جرت العادة في المجتمعات العربية أن يتوسط أحد الأقارب أو الأصدقاء في الزواج، لاسيما عندما يكون أحد الطرفين من خارج العائلة . وبين البحث والتحري والتوفيق بين وجهات النظر، يجيب الوسيط عن بعض الأسئلة التي يطرحها كل طرف في غياب الآخر . وقد يكون الوسيط أحد أفراد الأسرة المشهود لهم بالثقة والخبرة في مثل هذه الأمور، ونجحت على يده الكثير من الزيجات، بينما يرمي القدر بالمصادفة أحد الأشخاص في طريق أحد الطرفين لإتمام الزواج . وبين الاتصال الهاتفي والزيارات العائلية والعزائم، تتعدد وسائل الوسيط في التواصل بين العائلتين، تمهيداً لعقد الزواج الميمون، بينما تتواصل مسؤولية البعض حتى بعد الزواج في حل المشكلات الزوجية . حول دور الوسيط في الزواج ووسائله ومسؤولياته يدور هذا التحقيق .
توسط سيف مطر الزعابي (62 عاماً)، من كلباء، في الكثير من الزيجات العائلية وكان له بالغ الأثر في إتمام زيجات إخوانه، خاصة بعد وفاة والده وتحمل مسؤوليتهم . كما توسط بحكم معرفته بأهل الفريج لدى جيرانه، وساعد على إنجاح زيجات من يعرفهم من داخل الحي وخارجه .
ويقول: كنا قديماً نعتمد على كبير العائلة في زواجنا والتعرف إلى العائلات الأخرى، وعندما كبرنا أخذنا على عاتقنا هذا الدور وتحملنا مسؤولية زواج إخواننا ومن يندبنا في الخطبة لأبنائه وأصدقائه من أهل الفريج .
وحول طريقة تعامله مع الطرفين يضيف: يختلف تعاملنا مع كبار العائلات بحسب الطرف الراغب في الزواج، فهناك من بين الرجال من يخطب لابنته، بعد أن يرى في إحدى العائلات من يرغب بتزويجها له . ويأتي في هذه الحالة ويقول للشاب نفسه أو أبيه أو إخوانه أو أولياء أموره، زوجة فلان عندي، بعدها يتم التشاور بين كبار العائلة للبحث في طلبة لإكمال الزواج .
وقد يحدث أن يتوسط أحد الأصدقاء الذين على علم بوجود أحد الشباب في أسر الفريج الذي يبحث عن زوجة، ويشعر بالتوافق بينه وبين إحدى بنات العائلة، فيبادر بالتوفيق بين العائلتين وشرح حاله ومن ثم يبدأ الأهل في التعاطي مع المسألة بجدية .
ويقول الزعابي: عندما يرغب الشاب في الزواج يخبر أهله بنيته وجاهزيته للخطبة، يطلب منهم البحث عن زوجة مناسبة تاركاً الأمر لأهل الثقة من الأقارب أو الأصدقاء . بعدها نبحث وأهل العريس، إن كان من أهل الفريج، عن عائلات نعلم أن لديهم فتيات في سن الزواج . وعندما نتأكد من تناسب إحداهن نذهب إلى أهلها، ونقول لولي الأمر بشكل مباشر: نريد ابنتك لفلان ولد فلان ومن قوم فلان . ونجيب عن أسئلتهم وينفض المجلس على وعد بالرد في موعد أقصاه أسبوع، وفي حالة الموافقة تقام الأفراح ويعلن ذلك في الفريج .
ويتفق معه الوالد علي جمعة صقر( 66 عاماً)، من الشارقة، في أهمية دور الوسيط العائلي في الزواج قديماً قبل التطور الذي شهده المجتمع الإماراتي، حيث كان التعارف يتم على يد أمثاله من الكبار المشهود لهم بالصدق والأمانة والثقة . ويقول: التوسط للزواج ليس مهنة، لكن العادة جرت أن نسأل عن شباب الحي المتقدم للزواج، ويأخذ الأهل آراءنا في بعض العائلات، كما نذهب مع من نثق بأخلاقه وعائلته، ونجده كفؤاً للزواج ممن يتقدم إليها .
ويضيف: لا أتحرك من بيتي إلا مع أبناء عائلتي أو أصدقائي، لأنني أكون أعلم الناس بهم بحكم عشرتي معهم وتعرفي إلى حالتهم المادية والاجتماعية وأصولهم، إضافة إلى علمي بأخلاق الشاب الذي نخطب له من عائلة أخرى، وأحياناً نكون على علم بالعائلتين وهو ما يسهل المهمة ويعجل بالموافقة التي من الممكن أن نحصل عليها في نفس الجلسة . وحول الرد على طلب الزواج وطريقته ومدته يقول: عندما يكون هناك قبول يقول والد العروس عالعين وعالراس، أما إن كان هناك في الشاب ما لا يعجبهم أو لا يتناسب مع عائلتهم فيكون الرد ما في نصيب . وقد يأخذ الرد على طلب الزواج سبعة أيام، فيها يسأل ولي أمر الفتاة عن الشاب وعائلته وأخلاقه .
وقد يصبح أحد الشباب وسيطاً للزواج عندما يسأله ولي أمر الفتاة عن أحد أقاربه أو أصدقائه، وقد يطلب منه الصديق الذهاب معه إلى بيت العروس لعلمه بهم أو ثقتهم به .
عبدالله جمعة الزعابي، موظف حكومي بعجمان، كثيراً ما يسأل عن أصدقائه وجيرانه، وعن طبيعة الأسئلة وطريقة رده عليها، يقول: تدور أغلب أسئلة أهل العروس في البداية عن أخلاق العريس وسلوكه بين أصدقائه، وعلاقته بأهله، ثم عن عمله وهل له وظيفة ثابته أم لا، ثم عن عائلته ومكان معيشة ابنتهم إن تزوجته، وهل له بيت أم لا . ويضيف: على الرغم من أن تلك الأسئلة من الممكن أن يسألها الأهل للشاب وأهله عند التقدم لطلب الفتاة، إلا أن بعض الأسئلة تحتاج إلى تحقق من أصدقاء الشاب المقربين .
ويشدد الزعابي على خطورة دور وسيط الزواج، سواء كان من كبار السن أو أحد الشباب، لأن الأمر يحتاج إلى أمانة وصدق متناهٍ في شرح الواقع من دون مزايدة أو نقصان، لأن الأمر يتوقف عليه مسؤولية ومستقبل حياة كاملة، ويترتب على تلك الشهادة سعادة أو تعاسة شخصين مدى الحياة .
ليس شرطاً أن يكون وسيط الزواج من الرجال، فقد يكون من بين النساء، فبحسب مريم الشحي، المعنية بقضايا المرأة، تلعب المرأة دوراً كبيراً في التوفيق بين الزوجين، لا سيما بعد تعرفها إلى ظروف أحد الطرفين .
وتقول: لا تقتصر وساطة المرأة أو الرجل على كونها من داخل الأسرة أو خارجها، ففي زواجي قبل أكثر من 26 عاماً، كان الوسيط من خارج العائلة والفريج ككل، لكنه استطاع أن يقرب بين أهلي وعائلة زوجي، وتم الزواج عن طيب خاطر ورضا من الطرفين .
وحول الطريقة التي يتبعها الوسيط في التقريب بين وجهات النظر تضيف: تذهب المرأة إلى بيت العروس لتراها وتتعرف إليها من قرب، وبعد أن تحصل على إجابة لأسئلة كثيرة متعلقة بأخلاقها وطريقة تعاملها مع أسرتها، تعود إلى بيت العريس لتخبر النساء من أهله، وفي حالة الموافقة يتخذ الرجال القرار بالذهاب لطلب العروس من أهلها بشكل رسمي . وتؤكد الشحي ضرورة تحلي الوسيط بصفات مهمة تساعده على إتمام مهمته، أهمها أن يكون صادقاً وأميناً لا ينصف طرفاً على الآخر، ولا يخفي عن أحد الأطراف أية معلومة، ولا يكذب ولا يجمل صورة أحد على حساب الآخر، لأن ذلك قد يؤدي إلى فقدان صدقيته لدى الجميع .
وحول قلة الوسطاء العائليين حالياً تقول: هناك عوامل كثير قللت من الاعتماد أفراد الأسرة بشكل عام في الزواج، أولها زيادة وسائل الاتصال التكنولوجية، ونزول الشباب للعمل، وهو ما سهل من عملية التعرف من قرب إلى وجهات النظر والإمكانات ومدى ملاءمة الطرفين لبعضهما بعضاً .
وتضيف: يتحمل الوسيط مسؤولية الزواج حتى بعد سنوات، ويصبح مدعواً في كل المشكلات التي قد تنشب بين الزوجين، وهو ما يجعل البعض يتردد في التوسط حتى لأقرب أقربائه خوفاً من تبعات تلك الوساطة .
يروي عبدالعزيز المسلم، مدير إدارة التراث بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، قصة أحد جيرانه الذين تعودوا على التوسط لزواج أفراد عائلته، سواء من داخل الفريج أو خارجه، وتحليه بروح الإقدام والمبادرة التي تمكنه من دخول أي بيت . وإجادته الشعر والأمثال الشعبية والأقاويل التي ترقق القلوب وتزيل العثرات .
ويقول: شخصية كبير العائلة الذي يتوسط في حل المشكلات أو الزواج، كانت من الشخصيات المهمة التي تعول عليها العائلات في كل كبيرة وصغيرة، فهو أهل ثقة وصدق، ومن العالمين بالأنساب وأصول العائلات . ومن ثم وجوده في مجلس الخطبة أو العرس مهم وأساسي لإتمام الزواج، لأن العائلات قديماً كانت تثق في ما يقوله كبير العائلة وتضمن ما يلزم به العريس . ويضيف: أتذكر ذلك الرجل الكبير الذي كان يدخل على العائلة لخطبة إحدى بناتها لشاب من أقاربه أو أحد أصدقائه، فيدخل بالسلام ودفء التحية مهللاً ببعض الجمل القديمة، وما إن يدخل يتعرف إلى الموجودين ويكسب ودهم في لمح البصر . ومن خلال سرد تاريخ العائلات يتعرف كبار العائلتين إلى بعضهم بعضاً، ومن ثم يكون من الصعب رفض العريس ما دام الوالد الكبير استطاع أن يقنع أهل العروس بمن أتى ليخطب له . وحول توسطه شخصياً للزواج يقول: لم يسبق لي التوسط لزواج أحد الأصدقاء أو الأقارب، لكنني سئلت كثيراً عن بعض الأشخاص الذين أعرفهم في محيطي الاجتماعي، وأجبت بما أعرف عنهم بكل أمانة وصدق .
ويشير المسلم إلى تغير الأسئلة التي كانت يسألها الأهل عن الشاب، فكان أول سؤال يسأله الأهل هل يصلي الفجر؟ لأنها الصلاة الوحيدة التي تشير إلى الالتزام مع ربه، كما كان يسأل أهل العروس عن علاقة الشاب بأهله وبره لهم، بينما تبدل الحال حالياً وأصبح أول سؤال كم راتبه؟ وأين يعمل؟ وهل لديه بيت أم لا؟
تشير أمينة خليل، مديرة إدارة التنمية الاجتماعية بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، إلى أن غياب الوسيط العائلي الذي كان يعول عليه في زواج شباب العائلة وبناتها، زاد من التباعد بين الأسر وبعضها، خاصة مع تطور العصر وقلة التواصل الاجتماعي بين عائلات الفريج الواحد، وهو ما يزيد من عنوسة الفتيات ويفقد الشباب الرؤية السليمة في الاختيار الجيد لزوجة المستقبل .
وحول الصفات التي ينبغي أن توجد في الوسيط العائلي للزواج تقول: ينبغي أن تتمتع شخصيته بالحكمة والوعي، حيث يكون مطلعاً على أدق التفاصيل التي يريديها الشاب في زوجته والعكس، وهو ما يسهل مهمته ويجعلها تسير في الطريق الذي رسمه قبل أن يتحرك من منزله، كما أن خبرته في الحياة تجعل لديه رؤية تبصره إن كان طلبه سيجاب أو سيقابل بالرفض .
وتضيف: يجب أن يتحلى الوسيط بالأمانة والصدقية في نقل الصفات الشخصية لكل طرف، وعدم التحيز لطرف على حساب الآخر، كما يجب أن يتمتع بقدر كبير من الإيجابية والمبادرة، وهو ما يجعله يتمكن من تذليل ما يواجهه من عثرات قد تواجهه في إقناع أحد الأطراف بوجهة نظر الآخر .
وتشدد خليل على حاجة المجتمع إلى عودة وسيط الزواج العائلي، الذي يأخذ على عاتقه تكوين نواة أسرية جديدة، خاصة في ظل التطور التكنولوجي الذي أسكن الناس بيوتها، وجعل التواصل هاتفياً أو عبر الإنترنت .