تعد منطقة وادي اصفني بمساحتها الكبيرة، واحدة من أبرز المعالم التي تميز المنطقة الجبلية في رأس الخيمة، لامتلاكها مقومات عدة للحياة فيها، منها وقوعها بالقرب من دبي والشارقة ورأس الخيمة والفجيرة، وتنوع مصادر الحصول على المياه فيها، وطبيعتها الجبلية، وأشجارها، وأعشابها البرية، والأودية، والسهول، ونقاء الطبيعة، وانتشار المزارع والمواشي فيها . كل هذه العوامل المتوافرة للمنطقة وراء تمسك أبنائها بها وعدم تركها، ومحافظتهم على طابعها الاجتماعي .

خلال الزيارة الميدانية التي قمنا بها إلى المنطقة، التقينا الوالد سعيد محمد الهنجري، أمير منطقة وادي اصفني، الذي أشار إلى أن الآباء والأجداد عاشوا هنا منذ القدم، اعتماداً على الزراعة، وبالأخص زراعة النخيل والقمح والذرة والغليون وتربية المواشي، مشيراً إلى أنه في بدايات حياته المهنية عمل في الزراعة، التي امتهنها كأغلب سكان المنطقة .

وقال: تشتهر المنطقة بطبيعتها الجبلية التي تمر بها أودية عدة، وكلها تنحدر باتجاه الغرب، وهي تضم إلى جانب أصفني منطقتي اصفي وممدوح يحدها من الجنوب منطقة وادي الطوى، ومن الشرق سلسلة جبال ومنطقة الفرفار، القريبة من الفجيرة، ومن الشمال وادي العشواني والسيجي، ومن الغرب كدرا . قربها من مناطق البادية والساحل الغربي زادها أهمية تجارية، كما كانت تتوافد إليها الناس من المناطق المجاورة في الصيف بسبب طقسها المعتدل، إضافة إلى طبيعتها الخلابة ونقاء هوائها .

وعن ذكرياته في المنطقة التي يسكن فيها أضاف: كانت الحياة بسيطة وكانت المنطقة تنعم بالكثير من الحيوانات البرية، مثل الغزلان التي كانت تقترب منا لمسافة قصيرة، والقليل من الوعل في بعض المناطق، وكان الأهالي ينصبون الفخاخ الخاطوف التي كانت تصنع من سعف النخيل لاصطياد تلك الحيوانات بالقرب من منابع الماء التي كانت تأتي إليها لتشرب منها، وفي حال اصطياد الحيوانات الصغيرة كانوا يربونها إلى أن تكبر .

وذكر الأيام التي كانوا يرتحلون فيها على الإبل إلى الساحل لبيع منتجات منطقتهم، في أسواق رأس الخيمة والشارقة وعجمان وبعض الأسواق الأخرى . إضافة إلى مشهد جريان الأودية بعد سقوط الأمطار، الذي كان يبشر بموسم رعي وزراعة جيد . وأكد أن التطور العمراني الذي شهدته الإمارات بفضل القيادة الحكيمة، امتد ليشمل جميع مناطق الدولة، مشيراً إلى أن هناك مشاريع استراتيجية استفادت منها منطقته، مثل الطريق الجديد الواصل بين دبي والفجيرة، الذي يمر بمحاذاة وادي اصفني، ما اختصر المسافة للوصول إلى الساحل الشرقي وكذلك الساحل الغربي . إضافة إلى خط المياه الذي يمر من الساحل الشرقي إلى الغربي، واستفادت منه المنطقة أيضاً، وكذلك مشاريع الإسكان، وتطوير سدود المنطقة .

وأوضح عبدالله محمد الهنجري، موظف، أن وادي اصفني يضم منطقتي ممدوح واصفي والعديد من الشعبيات، وأقرب الطرق إليها من الفجيرة الطريق نفسها التي تسلكها السيارات حالياً، وإلى دبي والشارقة الطريق الذي يمر بكدرا وسيح البردي والذيد، وإلى رأس الخيمة عبر السيجي والمنامة والحنية والغيل وأذن .

وقال: بعد تزويد منطقة وادي اصفني بالماء والكهرباء، فإنها تضم شعبيات عدة يبلغ عدد منازلها نحو 120 منزلاً، منها 24 قيد البناء، وفيها مدرسة للبنين وأخرى للبنات، ومن أشهر المناطق التي ميّزتها، حصن في منطقة ممدوح التابع لها، وهناك روايات عدة حول تسمية هذه المنطقة، بعضهم يعتقد أنها مرتبطة بشخص يدعى ممدوح أو أنه اسم مرتبط بصفة شخص، أي الشخص الذي يمتدح، إضافة إلى منطقة الحبن، التي تشتهر بشجرة بالاسم نفسه .

وأكد راشد محمد بن رشود، 55 سنة، تنوع مصادر المياه في منطقة وادي اصفني، ومنها مياه الأمطار الموسمية، التي كانت تتجمع في بعض المنخفضات الأرضية، إضافة إلى المياه النابعة من العيون، مثل عيني الخبيب وخالد وثالثة في منطقة السلوى ورابعة في منطقة مغيشي وخامسة منطقة الوشل، التي ما زالت تتجمع في مناطق ذات أرضية صلبة، ومنها ما تتدفق المياه منها طبيعياً وبعضها بالحفر، ولكنها بعيدة عن مناطق سكننا، وتشرب منها الحيوانات البرية التي تعيش على سفوح الجبال فقط، وقال: استفدنا من مشروع خط المياه المار بمنطقتنا، الذي خفف الضغط على المياه الجوفية وحفر الآبار العميقة للحصول على المياه الصالحة للشرب .

وقال علي مصبح، موظف متقاعد: من أبرز الوديان التي كانت تخزن مياه الأمطار سابقاً، أودية بقرة وممدوح واصفي، ولاحقاً شيّد سدان، وهما سد ممدوح واصفني، وكنا سابقاً نحصل على الماء بعد حفر بضعة أمتار، ولكن الآن يصعب الحصول عليها إلا بعد حفر آبار عميقة تسببت في جفاف مخزونها المائي . وأضاف: أما بالنسبة للمقيمين في المناطق البعيدة عن مناطقنا السكنية فكانوا يحفرون الأرض لمسافة قصيرة ويحصلون على المياه منها، ويملؤون منها الأحواض للمواشي، وسابقاً كانت مياه الآبار صالحة للشرب، لكنها لاحقاً أصبحت مالحة نوعاً ما .

وأوضح أنه باعتبارها منطقة جبلية زادها جمالاً نقاء طبيعتها، والحياة بسيطة فيها .

وبالنسبة إلى الأشجار والنباتات التي اشتهرت بها منطقة وادي اصفني، قال خميس حمد السماحي، شاعر: من أكثر الأشجار التي تنتشر فيها، السمر والسدر، والقليل من الغاف، وأشجار صغيرة، مثل القصد والعسبق والقضف، وتميزت المنطقة بتنوع أعشابها، التي كانت تنمو بعد سقوط الأمطار، ومنها الحبن والخشدة والحلف، واستخدم الأهالي بعضها للأكل، مثل الحمّاض والسيداف، وغيرها مثل الخنصور واليعدة والشكاع والحرمل كأدوية للعلاج، وعندما كانت المواشي ترعى عليها كانت تعطي لبناً متميزاً بطعمه وفائدته، حتى طعم لحمها كان مختلفاً عن لحوم المواشي في الوقت الحالي التي تتغذى على الأعلاف وعند تأخر سقوط الأمطار لسنة أو سنتين، فإن المواشي كانت تأكل من الأعشاب الجافة، لذلك فإن عدم سقوط الأمطار لم يكن مشكلة بالنسبة إلى تربية المواشي .

وأضاف: تميزت المنطقة بالتواصل الاجتماعي، وكان الأهالي يتزاورون، وفي الأعياد كانوا يجتمعون لأداء صلاة العيد، وبعدها يتوزعون لزيارة الأهل والأقارب والجيران، وإعداد الولائم لبعضهم بعضاً، حتى أن بعضهم كانوا يتوافدون مشياً من مسافات بعيدة، ويصطحبون معهم الطعام، ويقيمون هنا ثلاثة أيام، ويميز الأسر هنا أنها متقاربة وتربطهم علاقات مصاهرة، ولا يزال كثير من العادات الاجتماعية موجوداً .

أما الوالد محمد علي السماحي، نحو 65 سنة، الذي استضافنا في منزله، ومن حوله أطفاله، فقد بادر بالحديث عن بيئتهم الجبلية قائلاً: أسكن هنا منذ أن ولدت، وبنيت لي منزلاً متواضعاً في بستاني من الطابوق وغطيت السقف بصفائح حديدية، لأنني لم أحصل على منزل إلى الآن .

وأضاف: تميزت منطقتنا عن سواها بالاستقرار والطقس المعتدل، الذي كان سبباً لنمو وانتشار أنواع أشجار عديدة، منها التين الجبلي الذي يتميز بحبته الصغيرة، والآن لدينا بعض الفواكه مثل السفرجل والمركبي، ولكنها قليلة .

وأوضح أن المعيشة في الماضي كانت بسيطة، نظراً لقلة الموارد، وأنهم كانوا يبنون بيوتهم من الحجارة، وفي الصيف يسكون البيوت المبنية من سعف النخيل العريش، مؤكداً أنها كانت تلطف حرارة الصيف، وكان يدب فيهم النشاط، لذلك صحتهم كانت جيدة لعدم استخدام المكيفات .

وعن تأقلمه مع واقع الحياة في منطقة اصفني تابع قائلاً: عملت سابقاً في الزراعة، وكنا نبيع منتجاتنا في الأسواق، حتى أن الغليون الذي نزرعه كان يصل إلى البحرين . واشتريت سيارة في عام 1982 وما زالت معي، وكنت أسافر بها إلى دبي، واستخدمها في تنقلي إلى الآن وأنقل بها أولادي من وإلى المدرسة .

أشار محمد راشد علي، موظف، إلى الطقوس التي كانت سائدة في الأعياد والمناسبات في منطقة وادي اصفني، بقوله: كانوا يشوون اللحم بطريقة المظباة المظبي عبر لف اللحم بخوص النخيل وحفر الأرض وطمرها بالتراب ثم إيقاد النار فوقها، وفي اليوم التالي يستخرج اللحم ويكون جاهزاً للأكل بمذاقه الفريد .

وفي ما يخص الحيوانات البرية، قال: كانت تنتشر في الماضي الغزلان والفهود والضباع والذئاب، التي انقرضت أو تقلصت أعدادها، وانحصرت في أعالي الجبال، أما الثعالب فموجودة بكثرة . وأضاف: لم نفكر بالسكن في المدن، لأننا تعودنا على بيئتنا والهدوء الذي تنعم به المنطقة، إضافة إلى توافر الخدمات .