شيخة الجابري

نسمع كثيراً عن المؤثرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأقول وسائل التواصل الاجتماعي وليس الإعلامي؛ لأن هناك فرقاً بين المصطلحين، فلكل واحد منهما أهداف ورسائل وطرق تأثير، كما نسمع أن المؤثر فلان سيؤثر في متابعيه من خلال وجوده ضيفاً على «صينية» عشاء في مكان ما، في منطقة ما، فمن يرغب في أن يناله نوع من التأثير أو التخدير أو التدمير القيمي والمالي ليذهب إلى ذلك المكان فيحتسي شاياً أو يتناول «سوشياً» أو قطعة كعك مشبعة بالألوان الحافظة ومدفوع ثمنها من جيب المُؤثّر فيه، إن بعلمه أو بدون علمه.

كما نسمع كذلك ونشاهد الاحتفاءات المختلفة ومن شرائح متعددة، بعاثرين ومُتعثرين من الذين يملؤون حسابات التواصل بالغث من الرسائل، وبسيل من الإعلانات التي يجنون من ورائها أرباحاً طائلة، وهذا ليس حسداً ولا غبطة ولا شراً مستطيراً يتمناه أحد لهم، ولكنه استغراب مما يحدث، ومن تحويل هذه الحياة الهادئة الهانئة الوادعة إلى ماراثون إعلاني أسقط الكثير من القيم والمبادئ في طريق بعض أصحابه نحو الكسب المادي، وحصاد المال، وتعرية الذات كالشباب الذين يملؤون وجوههم بالمساحيق ويظهرون ولهم متابعوهم الكثر كل صباح، ليقدموا دروساً في كيفية المحافظة على البشرة، وآخر مستجدات مستحضرات التجميل كما يدّعون.

صحيح أننا نعيش زمن التجديد، والرفاهية التي لا يعيشها ربما كثيرون، وصحيح أيضاً أن هناك نقلة نوعية في وسائل التواصل، غير أن الذي يحدث أن هناك تراجعاً كبيراً في كيفية استثمار تلك الوسائل الباردة فيما يعود بالنفع على المجتمعات والأفراد، وخاصة فئات الشباب الذين من المهم أن توجه لهم رسائل قيمية وأخلاقية، بعيداً عن الانفلات الذي يمارسه بعض «العاثرين والعاثرات» عبر وسائل التواصل الاجتماعي فلا يجدون لهم رادعاً أخلاقياً؛ بل إن بعض الذين يؤمنون بهم يصنفونهم على أنهم مؤثرون بصرف النظر عن نوع التأثير المطلوب وماهيته، وكيفيته، ووسائله، وأهدافه.

أعتقد أن الحاجة باتت ملحة لمراجعة بعض القناعات في مَن يمكن أن ينعتوا ب«المؤثرين»، وهناك حاجة أكبر إلى معرفة ودراسة ماهية تأثيرهم، فالمؤثر هو الذي يترك أثراً إيجابياً لافتاً يخدم المجتمع الذي يعيش فيه بأفراده كافة، أما الآخر الفارغ صاحب الجيوب المتخمة، فما هو إلا عاثر أو متعثر أو «مدمر» أو يسعى لتدمير، فمن المسؤول عن مراجعة تلك الأجندات، والمحافظة على القيم بين مشاهير التواصل من سادة كثيرين وسيدات، منهم فارغون وفارغات.

وكل عام وأنتم بخير.

[email protected]