رأس الخيمة - حصة سيف:
وادي اصفني اشتق اسمها من " الصفي" وهي باللغة المحلية الحجارة المنبسطة على الأرض، وكانت تجري عليها مياه الأمطار، الوديان فسميت وادي أصفني، حسب ما أكده شواب المنطقة عند زيارة "الخليج" لهم .
تتضمن المنطقة التي تبعد عن رأس الخيمة نحو 90 كيلو متراً، مؤسسات ومراكز حكومية أبرزها مدرستا وادي اصفني للذكور ومدرسة مزون للبنات، ومركز صحي إضافة للمحال التجارية، بقالات صغيرة متناثرة على جانبي الطريق، ومساجد ومنازل شعبية قديمة وأخرى حديثة تتضمن فللا ذات طابقين تحت سفح الجبل مباشرة .
بنيت أول مدرسة فيها في عام 1981 وكانت تسمى وادي أصفني ويدرس فيها الطلبة الذكور والاناث في جميع المراحل، الى أن انفصلت مدرسة الذكور وغدت مدرسة مستقلة جديدة، وتحول اسم المدرسة إليها، وسميت مدرسة الطالبات بمدرسة مزون، ومازالت قائمة بمبناها الذي أدخلت عليه تعديلات ليواكب التطور والتنمية التي شهدتها جميع المدارس .
ومازال أهل وادي اصفني، متمسكين بعاداتهم وتقاليدهم التي تميزهم عن أهل المدينة، لمجاورتهم للجبال الصامدة من ورائهم ووديانهم التي تحتضن مزارعهم .
خميس حمد السماحي 75 عاماً، أحد شعراء المنطقة المعروفين، يتذكر وادي اصفني القديمة قائلاً: "لم يكن المطر يتوقف لدينا مدة طويلة، وكنا نسكن بالخيم المصنوعة من الشعر شتاءً، وبالعرش المصنوعة من سعف النخيل صيفاً، حياتنا كانت بسيطة رغم المشقة التي فيها إلا أننا لم نكن نشعر بها، حيث تعودنا على تلك الأوضاع، وكنا نمضي معظم أوقاتنا في المزارع وبين النخيل، وننقل إنتاجنا على الجمال إلى الشارقة والتي كانت تستغرق منا 6 أيام ذهابا وإياباً" .
ويضيف: "واقتصر إنتاجنا الزراعي على الدخن والشعير والذرة والبصل إضافة إلى الرطب والتمر، ولم يكن التعليم متوفراً لدينا، حتى تعلم القرآن، لعدم وجود مساجد في ذلك الزمن قبل 60عاماً، والكل يصلي منفرداً في منزله، إلا الجمعة وصلاة العيدين يأتينا مطوع من دفتا أو مسافي ليصلي ويخطب بنا، وكانت منازلنا متناثرة بين الجبال .
وختم السماحي حديثه بأبيات من الشعر يقول فيها: "دنياك يا ابن آدم غريبة، كل يوم فيها تتبدل الأحوال، اللي يفوت عنك ما تييبه، بينك وبينه كتِ للّال "أي ظلام الليل"" .
حميد عبدالله المزروعي70 عاماً من شواب وادي اصفني، يقول: "قبل 40 عاماً كنت أكدُ الجمال "أي أعمل ناقلاً للأغراض على ظهور الجمال"، وحملت الحطب والفحم وعشب الثمام إلى الأسواق، كما كنا ننتقل من مكان لآخر بواسطة الحمير التي نروضها ونسخرها لخدمتنا، ونضع عليها الخطام والشداد ليسهل السيطرة عليها، وكانت أعدادها تكفي لأن تسخر كل أسرة حماراً على الأقل لخدمتها، حيث الجمال والأبقار كانت أعدادها قليلة .
ويضيف: "كنا نكتفي بالخبز والتمر واللحم ولا نأكل الأرز إلا نادراً في أيام المناسبات، واللحوم متوفرة في المواشي، وكنا نقنص الظباء والغزلان الجبلية كما نأكل "العرم" وهي طيور صغيرة تشبه الصفرد البري .
ويحد المنطقة من الشرق جبال الفجيرة ومن الشمال منطقة دفتا ووادي العشواني ومن الغرب كدرا" .
راشد سالم النقبي 68 عاماً: "توجد في المنطقة 3 وديان رئيسية منها وادي الغابة وممدوح وبقرة جميعهم يصبون بالوادي الرئيسي، وكانت المياه متوفرة وتوجد حوالي 7 إلى 8 مزارع كبيرة، والأغلبية كانوا يربون الماشية" . ويضيف: "كان علاجنا بالوسم أو الرقية أو العسل، وكان المطوع عبدالله بن سالمين النقبي من منطقة دفتا القريبة هو من يتولى أمر الرقية كما كان يأتينا كل جمعة ويوم العيد ليخطب ويقيم الصلاة . إلا أننا نذهب إليه حين نرغب في رقية مرضانا" .
ويشير النقبي الى أن الأعشاب الجبلية كان لها دور في علاج الأمراض البسيطة كعشب اليعدة والصخبر والييش والشكاع واليعدة وكلها أسماء لأعشاب جبلية لعلاج آلام البطن أو الصدر وغيرها من الأمراض .
وينتقل النقبي للحديث عن "المكدة" وهي الانتقال عن طريق الجمال لحمل الأغراض، وكنا نميز جمالنا في المنطقة عن طريق العزل حيث يوضع "مطرق" أو إشارة العقال على يد الجمال وهو العزل المميز لقبيلة المزاريع، أما عزل قبيلة القايدي فمختلف وهو إشارة مثل رمز الجمع "الزائد" وتسمى "عرقاه" توسم على ورك الجمل إضافة لاشارة " اللكزة" وهي مجرد نقطة بالوسم تحت الأذن، اذ يعيش في المنطقة عدة قبائل وعشائر أبرزها قبيلة القايدي والمزروعي واليليلي والنقبي وعشيرة السماحي .
ويضيف النقبي: مرت علينا وعلى أجدادنا زمن الفقر والفاقة وكان الأكل متوفراً الإ انه رغم زهد ثمنه، لم يستطع أن يشتريه، وكان من الأرز مقدار معين يقدر حالياً ب 8 كجم ب 8 ريالات ويستورد من الهند، إلا أن الشيخ سلطان بن صقر القاسمي حاكم الشارقة آنذاك وزع على القبائل التابعة له حب سهوي وهو مخلوط بالشعير والقمح، حيث ما كان القحط والفقر بالأهالي .
ويكمل: "في الخمسينات من القرن الماضي مرت علينا سنة "اليوعة" وانتشر الجدري في المنطقة وتوفي في مسافي 40 شخصاً وكذلك في خورفكان ذات العدد، أما في وادي أصفني فلأن السكان متباعدون ومنتشرون بين الجبال والوديان لم يطالهم بهم الجدري الا بعدد قليل يكاد لا يعد على أصابع اليد الواحدة، ومر القحط والفقر علينا ولم نسمع عن أي دولة مدت يدها لتساعدنا، إلى أن تحسن الوضع تدريجياً، ورجع الإنتاج الزراعي إلى عهده، وكنا نحمل بيض الدجاج في و"خايف" والمفرد و"خيفة" وهو وعاء مصنوع من سعف النخيل، والوخيفة الكبيرة كان وزنها كيلوجرامين من البيض نبيعها في الشارقة بريال واحد، وكذلك المانجو 100 حبة ب 5ريالات .
ويقول النقبي: "كانت أعراسنا تستغرق يومين، ونبدأها حين يحضر عائلة المعرس وأهله وأصدقاؤه عند أب العروس الذي يجهز وليمة العشاء على حسابه ومن ثم يبدأ اليوم الثاني على حساب أهل المعرس سواء كان الفطور وهو عبارة عن خبز وعسل وهريس وتمر، والغداء عبارة عن أرز ولحم والعشاء من نفس الأنواع وبعد نهاية اليوم الثاني تذهب العروس مع عريسها ويتفرق المعازيم .
ويوضح: "كل موكب من قبيلة نحضر له وليمه خاصة، وكل له مكانه، ولا نخلط القبائل إلا إذا أرادوا المشاركة في الرزيف، وكانت أعراسنا فيها فرحة باجتماع الخلان والقبائل والجيران، وكل يود المشاركة في فرحة أخيه" .
ويستطرد النقبي: "كان الأهالي في الجبال يقنصون الوعول والظباء لأكلها، كما كانت الأسود متواجدة والضباع والذئاب، وحين تؤكل مواشينا من قبلهم نقفر الفريسة أي نتبع أثرها ونراقبها من بعد فإن جاء مفترسها أطلقنا عليه النار، وكان لباسنا نحن الرجال عبارة عن قطعة قماش غليظة تسمى كورة كما جاء وقت لبسنا فيه "الخيش" وهي شوال الأرز، وتأزرنا فيها، كما لبست النساء ثياب النيل وهي قطع قماشية مغمسة بالنيل الأزرق، كما لبست عدة أنواع من الأقمشة كانت تسمى "صيم الخادم" وهي سوادء اللون وكذلك لبست البرسيم وهي أقمشة حريرية ولها مسميات ككف السبع وبو قليم وأبو انسيعة، وقماش أبو تيلة العادي" .
محمد سعيد، 21عاماً، أحد شباب وادي اصفني يقول: "تغيرت حياتنا في غضون 10 سنوات تقريباً، من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، حيث كنا في عام 2000 نعتمد على المزرعة وانتاجها، ونمضي أوقاتنا فيها بالعمل أو اللعب، ومياه الأمطار تملأ الوديان، كما كنا أطفالاً وشباباً نجتمع في كل يوم تقريباً، أما الآن بعد الهواتف الذكية بين الأطفال والكبار، حرمتنا من تلك التجمعات العفوية، ولم يعد يتزاور المعارف أحد كما كنا في السابق .
سعيد محمد الهنجري 62عاماً، مسؤول منطقة وادي اصفني وتوابعها يقول: "ورثت مسؤولية المنطقة عن والدي رحمه الله محمد الهنجري الذي عينه الشيخ صقر بن محمد القاسمي رحمه الله حاكم رأس الخيمة السابق كمسؤول للمنطقة في بداية حكمه تقريباً في عام 1949 وبقي مسؤولاً الى أن توفاه الله سنة ،1997 وكان مسؤول المنطقة قديماً هو سيف بن مسلم قبل والدي، ومن ثم استدعاني الشيخ صقر القاسمي رحمه الله وطلب مني اكمال الدور وأصبحت مسؤولاً للمنطقة من حينها، وكان مسؤول المنطقة يسمى "أميراً" يتولى جمع الزكاة عن الأموال والحيوانات والنحيل والقمح ويوصلها لحاكم الإمارة، كما كان ينقل مطالب وحاجات الأهالي وهو الدور المقتصر حالياً أما الزكاة فلا تجمع حالياً وحيث لا تجمع الزكاة الآن .
ويضيف: "في المنطقة يزرع الحب ويسقى ولم نكتف بمياه الأمطار بل نسقيه عن طريق الأفلاج أو الآبار المتصلة باليازرة وهي الأداة التي تستخدم الثيران استخراج المياه، أما الآبار التي تكون فيها المياه قريبة من الأرض فيكتفى بوضع "منزفة" عليها وهي وعاء من جلد الماعز يسحب فيه المياه لتنقل الى خارج البئر .

حصون المنطقة

يقول سعيد الهنجري عن تحصينات المنطقة: "توجد في المنطقة 4 حصون والحصن الرئيسي يسمى حصن "ابن منعه" يقع في أعلى جبل في المنطقة قريب من المنازل ، يصل ارتفاعه عن سطح الأرض تقريباً حوالي 500 متر، ويتناقل الأهالي عنه حكاية مشهورة فقد كان كما قيل رجل محارب ويضرب بالسهام من أعلى حصنه المنيع الذي ليس له غير طريق واحد يصل اليه، وكان كل من أراد أن يحاربه يلقي اليهم بالسهام فيقتلهم، وكانت له ابنة وحيدة كان يطعمها "موق العظ" وهو نخاع العظام، من كثر اهتمامه بها، وكانت شديدة الذكاء إلا أنها خانت والدها، وكتبت على السهم الذي أطلقه والدها بأنه آخر سهم لدى والدها، مما شجع المحاربين ومنهم اللصوص قتله، وانتهت القصة من دون أن يكون لها تتمه توضح نهاية ابنة بن منعه .
أما ثاني الحصون فهو مربعة وبجانبها مسجد قديم في منطقة الغابة تستخدم للمراقبة والحماية وقت الحروب قديماً، وحصن آخر قديم في منطقة ممدوح، ومربعة بالقرب من وادي بقرة .