قال تعالى: فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين وبشّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات . . (البقرة 24-25)

السؤال: ما موقع جملة ولن تفعلوا؟ وما وجه بلاغتها؟

الجواب: جملة اعتراضية، ووجه بلاغتها: المسارعة إلى بيان عجزهم المطلق عن معارضة القرآن .

وفي هذه الجملة دليلان على إثبات نبوته - صلى الله عليه وسلم:

كون القرآن المنزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم - معجزاً .

والإخبار بأنهم لن يعارضوا، وهو غيب لا يعلمه إلا الله تعالى .

السؤال: ما وجه الجمع بين (لن) و(لم) وبين مقتضاهما (الاستقبال والمضي) تناف، وذلك في قوله تعالى: فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا . .؟

الجواب: لأن المراد تأكيد عجزهم عن معارضة القرآن في الماضي وفي المستقبل، أو قبل: استمرار عدم إتيانهم بسورة .

السؤال: (لا) و(لن) يشتركان في الدلالة على نفي المستقبل فلم قال: فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا'' ولم يقل: ولا تفعلوا؟

الجواب: لأن في (لن) توكيداً وتشديداً في نفي المستقبل لا يوجدان في أختها (لا)، تقول لصاحبك: لا أزورك غداً، فإن أنكر عليك، قلت: لن أزورك غداً .

وهذا التوكيد والتشديد في نفي معارضتهم في المستقبل أدخل في باب التحدي والتعجيز، وآكد في استمرار عجزهم عن الإتيان بمثل أقل سورة من القرآن . وفيه كذلك تأكيد على أمر غيبي لا يعلمه إلا الله وهو أنهم لن يعارضوا القرآن، وتلك معجزة قاهرة ولذا أوثرت (لن) لمناسبتها لمقام التعجيز . والله أعلم بمراده .

تحد حتى قيام الساعة

السؤال: هل كان التحدي بمعارضة القرآن الكريم موجهاً فقط إلى الكفار في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم-؟

الجواب: التحدي قائم حتى قيام الساعة إلى كل من يأتي له الخطاب .

السؤال: ما دام التحدي عاماً لكل سامع في كل زمان ومكان، فلِمَ قُصِرَ الخطاب على الكفار ومن على شاكلتهم في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقط فقال: وإن كنتم في ريب مما نزلنا . . ولم يقل مثلاً: ومن كان في ريب ليكون لفظ التحدي عاماً ومستقصياً؟

الجواب: من وجوه منها:

أولاً: إن المخاطبين هم الذين أنكروا القرآن، وادعوا أنه كلام البشر فكان التحدي لهم، لذا كانوا الأولى بتوجيه الخطاب لهم .

ثانياً: إنهم كانوا أهل الفصاحة، وأرباب البلاغة، وفرسان البيان فإذا عجزوا عن معارضة القرآن كان عجز من يأتي بعدهم في أي عصر من العصور أشد وأبين، لذا وجه الخطاب لهم دون غيرهم، لأنهم كما قلنا كانوا قمة الفصاحة والبيان . والله أعلم بمراده .

السؤال: قلتم إن قوله تعالى: ولن تفعلوا من المعجزات الباهرة، حيث أخبر سبحانه عن أمر غيبي وهو استمرار عدم معارضة القرآن . فماذا تقول في ما أتى به مسيلمة الكذاب من معارضة للقرآن؟

الجواب: ما أتى به مسيلمة الكذاب لم يقصد به المعارضة وإنما ادعاه وحياً . والله أعلم .

السؤال: ما معنى اشتراطه - سبحانه - في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثل القرآن، وذلك في قوله: فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار؟

الجواب: لأنه إذا ظهر عجزهم عن المعارضة انجلى أمامهم صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد استوجبوا العقاب بالنار، فاتقاء النار يوجب ترك العناد .

السؤال: لِمَ عُبر عن أمرهم بترك العناد بالأمر باتقاء النار في قوله سبحانه: فاتقوا النار . . .؟

الجواب: لأن فيه تهويلاً لشأن العناد، لإنابة اتقاء النار منابه متبعاً ذلك بتهويل صفة النار وقودها الناس والحجارة . والله أعلم بمراده .

السؤال: لماذا جاءت (النار) معرفة في آية البقرة في قوله: فاتقوا النار وجاءت نكرة في آية التحريم: يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة (التحريم 6)؟

الجواب: لأن الخطاب في آية البقرة للكفار والمنافقين، وهم في قاع النار المحيطة بهم فعرف بلام الاستغراق أو العهد الذهني . والخطاب في آية التحريم للمؤمنين، والذي يُعذب بالنار من عصاتهم يكون في جزء من أعلاها، فناسب تنكيرها لتقليلها . والله أعلم .

الناس والحجارة

السؤال: ما وجه الجمع بين الناس الحجارة في قوله: فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين؟

الجواب: لأن الخطاب مع الكفار ومن على شاكلتهم الذين يتحداهم ربهم بمعارضة القرآن فيعجزون ثم يصرون على الكفر ولا يستجيبون، فهم إذن حجارة في صورة آدمية، فهذا الجمع بين الحجارة والحجارة من الناس هو الأمر المنتظر . وفي ذكر الحجارة هنا إيحاء إلى النفس بسمة أخرى في المشهد المفزع: مشهد النار التي تأكل الأحجار، ومشهد الناس الذين تزحمهم هذه الأحجار في النار .

ثم لأن هؤلاء الكفار قد ارتبطوا بها في الدنيا، فنحتوها وعبدوها واتخذواها أنداداً من دون الله، كما قال تعالى: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جنهم . . (الأنبياء 98) فهذه الآية مفسرة لآية البقرة، فقوله: إنكم وما تعبدون من دون الله يشير إلى قوله: الناس والحجار وقوله حصب جنهم يشير إلى قوله وقودها . المهم أنه لما اعتقد الكفار في حجارتهم المنحوتة المعبودة من دون الله تعالى النفع والضرر والشفاعة . . جعلها الله عذابهم، فجمعهم معها محماة في نار جهنم إمعاناً في إيلامهم وإغراقاً في تحيرهم .

وفي ذلك أيضاً تحقير لتلك الأحجار، وزيادة إظهار ضلال عبدتها في ما عبدوا، وتكرر لحسرتهم على إهانتها، وحسرتهم أيضاً على أن ما كان يعدونه سبباً لعزهم وفخرهم استحال سبباً لعذابهم، وما أعدوه لنجاتهم صار سبباً لعذابهم، وذلك تصديقاً لقوله تعالى: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (الأنبياء 98) .

وفي ذكر الناس والحجارة مقترنين أيضاً ترهيب من النار وتعظيم لشأنها، وتنبيه على شدة وقودها لترتدع النفوس وتنزجر وليقع الترهيب موقعه، وليحصل بهذا الاقتران التخويف والزجر، حيث تكون الحجارة والناس وقوداً للنار، فذكر ذلك تعظيماً للنار .

السؤال: ما نوع (ال) في كلمة (الناس)؟

الجواب: التعريف للاستغراق العُرْفي، والمراد صنف من الناس هم الكافرون . ويجوز أن تكون (ال) للعهد؟ لأن كونهم مشركين قد علم من آيات أخرى كثيرة .

السؤال: لماذا قدم ذكر الناس على الحجارة في الآية؟

الجواب: لأنهم الذين يدركون الآلام، أو لكونهم أكثر إيقاداً من الجماد لما فيهم من الجلود واللحوم والشحوم .

ولأن في ذلك مزيد ترهيب وتخويف لهم، والله أعلم .

تركيز على الحدث

السؤال: ما سر حذف الفاعل في قوله أعدت للكافرين؟

الجواب: معنى (أُعدت): هُيئت، والتقدير: أعدها الله للكافرين، وفي بناء الفعل، للمفعول - المجهول - تركيز على الحدث - إعداد جهنم - لا المُحْدِث - إذ كان الفاعل - سبحانه - معلوماً من السياق والمقام - وبذلك تنخلع القلوب، وتنزجر النفوس عندما تسمع هذا الوعيد، وكأن النار هيئت وأُعِدت من تلقاء نفسها .

وكذلك حذف الفاعل في موقف البعث والقيامة للسبب الذي ذكرناه كما في قوله تعالى: فإذا نُفِخَ في الصور نفخة واحدة وحُملت الأرض والجبال فِدُكّتا دكة واحدة (الحاقة 13-14) .

السؤال: لِمَ لَمْ يعطف قوله أعدت للكافرين على ما قبله؟

الجواب: إما لأنه ابتداء كلام، لنكتة هي الاعتناء بشأنه، بجعله مقصوداً بالذات، مبالغة في الوعيد والترهيب . والله أعلم .

وإما لأنه استئناف بياني - شبه كمال الاتصال - لكونه جواباً عن سؤال تقديره: لمن أعدت تلك النار؟ أو: لم كان وقودها الناس والحجارة؟ وعموماً ففي الفصل تعريض بأن النار خُلِقت للكافرين ابتداء، لأن الخطاب لهم . والله أعلم .

السؤال: ما سر التعبير باسم الفاعل (الكافرين) وإيثاره على الجملة (الذين كفروا)؟

الجواب: للدلالة على رسخوهم في الكفر، وثباتهم عليه . والله أعلم .

السؤال: ما سر العدول عن المضمر إلى الظاهر في قوله سبحانه أعدت للكافرين حيث كان مقتضى الظاهر أن يقال: فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار . . أعدت لكم؟

الجواب: للتصريح بعلة الحكم - كفرهم - وكون إعداد النار لهم إنما كان سببه كفرهم وعنادهم .

وللطيفة أخرى هي عدم مواجهتهم بمصيرهم صراحة، وكأن تلك النار أعدت لغير المخاطبين تنفيراً لهم عنها، وحثاً لهم على تجنبها بالإيمان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وبما جاء به، وبوحدانية الخالق سبحانه . والله أعلم .

السؤال: لِمَ عبّر عن المستقبل بالماضي (أعدت)؟

الجواب: لتأكد تحققه - المستقبل - وكأنه وقع حين أخبر عنه، على غرار قوله تعالى: أتى أمر الله فلا تستعجلوه (النحل 1)، وقوله سبحانه: ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون (يس 51) . والله أعلم .

ترهيب وترغيب

السؤال: ما وجه ارتباط قوله تعالى: وبشّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات . . . (البقرة 25) بما قبله؟

الجواب: الآية السابقة فيها ترهيب، والآية هنا تشتمل على ترغيب، وتلك عادة القرآن من إرادف الترغيب بالترهيب والوعد بالوعيد والإنذار بالتبشير أو عكس ذلك، مجاراة لاختلاف طباع الناس في انتفاعهم بالأسلوب الذي يلائمهم مما ذكر من الترغيب أو الترهيب . . إلخ، ففي ذلك تحفيز للمؤمنين على طاعة الله سبحانه، وتثبيط للكافرين عن عصيانه - سبحانه . . والله أعلم .

السؤال: علام عطف قوله تعالى: وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات؟

الجواب: فيه قولان:

أولهما: إنه معطوف على قوله وإن كنتم في ريب مما نزلنا . . إلى قوله أعدت للكافرين .

ثانيهما: إنه معطوف على قوله: فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا .

السؤال: كيف ساغ عطف الإنشاء وبشر . . على الخبر قبله؟

الجواب: جاز العطف في هذا الموضع، لأن المنظور إليه هو التناسب بين الغرضين أو الطرفين من دون نظر إلى جزئيات أو مكونات هذين الغرضين أو الطرفين، فالنظر إلى الإطار العام الذي يجمعهما، وهو عطف قصة على قصة أو جملة وصف ثواب المؤمنين على جملة وصف عقاب الكافرين، فقد عطف مجموع جمل متعددة مسوقة لوصف ثواب الموحدين المؤمنين، على مجموع جمل متعددة سابقة مسوقة لوصف عقاب الكافرين المعاندين، وهذا ما يسمى بالتناسب بين القصتين، فليس هو عطفاً لجملة معينة في هذه القصة على جملة معينة في قصة عقاب الكفار، حتى يشترط التناسب بين الجملتين في الخبرية والإنشائية، لذا جاز عطف الإنشاء على الخبر في هذا الموضوع وأشباهه . والله أعلم .

السؤال: ما سر تعريف المسند إليه باسم الموصول في قوله تعالى: وبشر الذين آمنوا وعملوا . . .؟

الجواب: ليأتي تعليل الحكم للمؤمنين بالجزاء المذكور من خلال جملة الصلة، فالإيمان والعمل الصالح هما السبب في البشارة، أو هما السبب في الجزاء بأن تكون لهم جنات تجري من تحتها الأنهار . . إلى آخر ما ذكر في الآية . والله أعلم بمراده .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

moc .oohay@46yrhzala