حينما ينادي الحاجب: "محكمة" لا تسمع إلا همساً، وترى القضاة بزيهم المعروف وطلتهم المهيبة يدخلون القاعة ترقبهم العيون بحذر، هذا حال الكبار أما الأطفال حينما يكونون ضمن الحضور وسيقفون بين يدي هؤلاء المستشارين الذين يهابهم الجميع كيف سيتصرفون في هذا الموقف الذي سيعلق بذهنهم طيلة حياتهم، وهل سألنا أنفسنا عن الآثار المترتبة على ذلك .
في أغلب المحاكم العربية لا تقبل شهادة غير البالغين إلا على سبيل الاستدلال كما في القضايا الجنائية على أن يوافق ذلك رأي الطب الشرعي وتدعمه التحريات، في هذه الحالة تؤخذ شهادتهم كدليل إثبات، أما إذا لم توافق القرائن فلا يعول عليها، أما في الأحوال الشخصية فلا يؤخذ بها لأن القاعدة العامة "لا يجوز شهادة الفرع على الأصل" كأن يشهد الابن على أحد أبويه، كما يتوجب عدم حلف اليمين القانونية، لما يترتب على هذا اليمين من مسؤولية لا يدركها الطفل، والخلافات الأسرية سبب رئيس في استخدام الأبناء لتقوية طرف على آخر .
تقول عفاف إبراهيم المري رئيس دائرة الخدمات الاجتماعية بالشارقة: علينا التفرقة بين التلقين والشهادة، فيما يخص النزاعات الأسرية، والتي تشكل خطراً على تكوينه النفسي، ويندرج هذا تحت مسمى"العنف العاطفي"، فعشرات الحالات التي تردنا بالدائرة من جراء وقوع الأهل في المشكلة عينها، وهي زج الأبناء في خصومات الكبار، والتي غالباً ما تزول بزوال المشكلة، ولكن يبقى الأثر السلبي في الطفل وواجبنا محاربة هذه الآفة في المجتمع ومراعاة مصلحته أولاً .
أما في الحالات التي تمس الطفل مباشرة كالاعتداء بالضرب أو التحرش فتلفت المري إلى أنه لا مناص من شهادته وفق منهج علمي وبمعرفة خبراء متخصصين، مع مراعاة السرية التامة في التداول وحظر النشر على مواقع التواصل الاجتماعي كاليوتيوب، لما لهذه الأمور من مرجعية سلبية ونحن ننظر إليه على أنه ثمرة هذه الحياة .
وتشير المري إلى أن لوزارة الداخلية مبادرة رائدة في مجال حماية الطفل، من خلال "غرف مقابلات الأطفال" بعيداً عن جو أقسام الشرطة، فإذا طلبت شهادته للضرورة فستكون مرة واحدة، ولا يعاد سماعها لقيام مختص بتسجيل كلامه، حتى لا نضطر لاصطحابه مراراً، وتجنباً لما أسلفنا من الوقوع في بؤرة التلقين، أو مما قد يلجأ إليه بعض المحامين لكسب القضية لمصلحته، فيشكك في كلامه، هو ما يصنف بالتأثير السلبي، أما التأثير بالإيجاب فله أيضاً عواقبه، حيث ترغبه في أمر ما وتعده بهدية إن فعل، وهنا نفتح أمامه باب الخيال، وربما يسرد وقائع لم تحدث، ليحصل على ما وعد به، والطفل دون العاشرة يكون خياله خصبا فهو لا يكذب بل يتخيل وكل هذه الأمور ستعود عليه بالضرر البالغ؛ لأنها ستلازمه بقية حياته .
كما تؤكد المري ضرورة أن نجنب أبناءنا الخوض في هذه الأمور، لتحقيق مكاسب خاصة، فربما يحدث أن يتسبب الابن في سجن أو إعدام أحد أقاربه، فتظل هذه الحادثة ملازمة له، حينما يذكره أحد بها فلولاه ما حدث كذا وكذا، وهو في هذه السن لم يكن يدرك ماهية شهادته، حتى زملاء الدراسة يتجنبون الكلام معه تخوفاً منه، فيصبح منطوياً، ما يشكل خطراً على نفسه ومجتمعه، وردود أفعاله غالباً ما تكون غير متوقعة، فأغلب مرتكبي الجرائم المتسلسلة، كانوا انعزاليين في مراحلهم العمرية المبكرة، مما جعلهم عتاة وسفاحين .
وبالإشارة إلى غرف مقابلات الأطفال أوضح المقدم فيصل الشمري مدير مركز وزارة الداخلية لحماية الطفل، أن الغرف من أهم مشاريع الوزارة التي تجري الآن دراستها لتهيئة بيئة نفسية سليمة للطفل بعيداً عن غرف أقسام الشرطة، لافتاً إلى أنها تتضمن تقنيات متطورة يجري دراسة تطبيقها، استرشاداً بأفضل الممارسات المطبقة عالمياً كما في المملكة المتحدة وهولندا، وأضاف: ويشمل ذلك تشفير التسجيل وغيره من سبل حماية البيانات، علماً بوجود مشروع قانون خاص لاستخدام تقنيات الاتصال عن بعد، في الإجراءات الجزئية، متضمنة نصوصاً تحمي سرية الضحايا والشهود، وأيضاً الاكتفاء ما أمكن بالرجوع لتسجيل المقابلات بدلاً من طلب الضحية للشهادة عدة مرات .
ونوه الشمري إلى أن هذا التشريع سيخدم حال صدوره ليس فقط غرف مقابلات الأطفال وإنما يمكن الاستفادة المثلى من المحاكمة عن بعد .
أما هنادي راشد الملا رئيس الشؤون القانونية لمراكز التنمية الأسرية بالمجلس الأعلى لشؤون الأسرة في الشارقة فتؤكد أننا نحرص على كيان الأسرة متماسكاً، وأن يؤدي كل فرد واجبه تجاه الآخر، عملاً بالحديث النبوي (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) وبهذا نجنب المجتمع الكثير من التبعات السيئة، التي تلحق بالأسرة، وأبرزها الطفل فأغلب ما تعرض علينا من حالات، مردها لخلافات أسرية تقع تبعا على الأبناء، فنحن لا نؤيد اصطحابهم إلى المحاكم فالآثار السلبية المترتبة على ذلك لا تحصى .
ولأن الأسرة هي حجر بناء المجتمعات، وتحظى برعاية واهتمام صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة، فتؤكد الملا أن دورنا في مراكز التنمية ترجمة رؤية سموه وتطلعاته فهو دائماً يوجهنا إلى أننا " لا نريد مشاكل أسرية، ونتطلع إلى تجنيب الأسر مراجعة المحاكم قدر المستطاع" لذا فنحن ندعو الأسرة إلى الاحتواء والحوار والتفاهم، مما يقودنا إلى بيئة صالحة للجميع، فحينما تصلنا مشكلة ما بالمراكز، ويكون الطفل شاهداً عليها، فنقوم بعمل زيارة ميدانية بعيداً عن جو البيت كالمدرسة مثلاً، وبدون تجريحه أو التركيز على إعادة سؤال بعينه، لنتعرف إلى المشكلة ونسعى لحلها وفق منهجية نفسية واجتماعية مدروسة من قبل المختصين بمراكز التنمية الأسرية .
وتوضح الملا أن شهادة حديثي السن لا تقبل في المحاكم، الإ بعد بلوغ السن القانونية لأن ذلك يؤهله تباعاً لكل ما يصدر عنه، ويدخل في نطاق الخصومات أيضاً، ولكن يستثنى بعض الحالات في الجنايات التي تقع عليه، كالتحرش والضرب أو أن يكون شاهد إثبات فتؤخذ شهادته استئناساً .
وتؤشر الملا إلى أنه قد يحدث أن يتزوج من هو دون ال 18 وفي هذه الحالة فقانون الأحوال الشخصية الإماراتي رقم 28 لسنة 2005 في مادته ال 30 تكتمل أهلية الزواج بالعقل والبلوغ وسن البلوغ تمام الثامنة عشرة من العمر لمن لم يبلغ شرعاً قبل ذلك، فإذا ما حدثت خصومة بين الزوجين فهي الحالة الوحيدة في القانون التي تمنحه الأهلية المقيدة في المطالبة بحقوقه الزوجية، كما نصت المادة 32 من نفس القانون يكتسب من تزوج وفق أحكام المادة (30) من هذا القانون الأهلية في كل ماله علاقة بالزواج وآثاره، ويستثنى من ذلك إسقاط الحقوق المالية المرتبطة على الزواج كمن تزوجت وعمرها 17 عاماً، لها حق رفع دعوى قضائية كالنفقة أو المطالبة بمؤخر صداقها، ولكن لا يحق لها التنازل عن الدعوى إلا بموافقة من ولي الأمر، حتى تبلغ 21 عاماً سن الرشد . حول دور محاكم الشارقة أشادت الملا بتعاونهم مع المراكز في التوصل إلى حل للخلافات الأسرية، ليتجنب المجتمع الإماراتي العديد من المنازعات، التي بدورها تكون سبباً لتفكك المجتمع وتراجع رسالته .
ترى هبه محمد عبدالرحمن موجهة خدمة اجتماعية بمنطقة الشارقة التعليمية أن لكل مرحلة عمرية طبيعة، لها خصوصيتها ومتطلباتها، ونحن نسعى لمنح أبنائنا الحماية والأمان ممن هم أكبر منهم سناً، وارتباط الطفل بأبويه أمر غريزي فإذا ما حدث فقدٌ لأحدهما، هنا يكون الارتباك ظاهراً على سلوكه، فما بالنا حينما يطلب من الابن الشهادة ضد أحد أبويه، حتى لو كان في مرحلة عمرية متقدمة، كما الحال بعد بلوغه السن القانونية فله أن يختار أن يعيش عند أي منهما، هنا تحدث ردة فعل مغايرة فيتساءل الطفل - ولو ضمنيا - ما ذنبي ليضعوني في خلاف لم يكن لي دخل به؟
منبهة إلى أنه في حالات التفكك الأسري والطلاق يضطر أحد الأبوين لرؤية ابنه عن طريق المدرسة، ما قد ينتج عنه مشكلة من قبل الطرف الآخر حين علمه بما حدث، فعلينا أن نتعلم كيف نحمي البناء النفسي لأولادنا، وما يسببه هذا الخلاف من مشاعر الخوف والقلق، وربما يؤدي إلى التبول اللا إرادي، واضطرابات في النوم وفي شهية الطعام، الأمر الذي يجعلنا مطالبين بمراجعة أنفسنا تجاه فلذات أكبادنا التي تمشي على الأرض .
أما أحمد جابر موظف بحكومة الشارقة - فجاء رأيه مغايرا - إذ يشير إلى أن بعض القضايا يستحيل فيها شهود سوى القصر، وفي هذه الحالة ما الضرر في أن يذهب الطفل إلى المحكمة بصحبة أحد والديه، للإدلاء بشهادته لأن عدم حضوره يعرقل سير العدالة، وعلى القاضي أن يراعي حالته العمرية والنفسية، في طرح الموضوع عليه، وأحياناً يحدث خلاف أسري ويتضرر أحد الزوجين، ولا يوجد سوى الأبناء فكيف يثبت المتضرر حقه؟ كما يؤكد جابر أن شهادة القصر تعد الأصدق عرفاً، لا قانوناً، لأنه لا يعرف الكذب بأي حال من الأحوال، إذا جنبناه عوامل الخوف أو الإيحاء من قبل المحيطين به .
"شهادة الأطفال تقبل ولكن بشروط، وضوابط يجب توافرها" بهذه العبارة بدأ عبدالله الحسني الواعظ بدائرة الشؤون الإسلامية بالشارقة فرع الذيد، موضحاً رأي الشرع في شهادة غير البالغين فهي لا تقبل، إلا في حالات قليلة منها وقوع جريمة أو تعدي بين طفلين مثلاً، في حضور أقرانهم، كما اشترط المشرع ألا يدخل بينهم كبير أو بالغ قبل الإدلاء بالشهادة خشية أن يؤثر ذلك في شهادتهم، وأخيراً ألا يتفرقوا، فإن تفرق الشهود المعنيين، ربما تتغير أقوالهم، ومن هنا كان لزاماً على الجهات المعنية بمثل هذه الأمور، أن تراعي هذه الضوابط وآلية تنفيذها بالشكل المنوط به، أما ما دون ذلك من الأمور القضائية فلا تصح شهاداتهم، لعدم وجود الإرادة الحرة للتعبير في الشهادة .
ويقول الباحث القانوني عزت رمضان: إن أداء الشهادة أمام القضاء يجب أن تكون عن مشاهدة ومعاينة، ويجوز في بعض الحالات بالتسامع، كما في الأحوال الشخصية، والذي أتم خمس عشرة سنة يحلف اليمين القانونية قبل شهادته، والأطفال دون ذلك يستمع إليهم على سبيل الاستئناس بدون تحليف، ذلك عندما يكون ما يشهدون به دليل أو قرينة قوية في النزاع، أو كان متعلقا بشخصهم، أما إذا كانت غير جوهرية ولا يتوقف عليها الفصل، فالمحكمة في الأغلب لا تستجيب إلى طلب سماعهم، وذلك لاعتبارات اجتماعية، تتمثل في خوف الصغير من المثول أمام القضاء، واضطرابه نفسياً لتعرضه لبعض المواقف التي تؤثر فيه، وفي النهاية فإن العبرة في تقدير أدلة الدعوى أو النزاع ومنها شهادة الشهود بالرجوع للسلطة التقديرية للمحكمة الموضوع، فلها أن تأخذ بالشهادة كلها أو بجزء منها أو لا تلتفت إليها لعدم أهميتها، ويشير رمضان: إلى أن كثرة قضايا الطلاق تؤثر سلباً في الأبناء والأدهى أن يلجأ بعض الأباء والأمهات لمرافقتهم إلى المحاكم الشرعية، ومن ثم يتنازعون أمامهم، وهو ما يسبب المشكلات النفسية .
تزخر أروقة المحاكم بالعديد من المآسي التي يكون الأطفال هم ضحاياها غالباً، فهناك أب رفع دعوة إسقاط حضانة عن أم أبنائه بدعوى أنها ليست أهلاً لتربية الصغار، مما اضطر الأم في المقابل بأن تصطحب أبناءها الذين لم يتجاوزوا 11 عاماً، ليستمع القاضي إلى كلامهم، واستطلاع رأيهم في البقاء معها أو اختيار حضانة الوالد، وحدثت مشادة كلامية بين الأبوين انهار على أثرها الأبناء مذرفين الدموع ومتوسلين إلى القاضي أن يرحمهم من هذا الصراع، وأنهم لا يريدون أحداً من الأبوين .
الحالة الثانية الفتاة التي كان أبوها يعذبها ويقوم بحبسها وحلق شعرها، فقامت الأم بتقديم بلاغ عن الأب وشهدت البنت على أبيها بأنه فعلاً عذبها وحبسها، وحكم عليه بالحبس والغرامة مع إيقاف التنفيذ .
ولعل أبرز الحالات الطفلة ميرة ذات ال7 سنوات شاهد الإثبات الوحيد على مقتل أختها وديمة في جريمة هزت المجتمع الإماراتي العام الماضي حيث روت الطفلة قصة مقتل أختها على يد أبيها وزوجته الثانية بعد أن لاقت أشد أنواع التعذيب، الذي أودى بحياتها وكيف سمعت ميرة أباها وزوجته يتفقان على دفنها في الصحراء، ومن ثم تم إصدار قانون "وديمة لحماية الطفل" تخليدا لهذه الطفلة التي دفنت بالصحراء ولم يكن لأحد أن يعرف حقيقة ما حدث سوى بشهادة شقيقتها والجدير بالذكر أن قانون وديمة الذي جاء في 72 مادة موزعة في 12 فصلاً تضمنت التعريفات المنوطة بالسلطات المختصة والجهات المعنية وأحكاماً عامة والحقوق الأساسية للطفل والحقوق الأسرية والصحية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والحق في الحماية وآليات تدابير الحماية والعقوبات والأحكام الختامية .
تجارب عريقة
المجتمع الغربي لا يمانع من مثول الأطفال أمام المحلفين لسماع أقوالهم في بعض القضايا، فهناك سلسلة من البحوث الفرنسية الحديثة أثبتت أن الأطفال الأصغر سناً يحتفظون بذاكرة أقل تشوها عن أقرانهم الأكبر سناً، أو حتى من هؤلاء الذين وصلوا إلى سن البلوغ . أما في تأثير ضغط الأعصاب أو التوتر في محتوى ذاكرة الطفل، أجرى أساتذة علم النفس في النرويج وإيطاليا دراسة خلصوا (إلى أن تصرفات الطفل تتوقف على معدل التوتر ونسبته حين إجراء تحقيقات معهم "للاستماع إلى أقوالهم في قضية ما" وهو ما يؤثر سلباً في الطفل والمراهق معاً) . تدل نتائج البحث على اختلاف وجهات النظر بين المحلفين والقضاء والعلماء فالتحليل النفسي أفضل في هذا المجال وأكثر تركيزاً على الذاكرة .
دراسة نرويجية أجراها (استفين ماجنوم وانييكا ميليندر) في جامعة أسلو قسم علم النفس: افترضت أن المهنيين ليست دائماً معلوماتهم مستحدثة "أو مضبوطة" بالنسبة لنتائج البحث العلمي التي تجرى على الذاكرة "ماجنوم ميلندر 2012" وأجروا تحليلاً لإجابات 857 عالماً كلهم أعضاء في "الجمعية النرويجية لعلماء النفس" على 12 موضوعاً أو سؤالاً عن ئالشهادة أو الذاكرة بصفة عامة، هؤلاء العلماء يمارسون عملياً الطب النفسي، في العيادات أو المستشفيات مع أطفال أو مع بالغين و12% منهم يمارس مهنة خبير أمام المحاكم، وبصفة عامة الأطباء الذين سئلوا لم يكونوا متخصصين في مجال "الذاكرة" إلا أنهم أجمعوا أن الذكريات تكون غالباً "سليمة" وغير مشوهة لدى الحالات التي تعالج بين أيديهم، وبصفة خاصة أجمع نحو 63% من الأطباء الذين سئلوا أن البالغين أكثر قدرة على تذكر أحداث عنف صادمة عانوها، عندما كانوا أطفالاً وظلت منسية مدة كبيرة غير أن آخرين، قالوا إن هذا الأمر ليس له دليل علمي .