رسم القرآن الكريم للمسلم صورة أخلاقية وسلوكية مثالية، وبنى شخصيته على قيم وأخلاقيات رفيعة، حتى يحظى برضا خالقه، وثقة كل المتعاملين معه، فتستقيم حياته، ويؤدي رسالته، ويسهم بفاعلية في بناء ونهضة مجتمعه، ويواجه بقوة وصلابة كل التجاوزات الأخلاقية، عملاً بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
والقرآن الكريم في بنائه الأخلاقي للإنسان جاء بكل ما هو راقٍ ومتحضر، وسما بسلوكه فوق كل الصغائر، ورسم له حياة تغلفها المعاني الإنسانية الرفيعة ليكون إنساناً سوياً متحضراً، قادراً على التعايش والتعاون مع كل المحيطين به، مترفعاً عن الصغائر، متجنباً للرذائل، مجسداً صورة حضارية لدينه، ملتزماً في سلوكه وأخلاقه وتعاملاته مع الناس جميعاً بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال عنه خالقه "وإنك لعلى خلق عظيم" .
فضيلة إسلامية حث عليها القرآن الكريم في العديد من آياته، ليغرس في نفس المسلم كل المعاني الجميلة، ويوفر له حياة آمنة مطمئنة مع كل المحيطين به، إنها قيمة "الوفاء"، التي تجعل كل من يتحلى بها محل ثقة واحترام الآخرين، فعلى ضوئها يثق الأفراد والجماعات في بعضهم بعضا، وتجري العلاقات الإنسانية بينهم بروح الأخوة والمحبة، وقد تعددت النصوص القرآنية التي تحث على هذه الفضيلة منها قول الحق سبحانه: "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود . ."، وقوله سبحانه: "وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا"، وقوله عز وجل: "وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون" .
والمراد بالعقود في الآية الأولى كل ما يشمل العقود التي عقدها الله علينا وألزمنا بها من الفرائض والواجبات والمندوبات، وما يشمل العقود التي تقع بيننا في تعاملاتنا اليومية، وما يشمل العهود التي قطعها الإنسان على نفسه، والتي لا تتنافى مع شريعة الله تعالى . و قال القرطبي في تفسيره لهذه الآية: "المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم بعضكم على بعض، وهذا كله راجع إلى القول بالعموم وهو الصحيح" .
والعقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله . . أي دين الله، فإن ظهر في هذه العقود أو العهود أو الشروط ما يخالف شرع الله رفض أو رد، كما قال صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" .
وفي الآية الثانية: "وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا" أمر إلهي بالوفاء بالعهود التي بين الخالق وعباده، وأيضاً التي بين الناس مع بعضهم بعضا، والوفاء بعهد الله الالتزام بأوامره ونواهيه، وعهد الناس: ما يتعاهدون عليه من معاملات وعقود وغير ذلك مما تقتضيه شؤون حياتهم ومصالحهم في الدنيا .
وفي الآية الثالثة: "وبعهد الله أوفوا" أمر إلهي بالوفاء بكل ما أمر به سبحانه وعهد به إلينا من عبادات ومعاملات، وهذا ليس معناه أن يفي المسلم بكل ما تعاهد عليه مع آخرين، فالعقود والعهود التي تحتوي على ظلم أو باطل أو فساد غير جديرة بالاحترام، ويجب التخلص منها .
والوفاء بالعهد كما يقول العالم الأزهري د .أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية وعضو هيئة كبار العلماء من أهم المبادئ التي يقوم عليها بناء الشخصية الإسلامية، ونقض العهد يؤدي إلى الضياع والخسران، ومن وثق عهده بيمين أو باتخاذ الله كفيلاً فهو عهد مع الله، ونقضه إنما هو نقض لعهد ربه، وقد شبه القرآن من ينقض العهد بالحمقاء التي تغزل غزلها ثم تنقضه أوصالاً وأجزاء، وربما يكون من بواعث نقض العهد، أن يجد أمة أكثر وأوسع من أخرى، فلا يصح أن يكون هذا باعثاً لنقض العهد، قال الله تعالى: "وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله يعلم ما تفعلون . ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون" .
وقد قسم العلماء العهد إلى نوعين: عهد مع الله، وعهد مع الناس، فعهد الله هو الالتزام بشرعه، وما عاهد المسلم ربه عليه، والعهد الذي مع الناس يكون بالتمسك بالالتزامات الصحيحة التي ينبغي التمسك بها بينهم في سائر العلاقات والمعاملات، وإلى النوع الأول يشير القرآن الكريم بقول الحق سبحانه: "وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون" . أما النوع الثاني فيشير إليه القرآن الكريم بقول الحق سبحانه: "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود" .

موطن ثقة واحترام

يقول د . هاشم: الإنسان الوفي موطن ثقة واحترام وتقدير بين الناس، يقبلون على معاملته، ولا يرتابون في وعده، وإنما يصدقونه ويحبونه، ويخلصون له الود، وشخصيته بينهم مرموقة، فهو موضع تقديرهم واحترامهم، يبادلونه حباً بحب ووفاء بوفاء، والمسلم الصادق الوفي هو الذي يكون عند عهده وشرطه عملاً بتوجيه الرسول صلوات الله وسلامه عليه: "المسلمون عند شروطهم" .
وتتنوع صور الوفاء بالعهود إلى جانب ما سبق كما يوضح د . هاشم حيث أمرنا الله بالوفاء في الكيل والميزان في قوله تعالى: "ويل للمطففين . الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون . وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون" . وفي حديث صحيح يخبرنا رسولنا الكريم بأن أمة من الأمم السابقة هلكها الله سبحانه لأنهم كانوا يبخسون المكيال والميزان .
ومن الوفاء أيضاً الحفاظ على مال اليتيم، حيث يقول الحق سبحانه: "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً . وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا" .
ومن الوفاء أن يوفي الإنسان بنذره إذا نذره وهو ما أشار إليه الله تعالى في قوله: "ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق"، وقوله سبحانه: "يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيرا" .
ومن الوفاء الذي يجب أن يعني به المسلم أيضاً الوفاء بعهد الزواج الذي منحه الإسلام عناية خاصة ورعاية كبيرة، ذلك أن الله عز وجل وصفه بالميثاق الغليظ في قوله تعالى: "وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً" .

عقاب الخائنين

ونقض العهد رذيلة لا تتفق مع شخصية المسلم لأن هذا السلوك يؤدي إلى اهتزاز الثقة به، ويؤدي إلى تمزيق العلاقات بينه وبين الآخرين، بل إن نقض العهد من علامات النفاق . ويكفي أن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه الحكيم: إنه "لا يحب الخائنين"، وقال كذلك "لا يهدي كيد الخائنين" .
يقول الشيخ محمد الراوي عالم التفسير الشهير وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: لقد نعى الحق سبحانه على اليهود خيانتهم للعهد وعدم احترامهم لوعودهم ومما قاله في شأنهم: "إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم . وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون"، فالقرآن الكريم يخبرنا هنا أن كل من مكر وخدع وكذب ونافق ولم يف بما وعد فهو خارج نطاق عفو الله ورحمته، وكل من وفى بعهود الله واتقاه فهو أهل لمحبته ورضاه .
فالله سبحانه وتعالى يتوعد الذين يخونون العهود، ويحلفون كذباً بالعذاب الأليم، وينعى على فريق من اليهود تحريفهم للكلم عن مواضعه، وأنذرهم بسوء المصير . فالآية الكريمة ترشدنا إلى أن كل من حلف بالله كاذباً، واشترى بعهده سبحانه ثمناً قليلاً حقت عليه العقوبة التي بينتها الآية الكريمة، ويدخل تحت هذه العقوبة دخولاً أولياً، اليهود، الذين خانوا عهد الله بإنكارهم لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم مع أنهم يعرفون صدقه معرفة جليلة .

عهد الله

ويضيف المراد ب "عهد الله" هو نفسه ما تضمنته الآيات السابقة، وهو كل ما يجب الوفاء به، فيدخل فيه ما أوجبه الله تعالى على عباده من فرائض وتكاليف، ومن إيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، كما يدخل فيه ما أوجبه الله على أهل الكتاب من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي يجدون صفته في كتبهم، ويعرفون صدقه كما يعرفون أبناءهم .
وقوله سبحانه: "أولئك لا خلاق لهم في الدنيا" بيان للأخلاق الرديئة لهؤلاء الخائنين الذين يخونون عهد الله ويحلفون الأيمان الكاذبة في مقابل عرض من أعراض الدنيا، وهؤلاء لا نصيب لهم ولا حظ من نعيم الآخرة بسبب ما ارتكبوه من غدر وافتراء .
وهؤلاء لا يكلمهم الله بما يسرهم، بل يكلمهم بما يسوؤهم ويخزيهم يوم القيامة بسبب أعمالهم السيئة، وعدم كلام الله تعالى لهم كناية عن عدم محبته لهم، لأن من عادة المحب أن يقبل على حبيبه ويتحدث إليه، أما المبغض لشيء، فإنه ينصرف عنه .
وقوله: "ولا ينظر إليهم"، أي لا يعطف عليهم ولا يرحمهم ولا يحسن إليهم، ولا يجوز أن يكون المراد من عدم النظر إليهم عدم رؤيتهم، لأنه سبحانه يراهم كما يرى غيرهم من خلق الله .
وقوله تعالى: "ولا يزكيهم"، أي أنه سبحانه لا يطهرهم من دنس ذنوبهم وأوزارهم بالمغفرة، بل يعاقبهم عليها، أو أنه سبحانه لا يثني عليهم كما يثني على الصالحين من عباده، بل يسخط عليهم وينتقم منهم جزاء غدرهم .
ثم ختم سبحانه الآية ببيان النتيجة المترتبة على هذا الغضب منه عليهم فقال: "ولهم عذاب أليم"، أي ولهم عذاب مؤلم موجع بسبب ما ارتكبوه من آثام وسيئات .