في بعض الأحيان تكون المواقف الإنسانية العاطفية مؤثرة في نفوس البشر، وفي أحيان أخرى تأخذ شكلا دينيا فتدب في النفوس حرارة لا تهدأ حتى تصل إلى أن تستقر على ما تريد. وفي موقعة عين جالوت قصص وحكايات متعددة، منها ما هو مفرح مثل تحقيق النصر على جيوش هولاكو وسط تلاحم وتعاون المسلمين، ومنها ما هو حزين مثل نهاية قطز. والتدقيق في المعاني التي تنطوي عليها هذه النوعية من المواقف يؤكد أن صد الأعداء لا يقل عن الفتوحات.
في الوقت الذي وصل فيه سيف الدين قطز إلى السلطة في مصر توالت الأخبار عن اقتحام التتار للشام، واستباحتهم للمدينة تلو الأخرى في طريقهم إلى مصر، وما لبثت رسلهم أن وقفت أمام قطز وهو في أيامه الأولى على عرشه تقرأ رسالة أميرهم هولاكو إليه، والتي جاء فيها: من ملك الملوك شرقاً وغرباً القائد الأعظم، باسمك اللهم باسط الأرض ورافع السماء، نعلم أمير مصر قطز الذي هو من جنس المماليك الذين هربوا من سيوفنا إلى هذه الأرض، بعد أن ابتاعوا إلى التجار بأبخس الأثمان أما بعد.. فإنا نعبد الله في أرضه، خلقنا من سخطه، يسلطنا على من يشاء من خلقه، فسلموا إلينا الأمر تسلموا، قبل أن ينكشف الغطاء فتندموا، وقد سمعتم أننا أخربنا البلاد، وقتلنا العباد، فكيف لكم الهرب؟ ولنا خلفكم الطلب، فما لكم من سيوفنا خلاص، وأنتم معنا في الأقفاص، خيولنا سوابق، وسيوفنا صواعق، فقلوبنا كالجبال، وعددنا كالرمال، فمن طلب حربنا ندم، ومن تأخر عنا سلم... فلا تهلكوا أنفسكم بأيديكم، فقد حذر من أنذر، وقد ثبت عندكم أننا كفرة، وثبت عندنا أنكم فجرة، والله يلقي الكفرة على الفجرة. وحذره في آخر الرسالة من أن يلقى مصير الخلافة العباسية المنكوبة في بغداد، فما كان من قطز إلا أن حبس الرسل وأرسل يستشير الأمراء والعلماء، فأشار الجميع بضرورة الخروج لملاقاة التتار، وإلا خربت البلاد بسبب الهلع والخوف قبل أن يخربها التتار بدخولها.
النصر المبين
وقف قطز يوم عين جالوت على رجليه تاركا جواده، وهو يقول لمن راح يلومه على ذلك خائفا عليه: إنني كنت أفكر في الجنة وأما الإسلام فله رب لا يضيعه. وتتفق كثير من الروايات على قيام قطز بالدور نفسه الذي قام به صلاح الدين، حيث عرف الحقيقة وأعلنها على الناس: لقد انهزمتم أمام التتار لتهاونكم في أمر دينكم، فاستمسكوا بهذا الدين، والله منفذ وعده الذي وعد.
اشتعل القتال بين الطرفين، والمسلمون الأقل عددا يحاولون أن يوقفوا هجمات التتار الذين ضغطوا على مسيرة جيش المسلمين فانكسرت، فما كان من قطز وقائد جيوشه بيبرس إلا أن التفا من الخلف مع فريق من المقاتلين ليمنعوا التفاف جيش المغول حول المسلمين، ونجحوا في وقف هجمة المغول من هذا الجانب. لكن بعد خسارة كبيرة.
يقول الباحث عماد حسين في دراسته قطز الصائح وا إسلاماه: استمر القتال سجالاً وفي مطلع اليوم الثالث. خطب قطز في جيشه يرغبهم في الجنة. ويحسن لهم الموت في سبيل الله، وما أن احتدم القتال حتى انطلق جيش التتار في حملة شديدة كادوا يكسرون فيها جيش المسلمين، فما أن رأى قطز ذلك حتى نزل عن فرسه وخلع عنه خوذته في وسط ميدان المعركة صائحا وا إسلاماه وثبت معه طائفة من الفرسان فما لبث أن عاد الفارون من الميدان إلى المعركة من جديد، ونزل أحد الفرسان عن فرسه ليركبه قطز، فرفض صائحا: ما كنت أمنع نفعك عن المسلمين الآن (يقصد أن لكل فرد في هذا الموقف دوراً يجب أن يؤديه، وأن استمرار الفارس في ركوبه لفرسه أنفع من ركوبه هو وخروجه من هذا الموقف) فإذا بجند الإسلام ينقضون على جيش التتار، فتنكسر هجمة التتار وتتخلخل صفوفهم حتى تحقق النصر المبين.
المشهد الحزين
كان المشهد الأخير من قصة قطز بطل معركة عين جالوت، كما أورد الباحث أحمد تمام في دراسته قطز قهر المغول وطعنه الرفاق حزينا مثيرا للشجن والتأمل، فبينما كان السلطان المظفر سيف الدين قطز في طريقه إلى القاهرة التي كانت تنتظره بالزينات وتستعد لاستقباله بما يليق، كان القدر يخفي له مؤامرة نفذها شركاؤه في النصر الذين استكثروا عليه أن يرى نشوة النصر في عيون مستقبليه، ويستشعر عظمة ما صنع لأمّته، فلقي حتفه على يد بيبرس في منطقة تسمى الصالحية. ويبدو للناظر في حوليات التاريخ التي احتفظت بتفاصيل حياة هذا البطل أنه قد جاء لأداء مهمة عظيمة ومحددة، فما أن أداها على خير وجه حتى توارى عن مسرح التاريخ بعد أن خطف الأبصار وجذب الانتباه إليه وعلى قِصر دوره التاريخي، لكنه كان عظيما وباقيا، واحتل مكانته بين كبار القادة وأصحاب المعارك الكبرى. والتاريخ لا يعتد بحساب الأزمان والأيام، وإنما بحجم التأثير الذي يتركه الرجل وإن كانت حياته قصيرة. فكثير من خلفاء المسلمين وحكامهم أمضوا عشرات السنين دون أن يلتفت إليهم التاريخ أو ترتبط حياتهم بوجدان الناس ومشاعرهم.