احترام الناس، والعدل والمساواة بينهم، وكفّ الظلم، أهم المبادئ التي تقود مسيرة حياة القاضي أحمد إبراهيم سيف رئيس المحكمة الجزائية في محاكم دبي، الذي يرى ضمن منهج حياته أن حرية الإنسان لا يمكن تعويضها، وأن القاضي يعدّ أسعد إنسان عندما يصدر حكماً ببراءة متهم . يربي القاضي سيف أبناءه على المبادئ ذاتها، ليتخذوها نهجا في حياتهم، يقودهم إلى نيل احترام الناس، وتقديرهم، فيدعوهم دائماً إلى عدم التكبر على الناس، ومساعدتهم، والأهم من ذلك أن يستمر أبناؤه في طاعة الله، مؤكداً أنه يعطيهم مطلق الحرية في اختيار طريقة حياتهم، ووظائفهم المستقبلية من دون أن يخضعهم للضغوط .

ولا يعزل العمل القاضي سيف عن إبراز اهتماماته الشخصية، فلمن لا يعرفه، هو من أبرز مشجعي فريق مانشستريونايتد الإنجليزي، ومحلياً من مشجعي فريق الشباب، الذي كان حارساً لشباكه . ويزيد على ذلك، أن القاضي أحد عشاق السفر، وهو يرى أن الفروق في العالم تغيرت في الوقت الحالي نتيجة التطور، فيما يرى أن أهم تجاربه في الحياة جاءت نتيجة عمله في المحاماة . وفيما يلي نص الحوار:

رمضان قديماً كان يغيّر الناس والحالي يمر بسرعة

تعجبني ألمانيا كثيراً لصرامتها في تطبيق القوانين

رئيس المحكمة الجزائية في محاكم دبي، المحكمة ذات الدور الكبير على الصعيد القضائي في الإمارات، ما حجم المسؤولية الملقاة على عاتقكم؟ وكيف تديرون دفة العمل، وخاصة أن المحكمة الجزائية في دبي تعدّ من أسرع المحاكم في إنهاء القضايا خلال فترة زمنية قليلة؟

- لا شك أن أي عمل قضائي مسؤولية، لأن القاضي يتعامل مع مصالح الناس، وجميع المحاكم تتعامل مع الأحوال المالية، أما المحاكم الجزائية فيكون ضمن قراراتها الحبس وتقييد حرية الأشخاص، وقد تصل العقوبات إلى الإعدام، الأمر الذي يجعل مسؤولية القاضي أكبر، لأن حرية الإنسان لا يمكن تعويضها، وبالتالي من غير المقبول حبس إنسان مدة طويله ثم الحكم عليه بالبراءة، وعليه يجب علينا أن نعمل على سرعة الفصل في القضايا دون الإخلال بحق الدفاع، إلا أن إجراءات المحاكمة قد تطول في بعض الحالات لسماع الشهود، أو لطلبات الدفاع، أو لأمور أخرى .

أما بالنسبة لإدارة القضايا، فقد عملنا على تقسيم الدوائر إلى جنايات، وجنح، ومرور، وجنسية وإقامة، وأسسنا محكمة الأسرة حديثاً، وهناك قضاة متخصصون فيها، أما دوري رئيساً للمحكمة الجزائية، فيقتصر على الإشراف الإداري، من دون التدخل في العمل الفني، والمقصود بالعمل الإداري توزيع العمل، وتشكيل الدوائر القضائية، والتنسيق مع الشركاء، وتسهيل عمل القضاة، أما الفني فهو الحكم في القضايا، وهذا عائد إلى القضاة، ولا أحد يتدخل فيه بتاتاً، لأنه من اختصاصهم .

الدراسة والقضاء

كيف يعرف القاضي أحمد سيف نفسه؟ وهل لك أن تضعنا في صورة مراحل حياتك المهنية والدراسية؟

- تخرجت في كلية شرطة دبي عام ،1993 وكنت ضمن الدفعة الثانية للكلية، والتحقت في العام نفسه بالنيابة العامة، واستمررت في العمل لديها حتى عام ،2000 وبعدها تركت النيابة العامة، وبدأت العمل في مهنة المحاماة حتى عام ،2005 وفي ذلك العام أصدر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي رعاه الله، مرسوماً بتعييني قاضياً في محكمة استئناف دبي، ثم أصدر سموه توجيهاته بإنشاء المحاكم المتخصصة في المحكمة الابتدائية، وتم تعيني رئيساً للمحكمة الجزائية .

أما عن الثانوية العامة فدرستها في ثانوية دبي، والإعدادية في مدرسة المهلب، وقد التحقت بدورة خارجية في معهد الدراسات القضائية في مصر استمرت شهرين، وكنا وقتها 8 أشخاص .

لماذا عالم القضاء تحديداً؟

- صدر قانون الإجراءات الاتحادي عام ،1992 واستحدث نظام النيابة العامة وقتها، وعليه صدر مرسوم إنشاء النيابة العامة بدلا من الادعاء العام، وكانت حديثة في ذلك الوقت، وبناء على نصيحة الأصدقاء دخلت هذا المجال .

اهتمام كبير

كيف تقيّم عمل المحاكم في دبي؟

- التطور ملحوظ في العمل القضائي في دبي، ومنذ التحاقي به وجدت دعماً كبيراً من حكام دبي لهذا القطاع، ويمكن ملاحظة الاهتمام من عدد القضاة، والخدمات المقدمة، والزائر إلى محاكم دبي يفاجأ بمستوى الخدمات، وخاصة الإلكترونية منها .

هل يؤثر الرأي العام في سير قضية أحدثت ردود فعل واسعة؟

- يؤدي القاضي اليمين عند بداية عمله، وبالتالي يتجرد من كل الأمور سواء العاطفة، أو الصداقة أو غيرهما عند تناوله لملف القضية، ويهتم بالأدلة والنصوص القانونية، وحين تكون هناك قضايا رأي عام، لا يتأثر به إطلاقاً، وإنما يتعامل مع الأدلة والبراهين، والنصوص القانونية .

ما أهم المبادئ التي تتّبعها في حياتك، وتتخذها نهجاً؟

- أن تحترم الناس جميعاً، وتساعدهم، وأحب أن يكون هناك عدل بينهم، وتنتشر المساواة، وهذه المبادئ أستمدها من العمل القضائي، وأهم شيء لدي ألا يظلم أحد .

ما أهم التجارب الحياتية التي خضتها سواء في الدولة أو خارجها؟

- العمل في المحاماة أهم تجارب حياتي، فالعمل في النيابة والمحاكم يجعلك تحتك بالناس ضمن إطار العمل، ولكن في المحاماة تختلط بشريحة أكبر، وتتعامل مع الطرف الآخر من القضية المتهم، وبالتالي ترى الوجه الآخر منها، لأن الناس في هذه الحالة لا يعاملونك بوصفك قاضياً أو وكيل نيابة، والعمل في المحاماة أفادني كثيراً في مجال القضاء .

من أجل حكم عادل

ما رأيك في مقولة من ولّي القضاء ذبح من غير سكين؟

- بشكل عام هي مقولة صحيحة، ومن يعرف طبيعة عمل القاضي يدرك صحتها، فهو ليس موظفاً، عمله يبدأ وينتهي خلال فترة الدوام فقط، بل يبدأ بعد انتهاء الدوام، وقد يؤذن الفجر على القاضي، وهو يقرأ ملف قضية، حتى يصل إلى نتيجة، وقد يقرأ الملف مرة ومرتين وثلاثا، وحتى وهو في السيارة يمكن أن يفكر في القضية، وبالتالي تكون حياته مكرّسة من أجل إصدار حكم صحيح بحق أي شخص .

وقد يؤدي عمل القاضي إلى انعزاله عن الحياة، فيكون نطاق حياته البيت والمكتب، وبالتالي يشعر بأن الحياة تجري حوله من دون أن يلاحظها، لكن مقابل ذلك، فإن توصله إلى حكم عادل يهوّن كل التعب الذي يبذله، ويكون القاضي أسعد إنسان، بل وأسعد من المتهم نفسه، عندما ينطق حكم البراءة .

من هو صاحب الفضل في وصولك إلى موقعك؟

- الفضل لله ثم للوالد، الذي كان داعماً لي في كل مراحل حياتي، وشجعني على العمل في مجال القضاء ودخول كلية الشرطة .

ومن هي الشخصية التي ترى فيها أنموذجاً يحتذى؟

- صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، لأنه في عز ما يملك من سلطة وقوة، لا يحاول استخدامهما في معاقبة أي شخص، بل يترك الأمور للقضاء، الذي يصدر حكمه بصورة شفافة بعيداً عن أي ضغوط، وهناك تعليمات من سموه تؤكد ضرورة ألا يتدخل أحد في عمل القضاء، وأنا أعتبر سموه القاضي الأول .

الحاضر والماضي

ما الفرق بين رمضان في الوقت الحاضر وفي الزمن الماضي؟

- في الوقت الحاضر لم نعد نشعر برمضان، حيث يأتي ويذهب بسرعة وأصبح مفهومه عند الناس الخيام والسهرات، على عكس الأيام الماضية، إذ كان يستقبل باحتفالات، ويغير حياة الناس وسلوكهم وهو ما نفتقده في الوقت الحالي .

ما أبرز الدول التي زرتها؟

- أنا من الناس الذين يحبون السفر، وزرت أكثر من 22 دولة في أوروبا وآسيا، وأستراليا، وأعتبر السفر إحدى مشكلاتي، وكل دولة فيها طبيعة مختلفة، لكن ألمانيا تعجبني كثيرا كونها صارمة في تطبيق القوانين، وخاصة المرورية .

بشكل عام، ومع الانفتاح الكبير بين دول العالم، لم تعد تجد اختلافا كبيراً بين دولة وأخرى، لكني أفضل الدول الأوروبية لأن نظام الحياة فيها جيد ومريح .

تربية الأولاد

ما المنهجية التي تربي بها أطفالك؟ وهل لك أن تذكر لنا أسماءهم، وأعمارهم، وماذا تأمل أن يصبحوا مستقبلاً؟

- لدي ثلاثة أولاد هم راشد، (15 عاماً)، وسيف، (13 عاماً)، وحميد (7 أعوام)، وما أركز عليه في تربيتي لهم ضرورة الإيمان وطاعة الله، وعدم التكبر، وأن يكون تعاملهم مع الناس جيدا، ومساعدة من يحتاج إلى مساعدة منهم .

ومن لديه استعداد وجدارة بينهم، وقدرة على الحكم بين الناس بالعدل، فليدخل المجال القضائي، لكني أترك لهم مطلق الحرية في اختيار عملهم في المستقبل .

عرفنا أنك رياضي، هل لك أن تحدثنا عن ذلك؟

- كنت ألعب في نادي الشباب حارساً للمرمى، لكن عند التحاقي بكلية الشرطة توقفت، فلا أحد يستطيع الانقطاع عن كرة القدم ومتابعتها، وأذهب أحيانا إلى خارج الدولة لحضور مباريات كرة قدم، وأشجع فريق الشباب في الدولة، أما بالنسبة لفريقي المفضل في الخارج فهو مانشستريونايتد .

ما أغرب أو أطرف موقف صادفته؟

- كنت برفقة زميل في دولة أوروبية، ومعنا عائلتانا، واستقللت مع عائلتي سيارتي أجرة، وزميلي سيارة أخرى، وعند وصولنا إلى المكان المقصود، طلب السائق مني مبلغاً كبيراً مقارنة بسائق آخر استخدمناه ساعتين وأخذ مبلغاً أقل بكثير، فشككت في محاولة السائق النصب علي، وناديت على شرطي قريب من المنطقة، فما كان من السائق إلا أن هرب بسيارته من دون أن يأخذ الأجرة.