نبيل عطا
غداً يمر 50 عاماً على النكسة.. النكبة.. الكارثة..
تختلف المسميات ولكن تبقى هزيمة 5 يونيو/‏‏‏حزيران 1967، شاهداً على مرحلة انكسار شكلت، بل وحددت مسار المنطقة خلال الـ50 عاماً الماضية وأحدثت واقعاً مأساوياً على نفوس المصريين والعرب الذين كانوا يحيطون الرئيس عبد الناصر بثقة كبيرة، لا سيما أن عبد الناصر قدم حجماً كبيراً من الوعود الكبيرة التي خلقت آمالاً عريضة، ولكن جاءت الهزيمة العسكرية لتحدث أزمة ثقة وصدمة بين الحاكم والمحكوم، والتي تعمقت منذ عام 1967، وخلقت حالة من الصدمة النفسية للشباب العربي، لم يتجاوزها سوى عدد قليل من شعوب المنطقة.

وما زالت تترك آثارها السلبية على الواقع المصري والعربي حتى الآن، حيث تراجع الدور المصري في المنطقة بعدما انشغلت مصر بإزالة آثار العدوان وإعادة بناء القوات المسلحة، وتوقفت المشاريع الكبرى التي كان مخططاً لها في إطار الخطة الخمسية الأولى والثانية، وأدت إدارة الرئيس محمد أنور السادات فيما بعد إلى عزل مصر عن محيطها العربي لانفراده باتفاق مصالحة مع العدو «الإسرائيلي»، فضلاً عن انشغال مصر بالوضع الاقتصادي الذي انهار من جراء الهزيمة، مما كان له بالغ الأثر السلبي على دور مصر الثقافي والاجتماعي.
القضية الفلسطينية كانت الأكثر تضرراً وخسارة، وأصيبت في الصميم، وتحولت من أيقونة يتغنى بها العرب إلى ‏مصدر ألم للشعوب العربية، لأن «إسرائيل» لم تتوقف عند حدود اغتصاب فلسطين، بل توغلت واغتصبت أراضي لعدة دول عربية ‏أخرى، باحتلال الجولان ومزارع شبعا، بل واستمرارها في التوسع الاستيطاني السرطاني والتهام ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، بخلاف تشريد مليوني لاجئ فلسطيني وصل عددهم الان إلى مايقارب الستة ملايين فى ارض الشتات بمختلف دول العالم يحلمون بالعودة لأرض الوطن، و8 مخيمات يسكنها مئات الآلاف بالأردن وغيرها من المخيمات التى وصل إجمايلها الأن إلى 22 مخيماً في لبنان وسوريا وفلسطين نفسهاوبعد مرور كل هذه السنوات التي خفف من مرارتها نصر أكتوبر/‏‏‏تشرين الأول بعض الشيء، بدأت تعرف بعض الدول العربية طريقها لتجاوز آثار النكسة أو الهزيمة، والتي مثلت بحق وقفة مهمة مع الذات العربية التي كانت تتباهى وقتها بما ليس في قدرتها، وبالتالي رغم قسوة الهزيمة فقد كانت الدرس الأكبر للعرب في ذلك الوقت.
واليوم بعد مرور 50 عاماً تفتح «الخليج» الملف لنعرف بعضاً مما حدث ولماذا؟ وهل تم تجاوز الآثار الكارثية؟ رغم مرور كل هذه السنوات أم لا؟! وتبقى الحقيقة الأبدية أنه رغم مرارة الهزيمة فإنها لا يمكن أن تقتل الأمل في النصر.

 
حرب القرارات الخاطئة منحت «إسرائيل» نصراً لا تستحقه ..

عشرات المخيمات في الأردن وسوريا ولبنان.. وستة ملايين في الشتات

 

في البداية يقول خضر عناني مسؤول التوثيق في مخيم البقعة شمال غربي عمّان، الأكبر بين سواه ويستوعب نحو 120 ألف لاجئ فلسطيني: عدوان الأيام الستة عام 1967 لم تقتصر نتائجه المفجعة على الجوانب العسكرية والبشرية الآنية، وإنما تجرّع الفلسطينيون رحلة شقاء لم تنته، مازالت نتائجها قائمة، وأغلبهم لم يعرف الاستقرار، ولن يذوقه طالما ظلّ خارج وطنه.
يضيف: استقبل الأردن أكثر من 750 ألف لاجئ فلسطيني ضمن 4 مخيمات رئيسية بعد النكبة الأولى عام 1948، وأصبح مع الاستيقاظ على وقع «الخيبة» عام 1967 أكبر مقصد للمشرّدين الجدد بفتح 8 مخيمات على مراحل متلاحقة، ورغم تسجيل نحو 800 ألف لاجئ فلسطيني في كشوف منظمات رسمية، إلاّ أن العدد الإجمالي يفوق مليوني نسمة فعلياً، في ظل توافد عائلات كاملة على مدى عقود، وإنجاب المزيد من الأبناء، والأحفاد، وأحفاد الأحفاد في الشتات.
يتابع: آلاف الأُسر في المخيمات تحتفظ بثلاثة أشياء رئيسية، تُورّثها لأفرادها في مقدمتها مفاتيح المنازل في فلسطين، ووثائق التسجيل «الطابو» القديمة، إلى جانب مجموعة صور للأراضي المحتلة، وتداول الذكريات الحاثة على التشبث بحق العودة مهما طال، وصار بعيداً.

خديعة كبرى

الحاج يوسف حمدان «73 عاماً» أحد هؤلاء يسترجع «طعم العلقم»، على حد وصفه، للنكسة قائلاً: كُنتُ شاباً أساعد والدي في زراعة الأرض في جنين، بلدتي التي لم أرها من حينها، واستيقظنا في الخامس من يونيو/‏حزيران على مواجهات حربية بين مصر والأردن وسوريا، من جهة والكيان الصهيوني من جهة، وغمرتنا الفرحة في البداية ظناً بأن العرب على وشك الانتصار، واستعادة كامل فلسطين إلى ما قبل النكبة، وخلال أيام مريرة عشنا أسوأ فترات حياتنا فور إدراكنا تبعات الهزيمة المخذلة، وتحوّلت الأحلام إلى كوابيس ما زلنا نتجرّع تداعياتها حتى الآن.
يضيف: حضر ضباط صهاينة إلى البلدة، وأوهمونا في البداية أننا لن نتعرض للترحيل، لكنه كان تمهيداً للخديعة الكبرى بعدما طلبوا ترك الأراضي والبيوت والتوجه إلى مخيم في نابلس بداعي ترتيبات إدارية وأمنية بعد الحرب، ومن هناك، وتحت تهديد السلاح، والتعرض للأطفال والنساء، وكبار السن بالإيذاء، بدأت رحلة الشقاء الطويلة.

يكمل: عبرنا نهر الأردن ضمن مجموعات كبيرة لا تعرف مصيرها، يلفّها الذعر، والخوف، والحزن، وكنا نتشارك الطعام القليل، وبعض الأغطية، وهناك من لم يحتمل متاعب التشرّد، جسدياً ومعنوياً، ولفظ أنفاسه الأخيرة على الطريق، ووصل من استطاع، وعشنا أياماً من القهر والمرض والعذاب بلا مأوى، ثم وجدنا أنفسنا في مخيم للاجئين على اعتباره محطة مؤقتة، لكنه أصبح مقراً دائماً طوال نصف قرن.

سنوات عجاف

ويقول جلال أبو طلب «68 عاماً»: كانت بداية الشرارة التي أذكرها جيداً منتصف مايو/‏أيار عام 1967 عندما فوجئنا بجيش الاحتلال «الإسرائيلي» يجري تمارين عسكرية في منطقة يفترض أنها خارج عدوانه الغاشم في القدس، ولم يأبه وقتها للتحذيرات الدولية والعربية بعدم التمادي، وصرنا نشاهد مظاهر الاستيطان تعم الطرفين الشرقي والغربي، ولم يكن أمامنا سوى المقاومة من دون سلاح، ورفض إعلان الاستسلام، وشهدت المدينة مواجهات بين أهل المدينة من دون عتاد، وبين قوات صهيونية، وسقط مئات الشهداء قبل «حرب النكسة»، وعلمنا بعدها أننا مقبلون على سنوات عجاف.
يضيف: ترك شقيقي مهنته الجامعية وغادر مع أبي وأحد أقاربي مبكراً إلى سوريا، بحثاً عن مقر آمن وهناك وجدوا أنفسهم في مهب الريح مجدداً، إثر التمادي الصهيوني في الجولان، وعلمنا بأن والدي لم يحتمل الصدمة ودخل في نوبة حزن شديدة مات بعدها بفترة قصيرة، وتوجه شقيقي في رحلة عذاب جديدة إلى الأردن، وبعد أسابيع دعانا للتحرك صوبه لكننا وقتها كنا نتنقل من مخيم لآخر في فلسطين، بعدما سطت قوات الاحتلال «الإسرائيلي» على منازلنا وأراضينا، وأحرقت كامل محاصيلنا الزراعية، ودمّرت مظاهر عمرانية في القدس، وضمن أفواج لاجئة استطعنا الوصول أخيراً إلى عمّان وصار الوطن الأصلي مشاهد في الذاكرة.

تشرّد بلا فرج

ويصف إسماعيل يوسف «86 عاماً» ما حصل بأنه «موت في الحياة»، ويقول: 50 سنة بلا فرح، ولا فرج، نتشبث أحياناً بأمل العودة مع ظهور مواقف سياسية جديدة، ثم يخفت ذلك وندخل في رحلة تشاؤم مريرة لا تقل سوءاً عمّا عشناه عند الترحيل الإجباري من الوطن.
يضيف: أنحدر أساساً من من بلدة «سلمة» قضاء يافا، وعشت مأساة النكبة والنكسة على التوالي، وودّعت حياتنا الجميلة بين أشجار الليمون ومطاحن القمح، وحصاد العنب والتين للأبد، لكنني حملت مثل غيري مفتاح منزلنا القديم، ونعدّه رمزاً للعودة. يتابع: كانت بداية العدوان بدخول العصابات «الإسرائيلية» إلى البلدة وتحوّلت الأمور بين ليلة وضحاها إلى حرب محتومة، وقمنا بتقسيم الرجال على المناطق للدفاع، لكن دبابات ومعدات العدو كانت أسرع من كل شيء، وسحقت الأخضر واليابس، وقتلت من يقف أمامها، وكان انتقالنا في المرة الأولى إلى مخيم في غزة الذي توافد إليه كثيرون من أنحاء فلسطين شمالاً وجنوباً حتى عام 1967 الذي شهد رحلتنا الثانية مع الشقاء.
يضيف: بعد النكسة مباشرة شردت آلة الحرب المحتلة مئات آلاف الفلسطينيين، وهدمت البيوت، وطغت في كل مكان بما في ذلك المخيمات الداخلية، وكانت محطتنا الثانية في التهجير إلى الضفة الشرقية، وخلال أيام معدودة اقتحمت قوات الاحتلال القرى ودمرت مئات البيوت، وانتقلنا إلى الضفة الغربية فوجدنا الأهالي يهربون من منازلهم المهدّمة، والتقينا مع مهجّرين آخرين من منطقة اللطرون شمال غربي القدس بعد تسوية بيوتهم بالأرض، وخضنا رحلة مأساوية مفزعة بلا استقرار، ولا نوم، ولا طعام حتى وصلنا الأردن.

التمسّك بالثوابت

ويقول عصام رزق «38 عاماً»: ولدت في المخيم ولم أزر يوماً بلدتي «طوباس» قضاء نابلس، وانتقلت للسكن في منطقة خارج المخيم، لكن أبي وجدي ما زالا يرفضان الخروج منه وأزورهما من حين لآخر وهما يعتقدان أن البقاء فيه يعني التمسك أكثر بحق العودة على اعتبار سد الباب أمام جميع محاولات الاستقرار الدائم دون الرجوع للوطن. ويضيف: نزرع الارتباط بفلسطين والتمسك بالثوابت الوطنية في نفوس الأطفال، وأنقل تفاصيل عدوان النكسة من أبي إلى أحفاده، ونُجمع دائماً في فعاليات وملتقيات وطنية على رفض فكرة التوطين في الخارج ويحتفظ جدي بكتب ومراسلات رسمية، لأنه كان ضمن الجيش الذي حارب ضد الكيان الصهيوني عام 1967 وعانى انكسار الهزيمة ومقتل زملائه أولاً، ثم من التهجير والتشريد ثانياً، ومعرفته لاحقاً بتدمير بيته وحرق مزرعة العائلة، وهذا إجراء «إسرائيلي» متّبع بقصد محو كل أسباب العودة والسطو على كل شيء.

نزوح طويل

تقول خبرية صفوان «72 عاماً»: مع مرور ذكرى النكسة كل عام نعيش نكسة جديدة، لأن العرب ما زالوا في دائرة التفرقة، وأصبحوا يلحقون المسؤولين «الإسرائيليين» للتفاوض و«التسوية» على أرض ملكها الأصلي والكامل للفلسطينيين.
وتضيف: في تلك الأيام السوداء مات أبي، ونزحت مع أمي وعمي عن طريق «جرّاف زراعي» ووصلنا الضفة الشرقية من نهر الأردن ونحن نداري أنفسنا خلف أغصان وجذوع الأشجار، ونسمع أصوات الطائرات، ونشاهد سقوط القنابل عن قرب، ولمحت جثة سيدة وسط القش، ومضينا إلى منطقة «جبل الجوفة» وشاهدنا هناك آليات عربية معطلة، وقتلى حولها وأصيبت أمي بفاجعة أفقدتها النطق.
تسترسل: أمضينا أياماً ننام في الكهوف، وما يشبه خنادق ترابية، وسمعت شابة كانت مع مجموعة أخرى تصرخ لأنها فقدت طفلتها في الطريق، ولم يكن متاحاً الرجوع خطوة واحدة للخلف وسط القصف، وبعد أسبوع اقتربنا فيه من الموت مرات عدّة، وصلنا عمّان وبقينا شهرين في مخيم مؤقت، ثم انتقلنا إلى مخيم منطقة الحسين، وصرنا نبحث عن أقاربنا، كلما سمعنا بتشريد وتهجير المزيد من الفلسطينيين على فترات، وعرفنا بعد سنتين أن أخي استشهد في أرض المعركة.

شهادات عسكرية

يؤكد العميد المتقاعد يوسف العوايشة، أن «نكسة 67» هي الأسوأ في تاريخ الأمة العربية، ويقول من واقع مشاركته في الجيش الأردني وقتها: وجدنا أنفسنا أمام مواجهة حتمية لا مناص منها مع «إسرائيل»، بعد دقها طبول الحرب مع مصر، ورغم إدراك بعض القادة أن كفة الانتصار في هذه المعركة غير مرجّحة، لكن الأمور كلها كانت تقود إلى عدم التراجع لاسيما في ظل تمادي العدو داخل القدس والضفة الغربية، وذهابه إلى الحدود المصرية والسورية والأردنية، وجاءت عقب أيام من توقيع اتفاقية الدفاع المشترك مع مصر.
يضيف: صدرت الأوامر الرسمية الأردنية بتجهيز طائرات سلاح الجو الملكي الحربية بعدما غارت طائرات «إسرائيلية» صباحاً على القواعد العسكرية المصرية، وضربت القوات البرية في سيناء، وفور دخولنا المجال الحربي الجوي ردت القوات «الإسرائيلية» بدعم خارجي كامل الجاهزية وألحقت ينا خسائر كبيرة، وتمكنت بعض الطائرات الأردنية من الرجوع إلى قاعدتي الضمير السورية، والحبانية العراقية، لكن أخرى دُمرت تماماً واستشهد من فيها.
ويشير الفريق ركن متقاعد علي السرحان، إلى التحاقه في قيادة السرية الأولى ضمن «لواء مدرع 60» ويقول: كانت هناك 21 طائرة أردنية عسكرية مقابل أكثر من 180 طائرة «إسرائيلية»، وحاولنا التمركز شرقي مدينة القدس بانتظار الأوامر نحو الانتقال لمساندة صفوف الجيش المصري، وتقسيم عتاد العدو لكن سقوط قواتنا العربية في أريحا ورام الله دفع باتجاه ترك المكان، والذهاب إلى نابلس، وسبقتنا إلى هناك قوات عراقية شاهدنا انسحابها تدريجياً نتيجة الغارات المتتالية.
ويضيف: سبب النكسة على أرض المعركة يعود إلى عدم تقدير الموقف عسكرياً بصورة صحيحة، وعدم معرفة حجم قدرات العدو تماماً، والتعامل مع الأمر بصورة انفعالية لحظية من دون استعدادات كافية وتكرار انسحابات جزئية مفاجئة من دون تخطيط شامل مشترك في بعض المواقع.
ويصف المؤرخ الأردني والمحلل السياسي بكر خازر المجالي النكسة بأنها «مأساة العرب الأبدية» ويقول: قدم الجنود الأوفياء تضحيات بأرواحهم في معركة خاسرة وسط ظروف غير ملائمة، وانكشاف الخلل الاستخباراتي، وتواضع الاستعداد العسكري، والتنسيق العربي والتعرض للخديعة جرّاء عدم صدقية المعلومات بشأن درجة الصمود ومدى الانهيار ميدانياً.
ويشير المجالي إلى استشهاد 99 جندياً أردنياً خلال الأيام الستة، ومحاولة الجيش الأردني بذل كل ما يستطيع للمواصلة وصد الغارات المتواصلة من دون جدوى بسبب كمية وقدرات العدو، وعدم وضوح الرؤية تماماً معلوماتياً.
وتُظهر وثائق أفرج عنها قبل أيام للمرة الأولى ضمن ملتقى استباقي حول ذكرى النكسة، إرسال رئيس الوزراء الأردني الأسبق الراحل وصفي التل، كتاباً رسمياً إلى رئيس الديوان الملكي الأردني آنذاك، أكرم زعيتر، قبل عام من «هزيمة حزيران» يطلب فيه إبلاغ الملك الأردني حينها بضرورة العودة إلى القدس، وإرسال فدائيين لتعطيل المنشآت العسكرية «الإسرائيلية»، والبقاء في معركة طويلة مع العدو الصهيوني.
وأبدى التل حسب المذكرات، رغبة شخصية في الذهاب لمواجهة النفوذ «الإسرائيلي»، وذكر أنه لا يريد الرجوع إلاّ شهيداً، أو منتصراً.
عندما حدثت نكسة حرب يونيو/‏حزيران 1967، لم يكن قد مضى على النكبة في العام 1948 وهجرة الفلسطينيين قسراً من ‏أراضيهم في فلسطين التاريخية، سوى 19 عاماً، كانوا يمنون النفس طوال هذه السنوات بالعودة وانجلاء الاحتلال، لكن وقع ‏الصدمة كان شديداً، باستكمال احتلال فلسطين، وأجزاء واسعة من دول عربية أخرى.‏
‏50 عاماً مرت على النكسة، ولا تزال آثارها قائمة حتى اليوم، سواء بواقع الاحتلال على الأرض، أو بالذكريات الحزينة العالقة في ‏أذهان أهالي ضحايا الهزيمة وجرائم الاحتلال، في مخيمات قطاع غزة.

 

قصص من دفتر المعاناة تحت أنقاض الهزيمة

غزة:رائد لافي وأحلام حمّاد

 

يستذكر الصحفي في جريدة الأيام الفلسطينية فايز أبو عون، ليلة اجتياح قوات الاحتلال «الإسرائيلي» لمخيم جباليا للاجئين ‏حيث كانت تقيم أسرته التي هاجرت من مدينة يبنا داخل فلسطين المحتلة، ويقول: كانت ليلة شديدة الظلام، ولم تكن هناك ‏كهرباء في مخيمات قطاع غزة، عندما اخترق صوت الدبابات والآليات العسكرية سكون الليل، واهتزت معها جدران المنازل ‏المتهالكة.‏
كنت في ذلك الوقت في المرحلة الإعدادية، لكني أعي جيداً، وأتذكر اللحظات الأولى وحال الخوف التي كانت تسيطر على ‏الناس، خصوصاً اللاجئين الذين لم ينسوا بعد المجازر التي ارتكبتها ضدهم العصابات الصهيونية خلال النكبة في العام ‏‏1948، التي لم يكن قد مضى عليها 19 عاماً.‏
في اللحظات الأولى للحرب، والحديث ل«أبو عون»، كنا صغاراً نتجمع حول الكبار في كل أسرة، نستمع للأخبار بواسطة مذياع ‏صغير يعمل على البطاريات، وكان التوقع أنها مجرد مناورات لن ترقى لحرب شاملة، واجتياح واحتلال كامل لقطاع غزة ‏الساحلي الصغير.‏
لكن ما لم يكن متوقعاً قد حدث بالفعل، وكانت صدمة اللاجئين شديدة بهزيمة «إسرائيل» لعدة جيوش عربية، واستكمال احتلالها ‏لباقي فلسطين التاريخية، واحتلال أجزاء واسعة من دول عربية أخرى، وتبدد الأمل نهائياً لديهم بالعودة إلى مدنهم وقراهم التي ‏هجروا منها قسراً إبان النكبة.‏
ويقول: فجأة سكنت حركة الدبابات، واخترقت أصوات مكبرات الصوت سكون الليل، إذ طالبت قوات الاحتلال السكان بالخروج ‏من منازلهم رافعين الرايات البيضاء، والتجمع في الساحات العامة، ومدارس تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ‏‏«أونروا».‏
ويتذكر أبو عون جيداً مشهد الدبابات «الإسرائيلية» وهي تحاصر المخيمات، التي كانت تتكون من مربعات سكنية يضم كل منها ‏نحو 40 منزلاً، بنتها «أونروا» من الحجر وسقفها من القرميد، ولكل مربع سكني دورة مياه عامة ومشتركة للرجال والنساء، كانوا ‏يصطفون عليها طوابير لقضاء حاجتهم، و4 صنابير مياه عامة للتزود بها للشرب.‏
وقال: كان التجمع الأكبر لسكان مخيم جباليا قرب «بركة أبو راشد»، وهي بركة تتجمع فيها مياه الصرف الصحي، وقد طغت ‏أجواء من الرعب والإرهاب، إذ كانت الخشية لدى الجميع من ارتكاب قوات الاحتلال مجازر جماعية على غرار ما حدث إبان ‏النكبة، ومع كل حركة للدبابات التي تصوب مدافعها تجاه الناس المتجمعين، كانت تتعالى الأصوات بالدعاء، واستمر الأمر ‏كذلك حتى ساعات الصباح، ومع اشتداد حرارة الشمس أصيب كثيرون بالإغماء.‏
واستذكر أبو عون مشهد رجل تجرأ بحمل ابنه بعد أن أغمي عليه، وتوجه به حيث بركة أبو راشد، رغم تهديد قوات الاحتلال ‏ومطالبته بالجلوس، وأخذ يصفي المياه العادمة بواسطة غطاء رأس لامرأة ويضع المياه على وجهه من أجل إفاقته.‏
ومع توالي تساقط الناس جراء طول ساعات جلوسهم في الساحات العامة تحت أشعة الشمس اللافحة، أخذوا يتجرؤون بالتسلل ‏والعودة إلى منازلهم، وقد تفاجؤوا بأن قوات الاحتلال اقتحمتها وعاثت فيها فساداً وسرقة.‏
ومع مرور الأيام، وانسحاب الإدارة المصرية من كامل قطاع غزة، بدأت قوات الاحتلال في إنشاء مراكز الإدارات المدنية لإدارة ‏شؤون السكان وتسيير حياتهم، وتضم مكاتب للصحة والتعليم وشؤون السفر وغيرها، لكن هذه الإدارات مارست دوراً خطيراً من ‏حيث ابتزاز الناس واستغلال حاجتهم والضغط على ضعفاء النفوس منهم وتجنيدهم كعملاء.‏
وكانت الفترة من عام 1968 وحتى عام 1973 ذروة عمل العملاء وملاحقتهم للمقاومين واستهدافهم سواء بالقتل أو الاعتقال، ‏حيث نشطت في تلك الفترة خلايا المقاومة ضد الاحتلال، وتحت الضغط الشديد والملاحقة الحثيثة اضطر مقاومون إلى الهرب ‏ومغادرة البلد، ومن بينهم عمي الذي كان أحد الفدائيين، ورافقه والدي في رحلة الهرب عبر البحر، وبينما عاد والدي إلى غزة بعد ‏نحو ثلاث سنوات، طال البقاء بعمي في سوريا حتى اليوم.‏ وفي مقابل نشاط العملاء، نشط أطفال في مساعدة المقاومين والفدائيين، والعمل كعيون يراقبون تحركات العملاء وقوات ‏الاحتلال، ويتذكر أبو عون طفلاً كان يدعى معين مسلم لم يكن يبلغ من العمر آنذاك 12 عاماً، اعتقلته قوات الاحتلال إثر ‏كشفها عمله لصالح المقاومة، وتعرض لتعذيب شديد في مقر السرايا، الذي حولته قوات الاحتلال كمقر رئيسي لقيادتها عقب ‏انسحاب الإدارة المصرية منه.‏
ويقول أبو عون: قضى معين مسلم في سجون الاحتلال نحو 15 عاماً، ومن ثم تم إبعاده إلى خارج فلسطين، وانقطعت أخباره ‏منذ ذلك الحين، وهناك كثيرون مثله، قضوا سنوات طويلة من أعمارهم داخل السجون، ومنهم من فقد حياته داخل السجون.‏
ودفعت حال البؤس التي عاشها سكان قطاع غزة، خصوصاً اللاجئين، في السنوات الأولى من الاحتلال، وما تسببت به من ‏فقدان الأمل لديهم بالعودة إلى مدنهم داخل فلسطين المحتلة عام 48، إلى تركيز اهتمامهم على مستقبل أبنائهم والحرص على ‏تعليمهم، رغم أن غالبية الجيل الأول من اللاجئين كانوا أميين وغير متعلمين، وكأنهم أدركوا أن عودة الأمل باستعادة الحقوق لن ‏تتحقق سوى بالتعليم الجيد.‏

فدائي ومريض نفسي

بعد أن أنهى دراسة الثانوية العامة قبيل النكسة بقليل، التحق عمر إسماعيل جاد وكان في التاسعة عشرة من عمره بجيش ‏التحرير بقيادة أحمد الشقيري، وشارك في حرب يونيو/‏حزيران ضد جيش الاحتلال «الإسرائيلي».‏
كان عمر يقاتل ضمن صفوف آخر الكتائب التي صمدت في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، وعندما علم أن جيش ‏الاحتلال اجتاح واحتل مناطق واسعة من قطاع غزة، وشاهد زملاءه في الكتيبة يستبدلون ملابسهم العسكرية بملابس مدنية ‏وينسحبون من الميدان، رفض عمر الاستسلام للحقيقة، ورفض أن يستبدل ملابسه، واتخذ الطريق الساحلية على امتداد البحر ‏للعودة إلى منزله في مدينة غزة التي تبعد نحو 25 كيلو متراً سيراً على الأقدام، وقبالة شاطئ بحر مدينة دير البلح وسط القطاع ‏استوقفته إحدى الدوريات العسكرية «الإسرائيلية»، وطالبته عن بعد بإلقاء سلاحه، لكنها لم تمهله كثيراً وفتحت النار عليه وأصابته ‏بجرح نازف في ساقه أفقده الوعي، وظن جنود الاحتلال أنه فارق الحياة، ولم يكترثوا له وواصلوا سيرهم، ومكث بضعة أيام ملقى ‏على شاطئ البحر، إلى أن عثرت عليه امرأة من سكان المنطقة وكان لا يزال على قيد الحياة، ونقلته بمساعدة أفراد أسرتها إلى ‏منزلها، وقدمت له المساعدة والإسعافات، إلى أن استرد عافيته، والرواية على لسان شقيقه الأصغر حامد جاد.‏
ويقول جاد: خلال فترة غياب عمر وصل الخبر إلى والدي أنه استشهد، وتقبل به العزاء، واستمر الأمر كذلك لنحو أسبوع، إلى ‏أن أفاق عمر واسترد وعيه، وعرّف عن نفسه ببطاقة الهوية الشخصية التي كان يحملها، فقامت الأسرة التي ساعدته بإيصال ‏الخبر إلى والدي، الذي توجه إلى هناك ونقله إلى المستشفى لاستكمال علاجه.‏
مرت الأيام، وتبين أن عمر الذي يطلق عليه كل من يعرفه حالياً اسم «الشيخ عمر» مصاب بصدمة نفسية شديدة أفقدته استقراره ‏النفسي وتوازنه العقلي، جراء مكوثه أياماً على شاطئ البحر، وإطلاقه صرخات متتالية قبل فقدانه الوعي، بحسب ما أقره أطباء ‏مختصون.‏
واستكمل حامد سرد الرواية، وقال: لا يزال الشيخ عمر يعاني حتى اليوم من الهلوسة، وغير مدرك لكثير من الأمور من حوله، ‏ويشاهد في شوارع مدينة غزة يحدّث نفسه، لكنه لا يؤذي أحداً، ويذكر جيداً تفاصيل الحرب وإصابته، وكثيراً ما يسلك الطريق ‏الساحلية بمحاذاة الشاطئ وصولاً إلى مدينة دير البلح والعودة إلى غزة سيراً على الأقدام.‏
الشيخ عمر في السبعين من عمره حالياً، ولم يتزوج، ولا يزال يتلقى علاجاً نفسياً حتى اليوم.‏

إعدام ميداني

كان أيوب كلاب «أبو ياسر» يتواجد أثناء اندلاع الحرب قبالة بحر الشيخ عجلين غرب مدينة غزة، يحمل البندقية بيد والراديو ‏باليد الأخرى يتابع تطورات الأحداث الميدانية.‏
وفي تلك اللحظات سمع أبو ياسر وكان وقتها في العقد الثالث من عمره، خبراً قض مضجعه يعلن تمكن قوات الاحتلال من ‏دخول قطاع غزة، فتوجه إلى منطقة السودانية شمال مدينة غزة حيث التجمع الرئيسي لثوار جيش التحرير، وروى لزملائه من ‏الفدائيين ما ‏سمعه عبر الراديو، فقابلوا حديثه بسخرية، إلى أن تأكد أحد الضباط من صحة الخبر، وكان وقعه صادماً على ‏الثوار الذين لن يتخيلوا حدوث ذلك بهذه السهولة.‏وبدخول اليوم الثالث من الحرب سيطرت قوات الاحتلال على كامل قطاع غزة وأطلقت عملاءها في كل ‏مكان لملاحقة الثوار ‏والفدائيين، وهجر بعض سكان من قطاع غزة إلى مدينة العريش المصرية ولا يزالون فيها حتى اليوم.‏
ومارست قوات الاحتلال عمليات قتل ميدانية كان أحد ضحاياها شقيق أبو ياسر، ويروي تفاصيل تلك اللحظات المؤلمة ويقول: ‏لجأت وشقيقي إلى منزل أحد الجيران للاختباء من جنود الاحتلال، وعندما قرر شقيقي المغادرة إلى منزله المجاور، رصدته ‏دورية من جيش الاحتلال، وأخرجته من المنزل، وأطلقت عليه النار، ليرتقي شهيداً بدم بارد، رغم أنه لم يحمل السلاح يوماً من ‏الأيام.‏
وظلت جثة شقيق (أبو ياسر) ملقاة على الأرض لثلاثة أيام، حتى تمكن من الوصول إليها زحفاً، وتمكن من دفنها، ورغم مرور السنين الطويلة والذكريات المؤلمة التي عايشها في النكبة والنكسة لا يزال الثمانيني أبو ياسر يحلم بالعودة إلى بلدته الأصلية «حمامة» داخل فلسطين المحتلة.

 

خبراء عسكريون: حرب القرارات الخاطئة منحت «إسرائيل» نصراً لا تستحقه

القاهرة: «الخليج»، محمد عنتر

قال اللواء محيي نوح، الخبير العسكري، إن هزيمة 67 ليست هزيمة للضابط المصري لأنه لم يواجه «إسرائيل» في هذه الحرب بشكل فعلي، ولم يكن هناك استعداد تام لخوض هذه المعركة، التي كانت القيادة السياسية والعسكرية سبب خسارتها، مشيراً إلى أن هذه النكسة أثرت بشكل سلبي للغاية في الشعب المصري، ولكن تم تداركها بعض الشيء بعد أن استطاعت القوات المسلحة المصرية استعادة قوتها ومجدها في معركة رأس العش، ثم ضرب المدمرة «إيلات» التي أعادت الثقة للجيش، والشعب المصري.
وأضاف نوح، أن نكسة 67 أثرت بشكل سلبي في موقف مصر وقوتها الدولية وبالتالي أثر ذلك في القضية الفلسطينية وفي الاهتمام بها على المستويين العربي والدولي، ولكن بعد حرب أكتوبر سنة 1973 عادت مصر لقوتها الدولية وأصبحت القضية الفلسطينية محور اهتمام القيادة السياسية في مصر، والعالم العربي مرة أخرى.
وقال اللواء جمال مظلوم، الخبير العسكري، إن نكسة 67 كانت قاسية على الدول العربية كلها، وليس على مصر فقط، وكان سببها الأساسي هو خطأ القيادة السياسية في ذلك الوقت، حيث كان يجب ألا تتسرع القيادة المصرية في التصعيد ضد «إسرائيل» إلى أن يصل الأمر إلى اندلاع الحرب، وذلك لعدة أسباب، أولها أن القوات المسلحة المصرية لم تكن على استعداد لخوض أية حروب، كما أن أكثر من ثلث الجيش المصري كان خارج البلاد في اليمن، ومصر لم تكن في ذلك الحين دولة عظمى كي تحارب في جبهتين.
وأشار مظلوم، إلى أن مصر عانت، وما زالت تعاني، من خسارة حرب 67 حتى الآن، حيث أثرت هذه النكسة في وضع مصر على المستويين الدولي والإقليمي، وهو ما ألقى بظلاله على القضية الفلسطينية التي تأثرت سلبًا بهذه الحرب حتى الآن، وأصبحت قضية ثانوية بالنسبة للدول العربية بعد احتلال أكثر من منطقة عربية إثر نكسة 67.
وأضاف مظلوم، أن القضية الفلسطينية لم تعد محور اهتمام رئيسي لدى الدول العربية في الوقت الراهن، بعد الأحداث الدامية والصراعات التي شهدها الوطن العربي خلال الفترة الأخيرة في عدة دول عربية، مثل سوريا والعراق واليمن وليبيا، إلى جانب قضية انتشار الإرهاب والجماعات المتطرفة التي حظيت باهتمام عربي واسع الفترة الأخيرة، من أجل دحر الإرهاب الذي بات يهدد استقرار المنطقة العربية كلها.
من جانبه، قال اللواء حسام سويلم، الخبير العسكري، إن هزيمة 67 هزت موقف مصر دولياً وإقليمياً وعربياً، وأثرت بشكل سلبي للغاية في القضية الفلسطينية، حيث تم على إثرها احتلال الضفة الغربية، ومحاصرة قطاع غزة، وتغلغل قوات الكيان الصهيوني في القدس، وداخل جميع الأراضي الفلسطينية، إلى جانب احتلال هضبة الجولان في سوريا، كما أن هذه الحرب أضعفت موقف الدول العربية على المستوى الدولي، وشعر الجميع وقتها بخيبة الأمل بسبب النكسة.
وأرجع سويلم، في تصريحات ل«الخليج»، سبب هزيمة 67 إلى القيادة العسكرية المصرية في ذلك الحين بقيادة المشير عبد الحكيم عامر، الذي خاض الحرب من دون أن تكون القوات المسلحة المصرية جاهزة لها، ومن دون أن تكون هناك استعدادات كافية لخوض الحرب، حيث استعد الجيش لمدة 3 أسابيع فقط، وهي فترة غير كافية لمواجهة عدو مثل «إسرائيل» التي كانت تدعمها أمريكا، وعدة دول أوروبية بقوة لهزيمة مصر، وأضاف سويلم، أن هناك دروساً إيجابية لهذه الحرب التي خسرتها مصر، وهي أنه لابد أن يكون هناك استعداد تام لخوض أي حرب، ويجب ألا تتسرع القيادة السياسية في اتخاذ قرارات غير مدروسة قد تهدد أمنها القومي، وأن الوحدة العربية لا غنى عنها وهي الضمانة الوحيدة لقوة الموقف العربي دولياً.
وقال اللواء عبد المنعم كاطو، الخبير العسكري، إن حرب 67 كانت حرب القرارات الخاطئة للقيادة السياسية والعسكرية المصرية، كما أن هذه الحرب جعلت «إسرائيل» تنال نصراً لا تستحقه على الإطلاق، وهذه النكسة أثرت بشكل كبير في العرب جميعاً، سواء على المستوى الدولي، أو الإقليمي، ولكن الروح المصرية والعربية لا تموت أبداً، فهي روح قوية وصامدة وانتصرت في حرب أكتوبر 73، ولفت كاطو، في تصريحات ل«الخليج»، إلى أن الدول العربية انتفضت بعد هزيمة 67، وأكد العرب أنهم لن يقبلوا إطلاقاً بنكسة 67، والجميع وضع آماله على نصر جديد تحقق في حرب 73 التي أزالت آثار الهزيمة في 67، مضيفاً أن القضية الفلسطينية عقب النكسة لم تلق الاهتمام الكافي بعد النكسة، وأصبحت ضائعة، ولكن بعد الهزيمة بعدة سنوات عادت لتكون محور اهتمام العرب، وبدأت القومية العربية بالظهور، ووضح ذلك جيدًا في حرب 73.
وقال اللواء عادل سليمان، الخبير العسكري، إن نكسة 67 مازالت آثارها السلبية في مصر والعرب موجودة حتى الآن، رغم مرور نصف قرن عليها، حيث مازالت القدس وهضبة الجولان وبعض قرى جنوب لبنان محتلة حتى الآن، متابعاً: «مازال العالم العربي يعاني حتى الآن آثار النكسة، كما أن القضية الفلسطينية مازالت متأثرة بهذه الهزيمة، ولابد أن نتعلم من أخطاء الماضي حتى يكون مستقبلنا على الطريق الصحيح»، وأضاف سلميان، في تصريحات ل«الخليج»، أن الدول العربية لابد أن تتكاتف، وأن يكون لها موقف موحد تجاه القضية الفلسطينية التي أصبحت مهملة بسبب الصراعات التي تعيشها المنطقة العربية في الفترة الأخيرة، وانتشار بعض التنظيمات الإرهابية مثل تنظيم «داعش» الإرهابي الذي أصبح يهدد الوطن العربي كله، إلى جانب الصراع القائم في اليمن وسوريا.
وقال اللواء سامح أبو هشيمة، الخبير العسكري، إن 67 نكسة عسكرية وليست هزيمة، لأن «إسرائيل» لم تفرض إرادتها كاملة على الدولة المصرية، كما أن القوات المسلحة المصرية بعد 21 يوماً انتصرت في معركة رأس العش على الكيان الصهيوني، إلى جانب أن حرب أكتوبر 73 أعادت الكرامة العربية والمصرية، وأزالت آثار العدوان، ولفت أبو هشيمة، إلى أن هزيمة 67 كان لها دور إيجابي في إعادة بناء القوات المسلحة المصرية على أسس من العقيدة الوطنية، وأسس استراتيجية مبنية على القدرات القتالية العالية، وعقيدة عسكرية قوية قادرة على تحقيق النصر في أي وقت، والدليل على ذلك انتصار الجيش المصري في حرب أكتوبر 73، وأشار أبو هشيمة إلى أن عدوان 67 ألقى بظلاله على القضية الفلسطينية التي تأثرت سلبيًا بهذه الهزيمة، وأصبح يطلق عليها البعض «قضية الفرص الضائعة»، بعد المفاوضات المتعثرة التي مرت بها على المستوى الدولي، كما أن هذه النكسة أثرت بشكل سلبي ليس على القضية الفلسطينية فقط، ولكن أثرت في مصر، والموقف العربي كله على المستوى الدولي.

 

سياسيون: القوى الإقليمية استغلت النكسة للهيمنة على مقدرات العرب

القاهرة: غريب الدماطي

أكد محللون وسياسيون مصريون أن نكسة يونيو/‏‏حزيران 1967 مازالت تلقي بآثارها السلبية على مصر والأمة العربية، باعتبارها المعركة التي خسرها العرب وأسفرت عن تفويت الفرصة على إيجاد حلول للقضية الفلسطينية، بعيداً عن دولة الكيان التي ترسخت على أنقاض الهزيمة، وأدت إلى تراجع المشروع القومي العربي في مقابل صعود حركات الإسلام السياسي. وقال هؤلاء إن أبرز آثار النكسة أنها أحدثت فراغاً سياسياً في المنطقة بعد تراجع دور مصر الإقليمي، تسعى حالياً قوى إقليمية لملئه على حساب الصالح العربي العام، وأبلغ أثر من آثارها لايزال قائماً هو مزيد من الاستيطان «الإسرائيلي» في الأراضي الفلسطينية واستمرار احتلال هضبة الجولان السورية ومزارع شبعا في لبنان.
وقال مدير مركز دراسات الأهرام السياسية والاستراتيجية السابق، الدكتور جمال عبدالجواد، إن حرب يونيو 1967 حددت مسار المنطقة خلال ال50 عاماً، وأحدثت واقعاً مأسوياً على نفوس المصريين والعرب الذين يحيطون الرئيس عبدالناصر بثقة كبيرة، لاسيما أن عبدالناصر قدم حجماً كبيراً من الوعود انتهت بهزيمة عسكرية أحدثت أزمة ثقة بين الحاكم والمحكوم تعمقت منذ عام 1967 ومازالت تعيش في الواقع العربي.
وأضاف عبدالجواد أن الهزيمة تركت أثراً كبيراً لدى الدول العربية، حيث تم احتلال أراضٍ عربية مازال محتلاً بعضها حتى الآن ولم يسترجع، ومكنت «إسرائيل» من احتلال باقي فلسطين الذي لم تستطع احتلاله عام 1948، كما أن هزيمة 1967 فوتت الفرصة على إيجاد حلول للقضية الفلسطينية بعيداً عن «إسرائيل»،
وقال رئيس الحزب الاشتراكي المصري، أحمد بهاء الدين شعبان، إن هزيمة 5 يونيو 1967 كان لها واقع كارثي على مصر والمنطقة العربية، حيث ترتب عليها نتائج على درجة عالية من الخطورة، مازالت تترك بآثارها السلبية على الواقع المصري والعربي حتى الآن، حيث تراجع الدور المصري في المنطقة بعدما انشغلت مصر بإزالة آثار العدوان وإعادة بناء القوات المسلحة وتوقفت المشاريع الكبرى التي كان مخططاً لها في إطار الخطة الخمسية الأولى والثانية، وأدت إدارة الرئيس محمد أنور السادات فيما بعد إلى عزل مصر عن محيطها العربي لانفراده باتفاق مصالحة مع العدو «الإسرائيلي»، فضلاً عن انشغال مصر بالوضع الاقتصادي الذي انهار من جراء الهزيمة، مما كان له بالغ الأثر السلبي على دور مصر الثقافي والاجتماعي.
وأضاف شعبان أن هزيمة العرب في حرب يونيو/‏‏حزيران أدخلت المنطقة في حالة انعدام الوزن إثر تعرضها لهذه المحنة، حيث فقدت مصر قدرتها القيادية في المنطقة، بما سمح لقوى إقليمية أخرى لديها الطموح في وراثة الدور المصريوأوضح شعبان أن انشغال مصر منذ هزيمة يونيو/‏‏حزيران بقضاياها الداخلية وبحثها عن أسباب ما ترتب على الهزيمة أدى إلى فراغ إقليمي خطر سعت أطراف أخرى مثل تركيا وإيران لملئه بطرح مشاريع لا تفيد المصالح العربية، وأضاف شعبان أن أخطر ما ترتب على هزيمة العرب بروز قوى الإسلام السياسي على حساب الفكر القومي والعروبي، وهو ما أدى في النهاية إلى إدخال مصر والمنطقة العربية في متاهة العنف والتشدد والتكفير
وقال رئيس الحزب الاشتراكي المصري أنه على الرغم من ذلك فهزيمة 1967 حققت مكسباً كبيراً على الصعيد المعنوي، حيث اكتشف الشعب المصري والعربي قدرته على التحدي بعد الهزيمة التي كانت من الممكن أن تكسر إرادته وتنهك حياته، فقد استطاع الشعب أن يتجاوز المحنة وأن يشد الأحزمة على البطون ويعيد تصحيح المسار بتحقيق النصر في حرب أكتوبر 1973 والتي سبقها حرب استنزاف تأكد من خلالها أن الجيش بإمكانه تحويل الهزيمة إلى نصر.
فيما اعتبر أستاذ التاريخ المعاصر الدكتور عاصم الدسوقي نكسة يونيو/‏‏حزيران 1967 مجرد حرب عسكرية خسرتها مصر والعرب، لاسيما أن الهزيمة في التاريخ تتأكد عندما ينجح المنتصر في فرض إرادته على المهزوم، وأوضح الدسوقي أن العدو «الإسرائيلي» عرض على الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عام 1968 انسحاباً كاملاً من سيناء مقابل اعتراف مصر بدولة الكيان، وهو ما رفضه عبدالناصر آنذاك، وأشار إلى أن هذا العرض لا ينفصل عما ورد في اتفاق الهدنة الذي وقعه العرب مع «إسرائيل» عام 1949 الذي اعتبرته «إسرائيل» مقدمة لتوقيع سلام دائم وشامل بين العرب وإسرائيل، وهو ما ذهبت إليه «إسرائيل» فيما بعد في توقيع اتفاقية السلام مع مصر عام 1979 حين أصرت على إدخال عبارة «إيماناً من الطرفين بفرض حالة سلام دائم» على مدخل معاهدة الصلح.
وقال أستاذ التاريخ إن حرب 1967 هزيمة عسكرية عادية انتهت بهزيمة الحيش المصري، لكنها لم تتحقق أغراض «إسرائيل»، غير أنها تركت آثاراً مباشرة على المنطقة، حيث ذهبت «إسرائيل» إلى البحث عن تصالح مع العرب لاسيما بعد وفاة الرئيس جمال عبدالناصر، وأشار إلى أن «إسرائيل» على الرغم من هزيمتها في حرب أكتوبر 1973 فإنها نجحت في فرض إرادتها على المنطقة بتوقيع السادات لاتفاقية السلام في عام 1979، وتلاها فلسطين عام 1991 باتفاق أسلو ثم المملكة الأردنية باتفاق وادي عربة، وأشار إلى أن هزيمة يونيو 1967 تركت آثارها باستمرار احتلال «إسرائيل» للجولان في سوريا ومزارع شبعا في لبنان.

وقال أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس، الدكتور جمال زهران، إن هزيمة يونيو 1967 تركت مرارة كبيرة في نفوس الشعب المصري والعربي وأحدثت زلزالاً قوياً داخل البنيان العربي، لاسيما أنها جاءت بانكسار للجيش، غير أن تلك الهزيمة كانت دافعاً في ذات الوقت للبحث عما يعيد إلى مصر والأمة العربية سمعتها وكرامتها، لاسيما بعد أن أعلن جمال عبدالناصر التنحي عن الحكم في مشهد، نادراً ما يتكرر، باعتباره القائد المهزوم والمسؤول عن خسارة الجيش، غير أن وقفة الشعب مع القيادة دفعته للتراجع، حيث بدأ في إجراء إصلاحات سياسية وعسكرية بدأت عامي 1968 - 1969 أدت إلى خلق مناخ لتصحيح المسار وهي السياسة التي ردت الاعتبار للقوات المسلحة في حرب الاستنزاف وتوجت بنصر أكتوبر 1973.
وأضاف زهران أن هزيمة 1967 انتهت باحتلال قطاع غزة والضفة الغربية وسيناء وهضبة الجولان، وتحطمت القوة العسكرية الرئيسية لمصر والأردن وجانب من القوة العسكرية السورية، في حين كانت خسائر العدو «الإسرائيلي» ضئيلة بالقياس للخسائر العربية، ما أدى إلى حدوث اختلال في ميزان القوى العسكرية لصالح «إسرائيل» التي تلقى دعماً أمريكياً وغربياً لا يتوقف.
وقال المحلل السياسي، الدكتور عمار علي حسن، إن هزيمة 5 يونيو/‏‏حزيران عام 1967 تركت أثراً غاية في السوء في نفوس الشعب المصري والعربي، غير أنها كشفت المعدن العربي والمصري الأصيل، فرغم مرارة الهزيمة تحمل الشعب المصري والعربي معاً إعادة بناء القدرات العسكرية استعداداً لمواجهة جديدة مع العدو، ولم تمض أيام قليلة على الهزيمة إذ بالجيش المصري يخوض حرباً جديدة عرفت حينها بحرب الاستنزاف، وهي الحرب التي تجرع فيها العدو مرارة الخسارة في صفوفه، وبدأت تعيد للجيش المصري هيبته وقدرته من جديد، كما دخلت مصر في تحد جديد عقب الهزيمة لاستكمال مشروعها القومي، السد العالي، واستكمال خطة بناء المشروعات الكبرى أو العملاقة من بينها مجمع الألمنيوم، ورغم تلك الاستعدادات تمكن الاقتصاد المصري من تحقيق زيادة في صالح ميزانه التجاري، حيث حقق فائضاً لأول مرة في تاريخه قدر ب46.9 مليون جنيه آنذاك. فتحمل الاقتصاد المصري عبء إعادة بناء الجيش من دون مديونيات خارجية، وأرجع الدكتور عمار علي حسن هزيمة يونيو 1967 إلى غياب التخطيط الاستراتيجي على مستوى القيادة العربية الموحدة.


 

الخبير في الشؤون «الإسرائيلية» توفيق أبوشومر:

آثار الهزيمة لا تزال قائمة.. لكنها لم تقتل الأمل في النصر

غزة: رائد لافي

 

قال أبو شومر في حديث ل «الخليج»: «جاءت الهزيمة لتفسد كل شيء، وانكشف زيف قوة الجيوش العربية، التي بالغت ‏الأنظمة العربية الحاكمة آنذاك في ترويجها في أوساط الجماهير، في مقابل أن «إسرائيل» لم تكن تتضح للعالم العربي لجهة الواقع ‏الحقيقي لقوتها العسكرية؛ ولذلك كانت في العرف العربي أضعف من مواجهة دولة عربية واحدة».‏
وأكد شومر أن القضية الفلسطينية كانت الأكثر تضرراً وخسارة، وأصيبت في الصميم، وتحولت من أيقونة يتغنى بها العرب إلى ‏مصدر ألم للشعوب العربية؛ لأن «إسرائيل» لم تتوقف عند حدود اغتصاب فلسطين؛ بل توغلت واغتصبت أراض لعدة دول عربية ‏أخرى، كان الأمل معلقاً عليها لتحرير فلسطين، فكان القهر سيد الموقف من المحيط إلى الخليج.‏
وجراء ذلك، والحديث لشومر، تلاشى الأمل في تحرير فلسطين وعودة اللاجئين والمشردين، وحل مكانه الرغبة في الانتقام ‏واسترداد الكرامة المهدورة، التي تحققت جزئياً مع حرب أكتوبر عام 1973، رغم أنها خلفت أيضاً تداعيات سلبية على صعيد ‏الوحدة العربية، إثر توقيع مصر اتفاقية كامب ديفيد، والانقسام العربي الذي أعقب ذلك، والمواقف المتباينة للعواصم العربية من ‏القرارات الدولية التي صدرت في شأن الصراع العربي «الإسرائيلي» والقضية الفلسطينية.‏
وأكد شومر أن أثر الهزيمة والنكسة في القضية الفلسطينية كان الأبشع، وتولدت لدى اللاجئين الذين كانوا يمنون النفس بدخول ‏الجيوش العربية لتحرير وطنهم وإعادتهم إلى مدنهم وقراهم، إلى رغبة في الهجرة إلى الغرب، وفي المقابل تولدت لدى النخب ‏والفصائل الفلسطينية الرغبة في الاعتماد على الذات، واستعادة الوعي الوطني، فكان اللجوء إلى بناء المؤسسات الوطنية، وتحمل ‏القرار والمصير بعيداً عن الموقف العربي.‏
وعلى صعيد المشاريع السياسية التي ظهرت عقب النكسة، يعتقد شومر أن الهزيمة لعبت دوراً كبيراً في انحدار مستوى المطالب ‏السياسية، وبعدما كان الحلم الجمعي هو التحرير الكامل والعودة، ظهرت مشاريع وأطروحات الحلول الجزئية، وصولاً إلى ذهاب ‏منظمة التحرير الفلسطينية لمؤتمر مدريد في أوائل تسعينات القرن الماضي، وقبولها بتوقيع اتفاقية أوسلو أملاً في إقامة دولة ‏فلسطينية على نحو 20 في المئة من فلسطين التاريخية وهي أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة التي احتلت في حرب 1967، ‏وهو ما لم يتحقق حتى اليوم جراء المماطلة «الإسرائيلية».‏
ويقول شومر، إن الهزيمة أفقدتنا القدرة كعرب وفلسطينيين على بلورة صيغ لمتابعة النضال لنيل حقوقنا، وسلمنا بتقسيم القدس، ‏وغابت القرارات الدولية التي صدرت قبل عام 1967، وأثر ذلك في النضال الوطني الفلسطيني الذي تحول من مقارعة ‏المشروع الصهيوني إلى نضال تكتيكي للحصول على دولة مهما كانت هذه الدولة أو مساحتها.‏
ويعتقد شومر أن القيادة الفلسطينية التي تشكلت وتبلورت بعد الهزيمة، لم تبدع في قيادة الانتفاضات الشعبية، خصوصاً ‏الانتفاضة الكبرى، التي انطلقت في عام 1987، ولم تتمخض عن أهداف واستراتيجية فلسطينية للضغط على «إسرائيل»، فتحولت ‏من هبة نضالية إلى عبء على الشعب الفلسطيني، وتم إجهاضها بمؤتمر مدريد والتسوية السياسية، دون الارتقاء بها إلى ‏مستوى مواجهة المخطط الصهيوني المتواصل حتى اليوم الحالي، ويهدف إلى التهويد الكامل للأرض الفلسطينية.‏
وحول إذا ما كان هناك أي أمل في استعادة البوصلة الوطنية، أكد شومر أن الشعوب لا تهزم، ولا تزال جذوة النار والنضال ‏مشتعلة، ودوماً تفاجئ الشعوب العالم بما هو غير متوقع، ولا يزال الشعب الفلسطيني والشعوب العربية تمتلك مخزوناً استراتيجياً ‏بإمكانه التفوق على «إسرائيل» وتغيير خريطة المنطقة؛ لكن لابد من قيادة حكيمة تلتقط لحظة النهضة الشعبية، وتقودها نحو ‏المسار السليم.

 

نصف قرن على النكسة ..

صادق ناشر

غداً الاثنين تحل ذكرى مرور 50 عاماً على هزيمة 1967، والمعروفة ب«النكسة»، وتصادف الخامس من يونيو/ حزيران، حيث اعتدت «إسرائيل» على العرب في حرب خاطفة واحتلت الضفة الغربية وسيناء ومرتفعات الجولان السورية، رد عليها العرب في أكتوبر/ تشرين الأول عام 1973، ب«حرب العاشر من رمضان»، لكن العرب توقفوا بعدها عن خوض أي معارك عسكرية واستبدلوها بحروب سياسية وقانونية، وخاصة بعد الزيارة الشهيرة للرئيس المصري أنور السادات إلى القدس في نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 1977 وإلقاء خطاب في «الكنيست» الصهيوني معتبراً أن حرب أكتوبر هي آخر الحروب، ثم تلاحقت الأحداث لنصل إلى ما نحن عليه اليوم نستجدي السلام من موقع غير ذلك الذي كنا عليه قبل النكسة وما بعد حرب العبور.
خمسون عاماً بالتمام والكمال، ومازال الكثير من المعاصرين لهزيمة 5 يونيو يتذكرون تفاصيل ما جرى في ذلك التاريخ، وما تلته من تداعيات ما زلنا نحصد ثمارها حتى اليوم. صحيح أن حرب أكتوبر عام 1973 أعادت للعرب بعض الكرامة المهدورة، وكان بإمكانهم أن يذهبوا إلى أبعد مما وصلوا إليه، إلا أن التطورات اللاحقة أكدت أنهم فقدوا البوصلة، ومعها فقدوا القدرة على التأثير في مجريات الأحداث التي كانت البلاد العربية، وبالذات فلسطين مسرحاً لها.
أضاع العرب فرصاً كثيرة لتعويض الهزائم والخسائر التي تعرضوا لها في الحروب التي خاضوها ضد «إسرائيل» طوال العقود الماضية، والحقيقة أن الذنب ليس ذنب الشعوب، بقدر ما كان ذنب الأنظمة التي تراخت في الدفاع عن القضية المركزية للعرب جميعاً، وهي القضية الفلسطينية، وهرول البعض للتطبيع مع «إسرائيل» اعتقاداً منهم بأن ذلك سيجلب لبلدانهم السلام، لكنهم لم يجنوا سوى قبض ريح.

بعد خمسين عاماً على النكسة، تغير المشهد كلياً، وصرنا نلهث وراء سلام عبارة عن سراب، وحتى قبولنا بدولة فلسطينية رسمت حدودها ضربة حزيران 1967، ولم نخترها نحن، لم تعد مقبولة من قبل «إسرائيل» ولا من الحامي لها الولايات المتحدة، فالدولتان تضعان العراقيل لإنجاز سلام عادل، وهذه العراقيل تتزايد مع كل يوم، فيما الحقوق تتآكل مع استمرار الانتهاكات التي تمارسها الدولة العبرية في الأراضي المحتلة، والهادفة إلى طمس الهوية العربية عن فلسطين.
خمسون عاماً من الانكسار والإحباط، هو أقل ما يمكن أن يقال عن ذكرى نكبة حزيران 1967، وهي مناسبة يجب الوقوف أمامها لاستخلاص العبر، والانطلاق نحو رؤية جديدة للتعاطي مع المستقبل، فمن الواضح أن التنازلات التي قدمها العرب ل«إسرائيل» وتحت ضغوط الولايات المتحدة، لم تعد كافية للحصول على دولة فلسطينية على حدود 1967، وطالما أن العرب ما زالوا يراهنون على دور أمريكي وأوروبي فاعل من أجل تحقيق ذلك فإنهم يشترون الوهم، فالولايات المتحدة، ومعها أوروبا، مع اختلاف وجهات نظر بعض دولها حول القضية، لن تسمح بإقامة دولة فلسطينية لاعتقادها أن ذلك بداية نهاية «إسرائيل» وتآكل نفوذها في منطقة الشرق الأوسط بأكملها.

[email protected]