قال تعالى: وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار * وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم * ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون (إبراهيم 34 - 37)
كان مما بيناه في المقالة السابقة سر ترتيب النعم المذكورة في قوله تعالى: الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم * وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار * وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار مما ذكرناه هناك أن تأخير تسخير الشمس والقمر عن تسخير ما تقدمه من النعم على الرغم من المناسبة الظاهرة التي بينه وبين خلق السموات، لاستتباع ذكرها لذكر الأرض المستدعي لذكر إنزال الماء من السماء إلى الأرض الموجب لذكر إخراج الرزق الذي من جملته ما يحصل بواسطة الفلك والأنهار، أو للتفادي عن توهم كون خلق السموات والأرض وتسخير الشمس والقمر نعمة واحدة.
الإيجاز بالحذف
والآن هيا بنا لنتدبر بيان الآيات الكريمة المذكورة فقوله تعالى: وآتاكم من كل ما سألتموه من باب ذكر العام بعد الخاص، والمعنى: أعطاكم بعض جميع ما سألتموه حسبما تقتضيه حكمته ومشيئته - سبحانه - على غرار قوله تعالى: من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد (الإسراء 18) ومن بناء على هذا التأويل تعبيضية، ويرد بهذا على من سأل: كيف قال تعالى: وآتاكم من كل ما سألتموه والله تعالى لم يعطنا كل ما سألناه ولا بعضاً من كل فرد مما سألناه؟ ويجاب أيضاً عن هذا السؤال بأنه يجوز أن يكون الله تعالى قد أعطى جميع السائلين بعضاً من كل نوع أو صنف مما سأله جميعهم، وبهذا المقدار يصح الإخبار في الآية الكريمة وإن لم يعط كل واحد من السائلين بعضاً من كل فرد مما سأله، بيان ذلك: أن يكون -سبحانه - قد اعطى هذا شيئاً مما سأله ذاك، وأعطى ذاك شيئاً مما سأله هذا على حسب ما اقتضته الحكمة والمصلحة في حقهما، كما أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - الرؤية ليلة المعراج، وهي مسؤول موسى - عليه السلام، والله أعلم.
ووجه قوله تعالى: ما سألتموه بما من شأنه أن يسأل لاحتياج الناس إليه سواء سئل بالفعل أم لم يُسأل فلا ينفي إيتاء ما لا حاجة إليه مما لا يخطر بالبال. وجعلوا الاحتياج إلى الشيء سؤالاً له بلسان الحال، وقيل: هو من باب الإيجاز بالحذف، والمعنى: وأتاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه، فحذف الثاني لدلالة الأول عليه.
وقرأ ابن عباس والضحاك ويعقوب وغيرهم (من كل) بالتنوين والتقدير: وآتاكم من كل شيء ما احتجتم إليه وسألتموه بلسان الحال. و(ما) بناء على هذه القراءة يجوز أن تكون نافية، (ومن كل) المفعول الثاني ل (آتى)، والمعنى بناء على هذه القراءة يكون إخباراً من الله تعالى بسبوغ نعمته عليهم بما لم يسألوه من النعم.
قوله تعالى: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها النعمة في الآية اسم جنس بمعنى المنعم به. وقيل: إنها اسم أقيم مقام المصدر، يقال: أنعم إنعاما ونعمة، فالنعمة بمعنى الإنعام؛ لذا لم تجمع، ومعنى (لا تحصوها) لا تطيقون عدها ولا حصرها ولو على سبيل الإجمال، لأنها غير متناهية وأصل الإحصاء العد بالحصا، وكان العرب يعتمدونه في العد، ثم استعمل لمطلق العد. وقيل: إن أصل الإحصاء أن الحاسب إذا بلغ عقدا معيناً من عقود الأعداد وضع حصاة ليحفظه بها، ففيه إشعار بعدم بلوغ العد مرتبة معتداً بها من مراتبها فضلاً عن بلوغ غايتها.
والأولى عندي - والله أعلم - عدم تفسير النعمة وتأويلها بالجمع (النعم) بل إبقاؤها على المفرد وتفسيرها بناء على ذلك لأن في التعبير بالمفرد (نعمة) إشارة إلى تشعب النعمة الواحدة من نعم الله تعالى إلى نعم كثيرة كثيرة لا تعد ولا تحصى والمعنى: إن تشرعوا في عد نعمة واحدة من نعمه تعالى لا تطيقوا عدها (فهي أكبر من أن يحصيها افريق من البشر أوكل البشر، وكلهم محدودون بين حدين من الزمان: بدء ونهاية، وبين حدود من العلم تابعة لحدود الزمان والمكان، ونعم الله مطلقة فوق كثرتها فلا يحيط بها إدراك إنسان.
واستخدمت أداة الشرط (إن) وعدم العد مقطوع به نظراً إلى توهم أنه يطاق، إذن عرفت أن المراد نفي استطاعة البشر ولا طاقتهم عد أنواع نعمة من الله تعالى فضلاً عن أفرادها وبلوغ آخرها، هذا إن أرادوا أن يعدوها على سبيل الإجمال أما على سبيل التفصيل فلا يقدر على هذا الإحصاء إلا المنعم - سبحانه وتعالى - لأن نعمه سبحانه غير متناهية.
قوله تعالى: إن الإنسان لظلوم كفار أي أن الإنسان لشديد الظلم للنعمة، بإغفال شكرها أو بوضعها في غير موضعها، أو يظلم نفسه بتعريضها للحرمان، شديد الكفران والجحود لها وقيل معناه: ظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع، وقيل: الظلوم: الشاكر لغير من أنعم عليه فيضع الشكر في غير موضعه.
واللام في (الإنسان) للجنس (فيتناول الإخبار بالظلم والكفران من يوجدان منه).
وأكد هذا الخبر بإن واللام وبصيغتي المبالغة (ظلوم كَفار)
سوء استخدام النعمة
وكم من نعمة أنعم الله بها علينا بأن هدى العقل البشري لاختراعها وإظهارها ولكن للأسف الشديد نحولها بسوء استخدامنا لها وبسوء استعمالنا إلى نقمة وخذ على سبيل المثال لا الحصر، الهواتف النقالة وما فيها من تقنيات حديثة، وشبكة المعلومات العنكبوتية (الانترنت) وأجهزة التلفاز وغيرها كثير جداً، انظر كيف يُساء استخدام تلك النعم في الفساد الأخلاقي، وهدم القيم، وهتك الأعراض.
وانظر إلى هؤلاء الذين مَن الله تعالى عليهم بنعمة الله فتراهم يهدرون أموالاً طائلة في أشياء تافهة لا قيمة لها ولا جدوي من ورائها، وترى في الوقت نفسه إخوانا لهم في العقيدة يموتون جوعا وعطشا، ولا تمد يد لإنقاذهم!! وانظر إلى من يضيع نعمة الوقت في السهر ليلاً والنوم نهارا وفي التسكع في الشوارع وملاحقة هذه وتلك، أليس كل هذا - وغيره كثير - من الظلم والكفر؟
إننا يجب علينا أن نؤدي حق تلك النعم، وحقها بشكر المنعم - سبحانه - لأن بالشكر تدوم النعم، وبالكفران تزول، وبتسخيرها فيما وضعت أو خلقت لأجله، ونعود إلى الآية الكريمة حيث ختمت بقوله تعالى: إن الإنسان لظلوم كفار، وختمت نظيرتها في سورة النحل ختاماً مختلفاً حيث قيل: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم (18 النحل)، ونجمل السر في اختلاف الختام في الآيتين الكريمتين بأنه المناسبة للسياق في كلّ، بيان هذا أن آية سورة إبراهيم تقديمه قوله تعالى: ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار... (آية 28)، وقوله تعالى: وجعلوا لله أنداداً ليضلوا عن سبيله (آية 30)، فجاء قوله: إن الإنسان.. شاهدا بقبح من فعل ذلك فناسب ختمها بذلك، كما جاء ختام الآية مناسباً لبدء السورة بأن الناس في الظلمات، وذلك في قوله تعالى: كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور.
الرحمة أسبق
أما سورة النحل فختمت بقوله.. إن الله غفور رحيم لأن تلك السورة سورة النعم، ففيها ذكر لكثير من نعمه سبحانه، فكان من جملة تلك التفضلات اتصافه سبحانه بهاتين الصفتين، كما أن السورة بدأت بالنهي عن استعجال العذاب.. أتى أمر الله فلا تستعجلوه، لأن الرحمة أسبق، ومن الرحمة إمهال الناس وإمتاعهم بالمنافع، فالتقدير إذن هناك: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ولكن ربه لا يعاجله بالعقوبة لأنه غفور رحيم.
وينتقل الحديث بعد ذلك إلى أبي الأنبياء إبراهيم الخليل - عليه السلام - والآيات تحكي جملة من دعائه - عليه السلام، فقد دعا إبراهيم - عليه السلام - لبلد الله الحرام بالأمن، ولنفسه وبنيه بالهداية إلى عبادة الله الفرد الصمد الواحد الأحد، واجتناب عبادة الأصنام، وطلب لذريته التي أسكنها عند البيت الحرام أن يعينهم الله على عبادته وشكره بإعمار المكان والإنعام عليهم بالثمرات، وأثنى على الله تعالى وحمده أن وهبه على الكِبَر إسماعيل وإسحاق، وسأل ربه أن يعينه وذريته لإقامة الصلاة، وأن يغفر لهم وللمؤمنين يوم القيامة.
والآيات المذكورة تأتي عقب سياق فيه تذكير بآلاء الله ونعمه وآياته ودلائل قدرته - سبحانه - ومقابلة الناس لتلك الآلاء بالجحود والنكران والكفر، ثم تأتي تلك الآيات التي فيها دعاء ابراهيم عليه السلام، لتذكر هؤلاء الجاحدين المنكرين بأبيهم إبراهيم الذي يفتخرون بالانتساب إليه، جاءت الآيات لتذكرهم بأبيهم ابراهيم عليه السلام الذي استقام على منهج الله، ونبذ عبادة الأوثان وأنكرها، وأعلن شكره وحمده وضراعته لله تعالى على ما حباه من نعيم، وما أولاه من عطايا وكرم. وفي تذكير أهل الكفر بتلك المشاهد حث لهم على الاقتداء بأبيهم ابراهيم، وعلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وشكر الله تعالى على النعم التي وهبهم إياها، ومنها نعمة البيت الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا، ورزقهم في رحابه من جميع الثمرات.
إن السياق يصور عليه السلام إلى جوار بيت الله الذي بناه في البلد الذي آل إلى قريش، فإذا بها تكفر فيه بالله، مرتكنة إلى البيت الذي بناه بانيه لعبادة الله، فيصوره في هذا المشهد الضارع الخاشع الذاكر الشاكر، ليرد الجاحدين الى الاعتراف، ويرد الكافرين إلى الشكر، ويرد الغافلين إلى الذكر، ويرد الشاردين من أبنائه إلى سيرة أبيهم لعلهم يقتدون بها ويهتدون.
وإذا تأملت جملة تلك الأدعية التي دعا بها الخليل ابراهيم عليه السلام وهو في رحاب البيت وجدتها تشتمل على دعاءين كبيرين يتعلقان بأمرين عظيمين في حياة الناس، أولهما: الأمن والطمأنينة، وثانيهما: العقيدة الصحيحة، قال تعالى: وإذ قال ابراهيم رب أجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام.
الأمن والسكينة
وقدم الدعاء بالأمن للبلد الحرام، لأن نعمة الأمن من أجل النعم، فبها يشعر الانسان بالراحة والطمأنينة والسكينة، فيقبل على عبادة ربه دون خوف ولا وجل من بطش ولا اعتداء. والوطن الآمن وطن يساعد أبناءه على العمل والجد والعطاء والإخلاص. ولننظر إلى حال تلك المجتمعات التي حُرمت تلك النعمة العظيمة، وكيف أن الفرد فيها لا يأمن على نفسه حتى وهو داخل بيته لندرك قيمة تلك النعمة، ولنؤدي حق شكرها كما ينبغي، وعليه فجميعنا يجب أن يسهم في أمان وطننا، ودوام استقراره، لا نتستر على مجرم، ولا نؤوي متسللاً، ولا نغض الطرف عن سلوك يعكر صفو الأمن العام، ولا نسكت على جريمة. هذا من حق الوطن علينا، ومن واجبنا نحوه.
وفي المقالة القادمة إن شاء الله نواصل الحديث عن تلك الآيات الكريمة حيث دعاء إبراهيم عليه السلام وهو في رحاب البيت العتيق. والله أعلم بمراده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .