إن علاقة الشاعر بديوانه بعد إصداره، تعد من الأسئلة التي تطرح عليه - عادة - لاسيما أن هذا الديوان قد أصبح في متناول الجميع، ولم يعد شأناً ذاتياً، كما حال القصيدة قبل وصولها إلى يدي المتلقي .

ومواقف الشعراء، تختلف، من إصداراتهم الشعرية، بعد طباعتها، بين واحد وآخر، فمنهم من يظل الديوان أو المجموعة الشعرية ملتصقين، بلحظته وروحه، يكاد لا ينفك من أسرهما، بينما هناك من سرعان ما يتحرر من مثل هذه السطوة، تدريجياً، ويتعامل مع ديوانه، كأنه مكتوب بقلم سواه، حيث يستطيع ممارسة النقد بحقه، وهو أعلى أشكال العلاقة بين الشاعر وإنتاجه، لأن هذا الأنموذج، يستطيع التخلص، من بعض الملاحظات التي تتعرض لها نصوص ديوانه، وذلك إما عن طريق الروح النقدية التي يمتلكها، على اعتبار أن الشاعر، هو خير ناقد لقصيدته، بل هو بحسب البعض ناقدها الأول، أو عن طريق سواه، من قراء، ونقاد .

بغض النظر، عن صوابية الملاحظات التي يسمعها الشاعر، بعيد طباعة أي أثر شعري، في ما إذا كانت دقيقة، لاسيما أن هناك نقوداً تظهر من قراء عاديين، بيد أن هناك نقوداً دقيقة، تصدر من قراء متمرسين، متابعين للخط البياني الشعري، ونتيجة خبرة طويلة من قبلهم، حيث نكون هنا إزاء ناقدين، أحدهما متمكن، والآخر، ذو إمكانات، ربما، محدودة، إلا أن الشاعر المبدع يصغي إلى آراء من حوله، مهما كانت ضئيلة الفائدة، لأن الشاعر أكثر من يستطيع استخلاص جوهر رأي متلقيه، وناقده، كي يستطيع مفاجأتهما، في كل مرة، بما يليق باسمه وصوته .

أجل، إنه لمن الضروري أن يتسع صدر الشاعر، لمثل هذه النقود التي يتلقاها من الآخرين، لأنها وحدها التي ستدفعه، في مواصلة إبداعه، وتقديم ما هو أفضل، بينما ذلك الشاعرالذي يضيق ذرعاً بنقد الآخرين لنصوصه، والذي لايستطيع مواجهة نصوصه بمبضع الآسي، الذي يزيل أية زوائد، ويسد أية ثغرات موجودة، بروح المبدع الحذق، فإن نصوصه لا يمكن أن تتطور، محققة، ما يروم من نجاح، ولن تحافظ قصيدته، على خط سيرها، التصاعدي، كما هو شأن القصيدة الإبداعية .

ولتعامل الشاعر مع قصائده التي يكتبها، على امتداد فترة زمانية، أكثر من طريقة، فهناك الشاعر الذي يجد في مجموعته الشعرية أو ديوانه، وثيقة فنية، يقدمها، من دون أن يبالي - بالشكل المطلوب - بمسألة جوهرية، لدى أي مبدع، وهي أن العمل اللاحق، يجب أن يسجل تجاوزاً للعمل السابق، بيد أن هناك - في المقابل - يعتبر التجاوز شرطاً رئيساً لأي ديوان تال .

يقول الشاعر محمد البريكي: يعتبر الديوان بالنسبة للشاعر خلاصة تجربة زمنية ما تتنوع فيها المضامين، وتختلف الحالة النفسية من قصيدة لأخرى، ويبدأ الديوان يكبر في عين الشاعر، ويشب كما يشب الطفل الوليد، أو البرعم الذي ينمو ليصبح غصناً مثمراً، ثم يبدأ الشاعر في توزيع ثمار هذا الغصن على المتلقي في لحظة زمنية، ما إن يرى إن هذا الثمر أصبح ناضجاً صالحاً للاستهلاك الشعوري .

وقد يأخذ قرار الإعلان عن ولادة الديوان وقتاً طويلاً لدى الشاعر يمر فيه على تفاصيل قصائده، يهذبها كما يهذب المولود ويلبسه أهله أجمل الثياب ثم يظهرونه أمام الناس، لكن لا يعني هذا على أية حال أن الأمر وصل إلى درجة القناعة التامة أو الكمال، فالتجربة تنضج يوماً بعد آخر، كما أن المعرفة تتجدد من وقت لآخر، وقد تكون القناعة راسخة في فترة ما ثم يكتشف الإنسان أن هذه القناعة ناقصة أو قد تصل إلى الحكم عليها بأنها خاطئة .

حال الشاعر مع ديوانه بعد الإصدار يختلف من شخص لآخر، وأنا في الأيام الأولى للإصدار أستمتع بقدوم هذا المولود إلى حياة التلقي والتداول، وهذه الفرحة تنسيني النظر أو التدقيق في تفاصيله كلها، لكن بعد فترة ما أبدأ في العودة إلى الديوان وإلقاء نظرة تأملية في مواده، لتبدأ بعدها مرحلة محاسبة الذات في ما تم عرضه على المتلقي، يساعد على ذلك سماع بعض الآراء من النقاد الذين يخلصون النصيحة للشاعر، في هذه الحالة ربما أندم على استعجالي في ضم بعض القصائد للمجموعة، وقد يصل الأمر إلى الندم في تضمينها، وقد مررت بهذه التجربة من خلال 4 دواوين في الشعر الشعبي وكتاب على الطاولة . . قراءات في الساحة الشعرية الشعبية وهذا الكتاب الأخير عدت إليه بعد أشهر لأكتشف أن هناك مواد لو قدر لي إعادة طباعته لما ضمنتها فيه، لكن بعض الأمور قد تستدرك ويساعد على التغيير فيها بعض العوامل منها المادية التي تدفع بالشاعر إلى إعادة طباعة نسخة معدلة من الديوان، وربما يعود إلى الدائرة نفسها ويكتشف من خلال الطبعة الثانية أن هناك شيئاً ما يحتاج إلى إعادة نظر، وأرى أن هذه العملية صحية تعطي دلالة واضحة على أن عمل الإنسان مهما حرص على أن يكون دقيقاً يبقى ناقصاً غير مكتمل .

ويقول الشاعر د . شهاب غانم: لقد نشرت أول دواويني بين شط وآخر في يناير/كانون الثاني 1982 وصدر يوم عيد ميلاد والدي الشاعر د . محمد عبده غانم، رحمه الله، وقدمته له هدية في عيد ميلاده السبعين وقد كان الإهداء في الديوان باسمه . وكذلك فعل شقيقي الدكتور الطبيب د . قيس غانم بكتابه الطبي الأول الذي صدر في اليوم نفسه . وكان ديواني في الواقع مختارات مما كتبته حتى ذلك الحين . وكنت مهتما بما يكتبه النقاد عنه وأستفيد مما يقولون في دواويني اللاحقة، وهي أكثر من عشرة، منها الأعمال الكاملة، ويحوي جل ما كتبت حتى 2009 عندما تكرم المجمع الثقافي بأبوظبي بنشره .

وقد نشرت بعده ديوانين ومختارات بعنوان مئة قصيدة وقصيدة صدر ككتاب الشهر مع العدد 50 من مجلة دبي الثقافية عدد يوليو/تموز 2011 ويحوي نحو ثلث شعري، ولكن ربما ما أفضله من قصائدي أو ما أشاد به النقاد والقراء من شعري وهو الديوان الوحيد الذي أكتفي بحمله في العادة في الأمسيات الشعرية والمهرجانات التي أدعى للمشاركة فيها، وهو على كل حال ديواني الأفضل في رأيي .

ودواويني في العادة منوعة الموضوعات في ما عدا ديوان هو الحب الذي يحوي قصائد حب وغزل فقط وديوان الدروب الخضر الذي يحوي قصائد روحانية، وربما أيضاً ديوان صهيل وترتيل الذي يحوي قصائد الهم العام وبعض القصائد الدينية .

والحقيقة انني لا أعود إلى دواويني كثيراً، في العادة، ولكنني عدت إليها عندما أعددت الأعمال الكاملة (وهي تسمية أطلقها الناشر وكنت أفضل أن أسمي الكتاب ديوان شهاب غانم لأنني مازلت أكتب الشعر من حين إلى آخر)، كما عدت إليها عند إعداد المختارات وقرأتها بتمحيص، بل ربما أجريت تنقيحات قليلة، فأنا تعودت أن أستمع إلى النقد بصدر رحب، حتى ولو لم أوافق عليه في أغلب الأحيان، وذلك من أثر الاستفادة من العلم والتدريب على يد موجه قدير حقاً مثل والدي، رحمه الله، ومن دراساتي المنوعة حتى الدكتوراه .

تقول الشاعرة صالحة غابش: يفترض في كل ديوان يصدره الشاعر أن يحمل شيئاً جديداً ويعبّر عن تطور في تجربة صاحبه، سواء كان ذلك على مستوى الأفكار والرؤية وتغير النظرة إلى الوجود والانتقال من موضوع لموضوع أو على مستوى اللغة والفنيات الشعرية، حتى لا يكرر نفسه ويظل يدور في حلقة واحدة، ويعرض تجربته للنقد، وهذا الأمر ليس خاصاً بالشاعر، بل هو عام على الروائي والقاص وكل مبدع، فينبغي أن تكون هناك إضافة ما، وهذا يتطلب منه أن يكون على صلة بالجديد وأن يطور ثقافته بالقراءة المتواصلة والاطلاع على مختلف التجارب التي يقدمه الآخرون والاستفادة من كل ذلك، فلا يمكن للتطور أن يأتي من فراغ، ومن لم يقرأ ويعمق ثقافته لن يستطيع أن يبدع أو يقدم جديداً .

وتضيف صالحة غابش: في ما يخص تجربتي فقد حاولت دوما أن يكون كل إصدار شعري جديد يشكّل إضافة جديدة لتجربتي السابقة، ويعبر عن تطور، لذلك فحين أصدرت ديوان في انتظار الشمس الذي يمكن أن أصفه الآن بأنه كان طفولة شعرية عبّرت عن البداية بكل طموحها وحرارتها العاطفية، لكن تعبّر أيضاً عن نواقص أدواتها الفنية، رغم أهميته في تاريخي الشعري، بعد هذا الكتاب احتجت إلى الانتظار خمس سنوات قرأت فيها تجارب شعرية متنوعة، واستفدت من القراءات النقدية لكتابي الأول فعملت على تطوير تجربتي، وكان الديوان الثاني المرايا ليست هي تعبيراً عن ذلك التطور، فقد جمعت فيه بين الشعر العمودي وشعر التفعيلة، وطورت في المضامين، ثم كان الديوان الثالث الآن عرفت الذي ولجت من خلاله إلى عالم قصيدة النثر واتسعت فيه عوالم الكتابة لدي وشعرت أن هذا اللون من الكتابة قريب مني، وكانت تلك مرحلة نضوج فني، فقد أصبحت أمتلك القدرة على الإبحار بين عوالم القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر والاستفادة منها كلها في كتابة نصوصي الخاصة .

بعد كل هذه التجارب، ومن خلال مطالعاتي لفتت انتباهي شخصية الشاعرة الأندلسية بثينة بنت المعتمد بن عباد ومأساتها التي تحمل بعدا أسطوريا، وكثيراً من القيم، وهي نموذج لنضال المرأة العربية، وهي لم تحظ بتناول كبير من طرف متابعي الأدب مثل ولاّدة بنت المستكفي، وقد استلهمت شخصية بثينة هذه في ديواني بمن تلوذين يا بثين فكان ذلك منحى جديداً يعتمد إسقاط التاريخ على الحاضر والاستفادة من رمزية شخصياته .

ويقول الناقد حسان عزت: هل يعتبر إصدار ديوان جديد إضافة نوعية إلى تجربة الشاعر وتطويراً في فنيات الشعر لديه؟ هذا السؤال عام، فأي شاعر نعني، هل هو ذلك الذي أصدر دواوين شعرية وراكم مجموعات من الكتب؟ أم هو ذلك الذي خلق ليكون له دور في قلق الوجود وأسئلته والبحث فيها، فإذا كنا نعني هذا الطراز الأخير، فهو غير معني بالتراكم وإنما معني باستفزاز الوجود والكائنات، وبهذه الحال فإن هذا الشاعر ليس موظفا، وليس ممثل علاقات عامة، وليس صاحب تراكمات وأرصدة، فهو مشغول بالمجهول والبعيد والغامض وهو معني بالضعيف والهش أمام سطوة الوجود، وهو المتأمل دائما للعلاقات الجمالية التي تفكك الوجود بما هو راهن وزائل وهش وتعيد صياغته إبداعاً وفناً شعرياً يتجلى في الكتابة والقصيدة، أما القصيدة فهي القطعة الشعرية التي تتكون من أبيات عدة من الشعر في القديم أو عدة جمل شعرية في الحديث وتشكل أغنية أو نشيدا أو ملحمة، وهذا ما عرف بالبناء الفني الكلاسيكي أو الحديث الذي هو المؤشر إلى إبداع وموهبة ومهارات ولوعة الوجود عند هذا الشاعر، فمتى ما يكون الشاعر معنيا بتلك الهموم الوجودية، ويعتمد عليها في إبداع شعر يمثل رؤية أو موقفاً وجودياً، فإنه يمكن لهذا الموقف أن يستنفد عمره كله ليتجلى في قصيدة أو قصائد، وكأمثلة على ذلك المنحى شعراء المعلقات والمتنبي والمعري وابن عربي وشكسبير ولدينا محمود درويش وعمر أبو ريشة ونزار قباني وأدونيس وغيرهم من شعراء العربية .

ويضيف في هذا السياق: ينبغي أن نفرق بين مصطلح ديوان شعري ومجموعة شعرية، فالديوان هو حصيلة الشاعر من الشعر على مدى حياته كلها، ومجموع ما تركه من قصائد أو مقطوعات، فيقال ديوان الحطيئة وديوان الأعشى وديوان أبي نواس، وهناك كتب كبيرة تحمل عناوين لأعمال مشتركة لشعراء كثر يمكن أن يطلق عليها الديوان كالمعلقات والأصمعيات والمفضليات وكتاب الشعر والشعراء، أما المجموعة الشعرية أو العمل الشعري فهو مصطلح معاصر تراد به مجموعة قصائد لشاعر بعينه في مرحلة معينة أو تتعلق بموقف من مواقفه كالعشق والسياسة والوصف وقلق الوجود .

وفي ما يخص تجربتي الشعرية فأنا معني بالشق الأخير وقد أصدرت تسع مجموعات شعرية، لا تكرر أي منها الأخرى، فالأولى بعنوان شجر الغيلان في البحث عن قمر بيروت 1981 وهي تتضمن أربع قصائد كبرى لها علاقة بالحب وخيباته ولوعاته وجمال الوجود والقلق وأسئلة حول الكائن والكون وهي لا تخلو من تأثرات، لكن همها هو أن تقول بإمكان صياغة الوجود ملحمة ونشيداً، والمجموعة الثانية بعنوان تجليات بيروت 1983 وهي نشيد طويل من ثلاثة أسفار هي الابتداء والمزامير والتجليات، على الطريقة السيمفونية بثلاث حركات وفاتحتين، وواضح مسعاها التجديدي في مجال الإيقاع، والثالثة كانت بعنوان زمهرير دمشق ،1987 وهي قصائد تعبّر عن خيبات الكائن الذي تدمره الحرب، وفيها وثقت تجربتي في الجيش، وهكذا فكل مجموعة هي حالة وجودية، فيها تجديد وتنويع في التجارب اللغوية والموسيقية، ومحاولة للاستفادة من العوالم الفنية الأخرى، وتعتمد الخطاب الشعري المركب البعيد عن المباشرة، ومع تطور المجموعات نضجت تجربتي الشعرية، وأصبحت أمتلك قاموسي الشعري وتجربتي الخاصة في مواجهة الكون وعبثيته .

ويرى الشاعر أحمد المطروشي أن أي مبدع، وهو هنا منتج القصيدة، يعيش الشعر كحالة مستمرة من التوهج، ولحظة انبثاق القصيدة بالنسبة إلى كاتبها هي لحظة نادرة، وقد تكون مثل هذه القصيدة حدثية أو زمنية أو تعبيرا عن موقف ما، ومعظم الشعراء الذين نقرأ لهم وبتتبع مسيرة التاريخ إنما يعبرون عن مثل هذه الحالات المتعددة من المواقف، كل بطريقته، ووفق ثقافة وشاعرية الشاعر، ومعظم هؤلاء تعرضوا خلال مسيرتهم الإبداعية لتوهجات متضاربة من حيث قوتها ودهشتها، بقطع النظر عن قوة هذه القصيدة وتأثيرها المباشر أو غير المباشر، وحتى إن كل ما كتبه الشعراء الكبار يظل محل نقد وأخذ ورد، مع احتفاظ كل واحد من هؤلاء بخصوصيته التي تميزه عن الآخر، والشعر بوصفه تلخيصاً لمسيرة مبدعه، لا يمكن رصده بالاستناد إلى تجربة عدد قليل من القصائد المطبوعة في كتاب، وقد يتقبل المنطق رصد تميز هذا الشاعر، وتلمس ابتكاراته وخصوصيته في عدد قليل من القصائد التي تشكل إضافة نوعية مرهونة بزمن ومعبّرة، وبعد رحلة طويلة في عالم الكتابة وطباعة الدواوين، وهنا يجب أن نتنبه، بحسب ما يؤكد أحمد المطروشي إلى ضرورة ألا تكون هناك معيارية صارمة أشبه ما تكون بالشرط العقابي الذي يختزل جماليات الشعر في مجموعة شعرية، عبرت عن مجموعة من المواقف بل الحالات الشعورية التي تجمعت بين دفتي كتاب، ارتأى صاحبه أن يشعر بقليل من البهجة وهو يراه مؤلفاً ومصفوفاً وربما مقروءاً من قبل عاشق أو عاشقة للشعر .

مثل هذا الكتاب هو شيء جميل وأنيق كما يؤكد أحمد المطروشي، الذي يضيف أنه ينبغي في الوقت نفسه، ألا نتعامل مع هذا الشاعر بوصفه عرافا، ونقوم باختبار ومعاينة وتفرس ما كتبه، كما لو أنه محل محاسبة وترصد، ففي مثل هذا الحساب ما هو ليس شاعرياً، ويقف ضد عملية التطور والتجربة، التي هي نتاج عملية مخاض عسيرة، لا يمكن قياسها بعدد السنوات، أو بتتبع ما أنجزه الشاعر خلال سنوات قليلة، أو من خلال مجموعة شعرية واحدة أو اثنتين وهكذا .

في السياق ذاته يتفق الشاعر خالد الظنحاني مع ما أشار إليه أحمد المطروشي بأن فكرة اصدار المجوعات الشعرية، هي عملية توثيقية بالدرجة الأولى، ويضيف أن ذلك لا يعني بالضرورة أن يفتح الباب على مصراعية، فيقوم الشاعر بطباعة دواوين عدة في السنة الواحدة، وكأنه في سباق مع الزمن، أو كأنه يعيش فكرة مضطربة، هي بالتأكيد لا تنسجم مع منطق الأشياء، ففي مثل هذا السعي، سعي لابتذال الشعر والتعامل معه في ضوء معيارية أخرى مقلوبة ولا تستند إلى أساس مقنع، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الشعر كما يؤكد خالد الظنحاني هو حالة ترتبط ارتباطا وثيقا مع تطور الإنسان وتقدم تجربته وتفاعله مع المحيط الذي يعيش فيه، وإذا ما تسلسلنا في الوقوف عند الأسماء اللامعة في تاريخ الشعر العربي وحتى العالمي سنكتشف كم كان الشعر منطلقاً للتعبير عن حساسية الإنسان في ضوء تفاعل الشاعر مع نفسه ومع المحيط الذي يعيش فيه، وكم كان هذا الشعر يعبر عن نبض حقيقي لمجمل الصراعات والتحولات السياسية والفكرية والاجتماعية التي تتزامن مع المرحلة التي أنتجت هذا الإبداع الشعري والإنساني .

كما يؤكد الظنحاني أن التعبير من خلال الشعر، هو عملية معقدة وليست عملية سهلة، فهو كان دائما وأبدا من أصعب الفنون الكتابية، وهو نتاج حالة صراعية يشتبك فيها الوجدان مع العقل لإبداع جمل مكثفة من الصور والأفكار والمضامين والدلالات، التي تحتاج من كاتبها إلى استعداد، قلما يتوافر للعديد من الكتاب الآخرين في مجالات السرد الأخرى كالقصة أو الرواية، وبناء عليه، وحتى إذا افترضنا أن الكتاب المطبوع في مجال الشعر، هو يوثق لفترة زمنية من عمر الشاعر، فإنه مطلوب أيضا التوقف عند مستوى هذا الشعر، الذي يجب أن يكون جديداً بالقياس إلى تجربة الشاعر نفسه، وألا يكون مجرد كلام مصفوف يفتقر لأبسط قواعد الشعر المتعارف عليها، وهذا يعد مقبولاً من حيث المبدأ، على أن توقع المفاجئ والصادم والمدهش في أي مجموعة شعرية صادرة حديثاً، هو من الأمور الجميلة التي يحق لنا أن نتوقعها وننتظرها، وهذا ما يميز شاعراً عن شاعر، توقف النقاد والقراء عند تجربته بالإشادة والثناء .

الشاعر حسن النجار الذي يقر بفكرة أن يكون الشعر مختلفاً كما هو جوهر القصيدة التي تتحدث عن تجربة ذاتية للشاعر، تحدث عن تجربته الشخصية بشفافية، حيث أكد أنه قام بطباعة ديوانيه الأول والثاني، لأنه يعتقد أنهما يسجلان أو يرصدان مرحلة أراد أن يوثقها النجار من خلال الكتب .

والنجار يرى أن فكرة طباعة الكتب ومن ضمنها الإصدارات الشعرية أقرب إلى مسألة توثيق التجربة، التي ربما تضيع لو لم تطبع في كتاب، وهكذا كان يظن حسن النجار الذي نوه بأنه بعد هذه التجربة، قد اتخذ قراراً صارماً، يفيد بأنه قد توقف عن فكرة إصدار كتاب ثالث، وحين سألناه عن السبب؟ أكد أنه يعيش فترة تأمل سيترك لها وحدها تقرير مصيره الشعري، فهو قد قرأ قبل أيام قليلة أحد أبيات الشعر التي كتبها الراحل سلطان العويس ويقول:

(كل يكرر نفسه في شعره

فكأن ما قد قال شيء واحد) .

يوضح حسن النجار أن هذا البيت الشعري قد أثر فيه كثيراً، وأن ما ينوي الإصرار عليه في المرحلة المقبلة، هو الاكتفاء بالقراءة والتأمل، تاركاً مصير مجموعته الشعرية الثالثة في علم الغيب .