شيخه الجابري

كثيراً ما كنّا نسمع أن فلاناً كأنه عنز يتبع القطيع، فلا يملك رأياً أو شخصية، منقادٌ وغير قادرٍ على إثبات وجوده، وهيبته، وقيمته كصاحب رأي. ومن عجائب الصدف أنني التقيت مساء أمس الرجل العنز بشحمه ولحمه، لم يكن يختلف كثيراً عن ذاك الذي كانت تصفه جداتنا، الخنوع، الضعيف، المنساق للآخر.

كان الرجل العنز يسير وراء سيدتين عربيتين جاء بصحبتهما، وحينما شاهدني جالسة في مكاني أنتظر تجهيز الأغراض التي ابتعتها، انزوى قليلاً كي لا ألاحظ أنه تابع لهما، وقد كانتا ترتديان عباءتين مطرزتين ومزركشتين، واحدة منهن لمحتُ أنها ترتدي ملابس نوم تحت العباءة عندما اعتلت السلم متجهة إلى الدور العلوي، المهم أن «العنز» لم يلحق بالسيدتين، كان مختبئاً عند السلم كي لا يلمحه أحد. وما كان من أحد لفت انتباهه سواي، لذا حينما لمح أنني أحادث العامل الذي يُعد لي مشترياتي، قفز نحو السلم يتبع السيدتين، وهما تصعدان السلم المنزوي في ناحية من المحل، عندها فقط استنتجت أن شكي في محله، وأنه جاء معهما، وتابع لهما.

ذاك الرجل الذي جاء بالسيدتين إلى محل لبيع الأدوات المنزلية والساعة تقترب من منتصف الليل بدا عليه أنه لا يريد لأحد أن يعرف أنه بصحبتهما، وحينما نزلتا من الدور العلوي كان يسير وراءهما، وهو يحمل إناء ينتمي لوطنهما المشهور بوجبات وأوانٍ معينة، أخذ الآنية، ووضعها عند طاولة الدفع، ووقف ينتظر انتهاءهما من اختيار ما تريدان شراءه.

فجأة ترك مكانه عندما نادته إحداهما تلك التي جاءت بملابس النوم، فطار إليها، وراح معها يتفحص ما تريد شراءه، السؤال الذي قفز إلى ذهني ساعتئذٍ: هذا الرجل ذاته هل فكر مثلاً في أن يرافق زوجته ابنة وطنه في رحلة تبضع، واختار معها ما تشاء من مشتريات، واهتم بها، وسار وراءها ممشوق القامة، يبتسم كما يبتسم لتلك السيدتين اللتين جاء معهما في منتصف الليل، حيث تخلو المحلات من المشترين فيصعب افتضاح أمره؟

كثيرة هي الأشياء التي دارت في بالي ساعتها، منها أن هذا العنز ماذا كان سيفعل لو طلبت منه زوجته وأم أبنائه أن تذهب معه إلى السوق مثلاً، ليجلبا ما تحتاج إليه الأسرة من احتياجات، ترى هل سيفعل، أم سيستمر في «لهياته تالي الليل» في محال بيع «الجدور والطواجن والصحون»؟

[email protected]