بالقرب من وادي البيح أحد الوديان المشهورة في رأس الخيمة، يقع وادي قداعة الذي يقطنه عدد من الأهالي ماتزال منازلهم القديمة قائمة في حين شيد الحديث منها بجانبها وزرعت أصنافاً كثيرة من النباتات والأشجار في المزارع المتاخمة للجبال، ولم يتنازل الأهالي عن معيشتهم القديمة، حيث مايزال بعض الأهالي يعمرون منازلهم في الوادي رغم استقرارهم في المنازل الشعبية التي بنيت في عهد بداية الاتحاد .

منازل قديمة مبنية من الحصى، برك مائية، مزارع، طرق مرصوفة بالحصى، عدد من الأغنام بجانب حظائرها، صورة مختصرة عن واقع وادي قداعة في رأس الخيمة اذ ينقطع بك الطريق المرصوف مسافة 4 كيلومترات لتصل بعدها الى اول المساكن المنشأه والمتناثرة عن يمينك وشمالك بعض منها قديم مر عليه اكثر من مئة عام وبعضها الآخر يتجاوز عمره عشر سنوات، منازل متباعدة بعضها اسفل الجبال مباشرة وبعضها الآخر على ارتفاع 50 متراً في الجبل، حيث رصفت الحجارة على حواف الجبل، ما ادى الى عدم رؤيتها الا بصعوبة مع التركيز .

علي بن حَسّون (60 عاما من أهالي منطقة وادي قداعة) استقبلنا وهو يضع الخنجر الفضي على وسطه، مبيناً ان لبس الخنجر يعتبر احد التقاليد القديمة التي لم يتركها في حياته اليومية، قال وهو ينظر إلى مزرعته تحت سفح الجبل مباشرة ان الكثير من الاهالي رغم قلة عددهم في تلك المنطقة، ظلوا متشبثين بها ويقطعون المسافات ويتركون مشاغلهم في المناطق المأهولة ليأتوا ويتابعوا مزارعهم وبيوتهم القديمة التي تذكرهم بماضيهم العتيق . ويضيف: كنا نجلب مياه الشرب من منطقة البريرات المحاذية للوادي والتي تبعد عنا حوالي 6 كيلومترات مشيا على الأقدام، فيما نربي مواشينا ونقتات منها الجبن والروب والدهن ونشرب لبنها وحليبها ولا نذبحها الا في الأوقات النادرة، وكنا نذهب إلى مدينة رأس الخيمة في ساعات الفجر الاولى لنصل في الساعة العاشرة تقريبا لنبيع حطب السمر ونشتري السمك وما ينقصنا من اغراض اخرى ونعود أدراجنا إلى منازلنا عصرا، نملح السمك ونعلقه على الشجر ليبقى معنا مدة طويلة تستمر اسبوعاً او اسبوعين حسب استهلاكنا للسمك، وحسب حجم السمكة التي غالبا ما تكون كنعد او خباط او الكفدار .

ويواصل علي بن حسون حديثه قائلاً: وكان عملنا يقتصر في الزراعة على القمح اذ نجهز الوعوب مفرد وعب المخصصة لزراعة القمح قبل سقوط المطر بالهياسة أي نهيس التربة ونعمل شقوقاً طولية لنثر البذور وبعدها نغطيها بالتربة ويسقيها فقط ماء المطر، اذ نزرعها في موسم الشتاء، وبعد ان تظهر سنابل القمح نأخذ جزءاً منها الى الينور وهو المكان المخصص لدق الحب ونفصل الحب عن قشوره بعدها نطحنه على الرحاه وهي عبارة عن قطعتين من الحصى على شكل دائري ويكون سطحها خشناً لطحن الحب، وكان الرجال والنساء على السواء يعدون خبز السفاع وهو الخبز الجبلي المعروف بكبر حجمه الدائري، وباقي الحب نضعه بسنابله في الينز وهو بناء مخصص من الحصى لحفظ الحب اذ نختار مكاناً مرتفعاً بعيداً عن الحشرات او مسارب الوديان ونغلق الينز باليص وهو عبارة عن طين يحرق بالنار ومن ثم تطمس به الاحجار التي بني بها الينز .

وعلى مدخل منزل ابن حسون القديم شيدت قلعتان ورفع عليهما علم الدولة فيما كانت على مدخل الشارع صورة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وصورة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد ال نهيان رئيس الدولة حفظه الله، وداخل الغرف علق كل ما كان يستخدم قديما من المحماس والتاوه المخصصة لقلي القهوة والسرود وهو عبارة عن حصير مستدير الشكل مصنوع من سعف النخيل، بالاضافة الى الاسلحة التي كانت تزين الغرفة كالكتارة وهي نوع من انواع السيوف، كما علق البندقية وحزاماً مملوءاً بطلقات نارية يعود تاريخ بعضها الى عام 1941 ميلادي .

ودخل ابن حسون مزرعته قائلا: كنا لا نعرف من الزراعة الا الحب القمح وعند قيام الاتحاد تعرفنا إلى زراعة بقية الخضروات والفواكه وحاليا أزرع النخيل والرمان والتوت والموز والفراولة والبرتقال والشيكو والملفوف والفلفل الاخضر والقرنبيط والكزبرة والقرع والجزر والخبيزة والعنبو وهي عبارة عن ثمار تشبه العنب بحجمها الدائري الا أن بذرتها صلدة والثمرة حامضة الطعم، وشجرة القسد وهي شجرة تشبه ثمرتها النبق، والكثير من المنتجات الزراعية في مزرعتي التي أطلقت عليها اسم المنطقة الغربية تيمنا بالمنطقة التابعة لابوظبي والتي تذكرنا بالمغفور له بإذن الله الشيخ زايد رحمه الله، والذي بفضل الله ثم مبادراته بلم الشمل وتوفير الحياه الكريمة للمواطنين، استطعنا ان نعيد حياتنا الجبلية الى سابق عهدها ونزرع كل ما تزرعه التربة الطيبة .

واشار الى القفل المنزل الشتوي لاهل الجبل وسقفه المتكون من جذوع شجر السدر الغليظة وبنيت اجزاؤه من الحصى المتناسق الذي طمس بالجص أو اليص وهو عبارة عن طين محروق، اما بجانب القفل على بعد 5 أمتار بنيت البركة وهي مكان تتجمع فيه مياه الامطار ويعتمد على مياهها في الشرب، اما على بعد 20 متراً تقريباً فبنيت الصّفة وهي عبارة عن المنزل الصيفي لاهل الجبل وتتكون فقط من حصى وضع فوق بعضه بعضاً من دون الحاجة الى طمس الفراغات المتكونة بالجص ليتمكن الهواء من الدخول إلى الغرفة .

وبجانب إحدى أشجار السدر، قرب منزله الشتوي جلس ابن حسون ينظف حجراً متوسط الحجم، مقعراً من وسطه قال إنه حصاة مخصصة لندق عليها الأدوية مثل اليعدة وبعبع التيس والقبقاب وهي أسماء لأعشاب برية يتداوون بها اذ لا يوجد مستشفى ولا طبيب . ويضيف: حين ينتهي الماء من البركة، التي يشيدونها بالحصى واليص الذي يجعل البناء ثابتا لا يتأثر بعوامل الطبيعة مهما مر عليه من وقت، وتقع البركة غالبا بجانب المسكن او بالقرب منه وحين تكون البركة أسفل الجبل مباشرة أو تصب بها المنحدرات تبنى بجانبها مباشرة بركة اصغر لتصفي المياه من الشوائب أو يترسب فيها كل ما جرفته الوديان في تلك البركة الصغيرة لينزل في البركة الأكبر بعدها ماء صافيا تقريبا، ويكمل بعد ما ينتهي الماء من البركة ننتقل إلى السيح موضحا ان رحلة الانتقال من مكان شتوي إلى آخر صيفي كانت من الرحلات الطبيعية للأهالي في تلك الفترة حتى بنيت المنازل الشعبية وأدخلت الكهرباء والمياه واستقر الأهالي بعدها .

أحمد بن مطير (تعدى عمره سبعين عاما) التقيناه امام مزرعته المخصصة للبطيخ واليح في وادي قداعة خرج منها هو وابنه ذو السادسة عشر من عمره واشار الى ان الحياه الماضية كانت صعبة وقال: لم نكن نزرع الا على مياه المطر لذا كانت زراعتنا مقتصرة على الحب واليح الذي يحتاج فقط الى قدر بسيط من المياه، اذ يسقط المطر في فترة معينة بعدها تظهر ثماره ونجمعها . وأوضح ان وادي قداعة يحده من الشمال ومن الغرب وادي البيح ومن الجنوب مخيبي والسدمة وملاحة ومن الشرق منطقة قداعة، ولا يعلم لما سميت قداعة وما اصل تلك الكلمة لكنه أشار إلى أنه منذ ان ولد كانت تلك الاسماء موجودة ولم يسأل لما سميت بذاك الاسم .

واكد ولده راشد احمد (16 عاما) انه يتعلم من والده حاليا كيفية المعيشة الجبلية وزراعة البطيخ والحب .

سعيد محمد الدبدوب (62 عاما من اهالي وادي قداعة) ويقول كانت القلوب متضامنة اذ كان يجمعنا الوئام دائما ونجتمع في العمل عند جز الحب وبقله وزراعته، فيما كانت الزيارات لا تنقطع بين بعضنا بعضاً اذ نزور المنازل التي كانت متباعدة الا ان القلوب قريبة، وكنا نجتمع ثلاث مرات على الاقل في اليوم الواحد في الصباح الباكر وعند الضحى وبعد اذان الظهر . ويضيف: كنا نتعلم القرآن والصلاة من آبائنا وفي بعض السنوات الماضية كنا نذهب الى المطوع سلطان بن حميد بن مطر الذي يسكن في عريش في رأس الخيمة ليحفظنا القرآن ويعلمنا الحروف الا اني ذهبت ذات يوم ولم ارجع لأكمل حفظ القرآن على يديه .

وحاليا استقرت معيشتنا في المنازل الشعبية التي بنيت في بداية عهد الاتحاد، الا ان ابنائي يفضلون الذهاب الى الجبل وقت الاجازات ويشتاقون إليه أكثر منا نحن الشواب .

راشد احمد يهمور (75 عاما من اهالي منطقة وادي قداعة) قال عمري ثلاث عشرة سنة تقريبا عندما تقلد صاحب السمو الشيخ صقر بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم رأس الخيمة مقاليد الحكم في الامارة، وكنا نقدر أعمارنا من خلال تذكرنا الأحداث التي كانت تجري اذ لم تكن أية جهه تصدر لنا شهادات ميلاد او غيرها من الاوراق الثبوتية في تلك الفترات الماضية .

وحياتنا الماضية تختصر بزراعة الحب القمح في الوعوب ويحتشد الاهالي لتجهيز الوعب واعداده للزراعة ومن ثم تبقيله وبعدها جزه او تخزينه في الينز وفي كل مرحلة من تلك المراحل يجتمع الاهالي كل يوم مخصص لوعب معين حتى ينتهى من كل الوعوب بالتعاون والتعاضد .