قال تعالى: "له ما في السموات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد" (سورة الحج الآية 64) . "الغني" و"المغني" اسمان من أسماء الله الحسنى . ويذكر الدكتور أحمد الشرباصي في "موسوعة له الأسماء الحسنى" . اللغة تقول: إن الغنى ضد الفقر، والغنى يقال على ضروب- كما في المفردات- أحدها عدم الحاجة، وليس ذلك إلا لله تعالى، وهو المذكور في قوله تعالى: "إن الله لهو الغني الحميد"، والثاني قلة الحاجات، وهو المشار إليه في قوله تعالى: " ووجدك عائلاً فأغنى" وذلك هو المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم: "الغنى غنى النفس" . والثالث كثرة القنيات، بحسب ضروب الناس، كقوله تعالى: "ومن كان غنياً فليستعفف" وقوله: "الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء" قالوا ذلك حيث سمعوا قوله تعالى: "من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً" .
ويرى الغزالي أن من تعلق بغيره فهو محتاج إليه، أما: الغني فهو الذي لا يحتاج إلى شيء، وهو المستغني عن كل ما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه، وقيل: هو الغني بذاته عن العالمين، المتعالي عن جميع الخلائق في كل زمن وحين، الغني عن العباد، والمتفضل على الكل بمحض الوداد .وقد ورد اسم الغني في القرآن في عدة مواطن منها: في سورة البقرة: "قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم" . وفي سورة الأنعام: "وربك الغني ذو الرحمة"، وفي سورة العنكبوت: "ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين" .
أما المغني في حق الله تعالى فهو الذي يغني من يشاء غناه عمن سواه . والمغني - كما يقول القشيري- هو معطي الغنى لعباده، ويكون بمعنى معطي الكفاية أيضاً، والله تعالى مغن عباده بعضهم عن بعض، لأن الحوائج على الحقيقة لا تكون إلا إليه، فالمخلوق لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فكيف يملك ذلك لغيره؟ وقيل هو معطي الغنى والكفاية لمن شاء من عباده، على صدق ما اقتضته حكمته، وسبقت به مشيئته، فهو القائل في سورة طه: "هو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى" .
وقال بعض العارفين: إن المغني هو الذي أفاض الغنى على العباد، وسهل لهم المراد، وما من غنى في الوجود إلا وهو من جناب الحق ممدود، وهو المغني لأوليائه من كنوز أنواره، والمغني لأهل الكون لتسهيل أرزاقهم باقتداره، وهو المغني لكل حقيقة يمدد على قدرها، لأنه هو الخبير بسرها وجهرها .

الغنى الحقيقي

ويضيف القشيري: منهم من يغنيه الله بتنمية الأموال، وهم العوام، وهذا غنى مجازي، ومنهم من يغنيه بتصفية الأحوال، وهم الخواص، وهو الغنى الحقيقي، لأن احتياج الخلق إلى همة صاحب الحال أكثر من احتياجهم إلى لقمة صاحب المال .
ومن أدب المؤمن مع المغني أن من عرف أن الله تعالى هو الغني المغني استغنى بالاعتماد عليه عن كل شيء، ورجع إليه في كل أمر .
ويتحدث الرازي عن اسمي الغني والمغني معاً فيقول: "واعلم أنه سبحانه واجب الوجود لذاته وفي صفاته، فكان غنياً عن كل ما سواه، أما كل ما سواه فممكن لذاته، فوجوده بإيجاده، فكان هو الغني لا غير، ومن الناس من يعبر عن الغني بالتام، وعن المغني بأنه فوق التام .
ومن مسالك التخلق بالغني والمغني أن التخلق بالمغني يناسبه إظهار الفاقة والفقر إليه تعالى دائماً أبداً، والتخلق بالغنى أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن تحسن السخاء والبذل لعباد الله تعالى" .

المانع

قال تعالى: "أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون" (سورة الأنبياء الآية 43) . "المانع" هو اسم من أسماء الله الحسنى، بدل على أنه تعالى هو الذي يدفع أسباب الهلاك عن العباد، ويدفع عنهم النقص في الدين والبدن، ويدل على أن الله تعالى هو المعطي، فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، يمنع السماء أن تقع على الأرض، ويمنع البحر أن يطغى على البر، ويمنع الجبال أن تنقض على العباد، ويمنع الدم أن يجري مجرى البول .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: "اللهم لك الحمد كله لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت ولا هادي لما أضللت ولا مضل لمن هديت ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت ولا مقرب لما باعدت ولا مباعد لما قربت اللهم ابسط علينا بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة والأمن يوم الخوف اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا ومن شر ما منعت منا اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك واجعل عليهم رجزك وعذابك" .

الضار النافع

قال تعالى: "وأيوب إذ نادى ربه، أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، فاستجبنا له فكشفنا ما به، من ضر وآتيناه أهله، ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين" (سورة الأنبياء الآيتان 83 و84) . يقول الدكتور أحمد عبد عوض: الضار معناه الذي يقدر الضر والشر لمن أراد، إما لتكفير الذنوب، أو لرفع الدرجات، على مقتضى حكمته ومشيئته . والنافع معناه الذي يصدر منه الخير والنفع للعباد، فهو الذي أوصل المنافع إلى الخلائق، وسهل للسالكين الطرائق قال تعالى: "سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل من يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً أو أراد بكم نفعاً بل كان الله بما تعملون خبيراً" (سورة الفتح الآية 11) .
يقول الدكتور أحمد عبده عوض: هذان الاسمان يختصان بعدة خواص منها: الأولى، أن الضار النافع هو الذي يصدر منه الخير والشر، والنفع والضر، وكل ذلك منسوب إلى الله تعالى، ولا يجوز أن يدعى عز وجل باسم الضار وحده . الثانية، أن الضار والنافع هو الذي يصيب عباده بالضر والنفع والخير والشر، وذلك بقدرته وإرادته، وقضائه، ومشيئته، لأنه أعلم متى الضر، ومتى النفع، فمن استسلم لحكمه عاش في راحة، ومن أباه وقع في كل آفة . الثالثة، الضار النافع هو الذي يضر العاصين بحرمانه، وينفع الطائعين بتوفيقه وإحسانه .