د. عارف الشيخ

النكاح له جانبان: جانب شرعي، وجانب قضائي، والنكاح لكي يصح شرعياً اشترط الفقهاء رحمهم الله أن يتوافر فيه رضا الزوجين، وحضور ولي المرأة على رأي الجمهور، وشاهدا عدل من المسلمين، وخلو الزوجين من الموانع.
فمتى توافرت هذه الشروط وتم الإيجاب من طرف الولي، والقبول من طرف الزوج تم النكاح شرعاً، ولا يشترط أن يكون إجراء العقد على يد فلان من المشايخ، أو بالصيغة والعبارة الفلانية وفي المكان الفلاني.
والنكاح بعد هذا الإجراء ينبغي أن يعلن عنه أمام الناس ولو في حفل صغير لما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف». المهم أن يفرق بين النكاح المشروع وبين السفاح غير المشروع، وقد ذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله إلى أن شرط الإعلان يتحقق بوجود الشاهدين، فمتى شهد عليه الشاهدان لم يكن ذلك النكاح سراً.
أما تسجيل الورقة أو إجراء العقد في دفتر المأذون المختص بإجراء العقود وفق قوانين الدولة، ومن ثم اعتماد العقد من القاضي المختص بالأحوال الشخصية في المحكمة، وختمه من المحكمة، فإن كل ذلك يعد من الإجراءات القضائية، ولا علاقة لها بصحة العقد من عدمه شرعاً.
لكن الزوجين اليوم أو أهل الزوجين أو المأذون، ملزمون باتباع هذه الإجراءات، وإلا فإن المحكمة لن تصادق على ورقة العقد، وإذا لم يتم التصديق على العقد، فإن العقد لا قيمة له حسب أعراف الدول وقوانينها.
وبناء على هذا فإننا نستطيع الآن أن نفرق بين النكاح الصحيح شرعاً والزواج العرفي، فالنكاح الصحيح هو عقد يتضمن إباحة الوطء بلفظ الإنكاح أو التزويج كما قال الفقهاء، وهو ما تعارف عليه الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو ترك.
أما الزواج العرفي فيراد به أحد الأمرين:
١. النكاح العرفي الذي تتوافر فيه الأركان والشروط، لكن العقد يكون غير موثق من أي جهة قضائية مختصة، وهو ما يعرف بنكاح السر، لأن الزوجين يختليان ببعض كزوجين إلا أن الناس لا يعلمون بذلك، ولا بينهما ورقة تثبت أن العلاقة بينهما مشروعة، ومن الثابت أيضاً أن العقد تم بحضور الولي وبحضور الشهود لكن لم يعلن عنه، لذلك سمّي بالزواج السري.
٢. أن يتم الاتفاق بين رجل وامرأة فيتزوجان من غير شهود أو بحضور الشهود لكن من غير علم الولي، وهذا النوع من الزواج العرفي يعد باطلاً لأنه غير مستوف للأركان والشروط الأساسية.
إذن فالنكاح الصحيح ما استوفى الركنين: الإيجاب والقبول، واستوفى الشروط وهي: تعيين الزوجين، ورضا الزوجين، وحضور الولي، وحضور الشاهدين، وخلو الزوجين من الموانع الشرعية.
وأما المهر فهو من الواجبات على أصح الأقوال وليس من الأركان ولا من شروط صحة النكاح.
وليكن معلوماً بعد هذا أنه ليس كل زواج عرفي يعد باطلاً، بل الزواج العرفي الذي لم يستوف الأركان والشروط كما ذكرنا قبل قليل، أما التوثيق فمطلب قضائي فقط.