولكن شاء الله أن يتوفى زوج أختي، وهي شابة، وكانا يقيمان هنا في الدولة، فطلبت أن أحضر لأقيم معها.. وقد كان، ومن هنا تعرفت إلى زوجي الحبيب، وقد كان زواجاً تقليدياً خلال شهر، والحمدلله أن أنعم علي بالزوج الصالح الذي يمثل الصديق في الوقت نفسه وهو ما كرس لدي أن المرأة هي عماد البيت، ومصدر الراحة لكل من فيه، وهو يفتخر بي في كل حين ومكان، وقد أنعم الله علي بالفعل بمحمد عبداللطيف كانو زوجي.

وحينما استقررت علمت أن مفتاح تقدم أي أمة هو في التعليم الراقي، والانفتاح على الثقافات والفنون مع معرفة الذات والحوار والتسامح، والاحترام المتبادل مع الآخرين، وقد يسر الله لي التعليم المتميز، ولم يكن ذهابي إلى فرنسا في سن مبكرة سهلاً، وقد كان غرضي هو أن أخدم المجتمع الذي أحيا فيه بالطريقة المناسبة لي.

ومن هنا أسست مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، في أبوظبي رغبة في خدمة مجتمع الدولة، ولتحديث وتطوير الفكر والتعليم لدى شبابنا، وقد كان سر نجاح المجموعة، ولا يزال الصدق والشفافية.. وبخاصة ما ترسخ لدي من أن الثقافة ليست خاصة بالنخبة فقط، بل هي للعامة، أيضاً فقد انتهت أيام النخبة، ولذلك فقد استقدمنا فرقاً موسيقية عالية، وهذا في رأيي هو جمال أبوظبي، التي انفتحت، وساهمت في انفتاح الثقافة بالدولة وفقاً للقيادة العظيمة الرشيدة، مع بنائها على الفكر التطوعي المجتمعي، وخدمة التعليم وقد أسسنا برامج ثقافية تعليمية خاصة بالفنون التشكيلية والأداء الموسيقي وما كان هذا سهلاً، لولا تعاون المسؤولين بل الشيوخ في أبوظبي معنا.

تذليل الصعاب

وتضيف: يرجع أصل المجموعة إلى فكرة طرحتها على المفكر محمد أحمد السويدي، في المجمع الثقافي بأبوظبي والذي عملت فيه لفترة، وقد واجهتنا صعوبات كثيرة، ولكن الله يسر الأمور خلال أول عامين، وكانت هناك تجارب عظيمة عبر الجامعات والمدارس والجهود. ثم قبل الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، أن يكون رئيساً للمجموعة، وكان هذا شرفاً عظيماً لها وفضلاً كبيراً منه، وكان لمساهمات القطاع الخاص رغم تواضعها أثر في مسيرة النجاح، بالاضافة إلى قدرة المجموعة على بسط علاقات مميزة مع المؤسسات الثقافية والفنية خارج الدولة، وبذلك استطعنا أن نستحضر أعمالاً فنية على مستوى راق بخاصة مع دعم الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الذي يساهم في انفتاح أبوظبي على الثقافات الأخرى على الدوام.. ولكي تكون مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، مؤسسة نفع عام، وهو دور الدولة فما كان لها أن ننجح إلا بفضل قيادتها الحكيمة، ولما كنا لنحقق ذلك في أي مكان آخر، مع أمنياتي لجميع الأشقاء العرب بالتقدم، فنحن بحاجة إلى يقظة وإلى نهضة لتلك التي نراها هنا في أبوظبي.

ماذا عن أهم نصائحك للشباب من الجيل الجديد لكي يحلق في آفاق النجاح؟

- ينبغي على الجيل الجديد أن يفكر متخذاً من الوسائل المتاحة أمامه وسيلة في سبيل ذلك من التعليم وغيره ومع توفر وسائل الابداع يجب أن يزداد عزم هذا الجيل على أن يكون مبدعاً أوقادراً على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، وعلينا أن نعطي هذا الجيل حقه دائماً، في التفكير الحر.

التسامح والاحترام

وماذا عن أبنائك بشكل خاص؟

- أحب دائماً أن أقول إن لدي 3 أبناء ومجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، أما عن أبنائي الثلاثة فهم عبداللطيف المحب للانتربولوجيا المهتم بعلب الكرة ثم نور التي تهتم بالكتابة والموسيقا، والخيل وأخيراً عبدالرحمن الذي يرسم ويلعب التنس.

وقد حرصت على تربيتهم جميعاً على التسامح والاحترام، وهو أمر مهم جداً مع الالتزام الديني والتسامح وهي أمور لا يخاف من يربي أبناءه عليها، وأتمنى لهم مستقبلاً التوفيق والثبات على الحق والدين، ونحن نربي أبناءنا بما نستطيعه والباقي على رب العالمين.

ماذا عن جائزة المرأة التي منحتها لك الأمم المتحدة مؤخراً؟

- في الحقيقة فإنني ممتنة لهذا التقدير الذي أعتبره تقديراً لكل امرأة عربية، وهو يضعني في مجال الحرص على تقدير المسؤولية أكثر وأكثر، ويشرفني أن أهديها لأم الامارات السيدة العظيمة، الشيخة فاطمة بنت مبارك آل نهيان، لفضلها عليّ وعلينا جميعاً ولاضطلاعها بدور قيادي في تعليم ودعم حرية المرأة لتثبت وجودها في الحياة.

ماذا عن أمانيك العامة والخاصة؟

- أتمنى أن نستطيع بناء نهضة شاملة تدعم الابداع، وتطوره وتحقق العدالة وأن يكتب الله لي العمر كي أرى سلاماً عادلاً في فلسطين الحبيبة، ولأشهد القدس عربية، أما بالنسبة للشباب فأحب لهم، ولجميع أهل الامارات وبخاصة من جيل المستقبل، أن يعرفوا أن أهم شيء لديهم هو الولاء للوطن فأرضه هي الثابتة بينما يتغير كل شيء من حولنا، ولذلك يجب أن نعطيه جميعاً حقه بالوفاء له، والبحث عن المعرفة بعمق وصدق وموازنة ما بين العقل والقلب.

في ظل ما أنعم الله علينا من قيادة رشيدة، وهكذا فينبغي علينا، جميعاً أن نقدم التنازلات لوطننا الحبيب مع التضحيات لكن بما هو دون القيم الأصيلة والعمل الصالح.