شيخه الجابري
اعتاد بعض الناس كلما هلّ رمضان على تجهيز المقولات والأدعية والحكم والنصائح والإرشادات، ويبدأون مع أول ليلة من الشهر الكريم في بث تلك المجموعات الهائلة من الرسائل لمن يرغب، ولمن لا يهتم، ولمن يغضب من الإزعاج طوال الوقت؛ حيث إن لكل وقت مقولة أو نصيحة أو حكمة أو دعاء.
ويستمر الوضع على هذه الحال حتى قبل انتهاء الشهر الكريم بيوم ثم تبدأ ذات القصة مع أيام العيد المبارك؛ حيث إن هناك أيضاً باقة تم إعدادها من كل ذلك التنوع حتى انتهاء العيد، ثم تعود الأشياء جميعها إلى حقيقتها، فتبدأ الرسائل المعتادة من مقطوعات غنائية، ووصلات موسيقية، ونكت وطرائف، ومواقف، وأحياناً حتى الفضائح التي تنشرها الصحف الصفراء.
هذا على الجانب الاجتماعي وسلوكات بعض الناس، أما إعلامياً فالحديث يطول عن الباقات الإعلانية، ذات الصبغة الإنسانية، التي تتعلق بجمع التبرعات، وأموال الزكاة، وغير ذلك من الوسائل، التي تتم الدعوة إليها طوال الشهر الكريم؛ إما لعلاج مريض، أو تأمين حاجة لمحتاج، أو تبرع لبناء مسكن لأسرة لا تملكه وغير ذلك من الاحتياجات الإنسانية الأخرى.
وبعد أن يبدأ الشهر الكريم في طي أيامه، التي ترحل سريعاً، تختفي تلك الحملات الإنسانية، لتبدأ موجة الإعلانات التجارية، التي تهدف إلى نهب الجيوب، والترويج لسلع من كل صنف ولون، وبأساليب دعائية لا تحظى بها الحملات الرمضانية، فيُنسى المريض والمحتاج كأنما حاجته ترتبط فقط بالشهر الكريم، وتنتهي بانتهائه!.
أيضاً إعلامياً تكثر برامج المسابقات، والبرامج المفتوحة، وتجد برامج المقالب مكاناً لها ضمن الخريطة البرامجية الرمضانية، وتزدحم أجندة القنوات وأوقاتها بسيل من المواد الإعلامية والإعلانية لا نراها إلا في رمضان، وكأن الناس لا يُقبلون على فعل الخير إلا في رمضان، ولا يساعدون الآخرين، ولا يقرأون، ولا يتابعون ما تبثه الفضائيات إلا في الشهر الكريم.
هناك خطأ في الفهم، في كيفية التعامل مع القيم المرتبطة بالتعاون بين البشر، فالواقع يقول إن العمل الإنساني دائم لا يتوقف على شهر معيّن؛ ذلك أن ارتباطه بالإنسان أكثر من ارتباطه بمساحة وقتية أو زمنية، وأن احتياج الناس إلى برامج تحترم عقولهم هي مستمرة طوال العام، فكيف يمكن تغيير القناعات عند الناس؛ ليكونوا قادرين على التعامل مع مفاهيم العطاء والخير والثقافة والمتعة والتغيير طوال العام، وليس في مساحة زمنية محدودة، فلتكونوا مثل «الهريسة» كانت تقتصر على رمضان فقط ثم انعتقت من هذا الأسر، وصارت متاحة على الموائد في كل وقت، الهريسة ليست أكثر ذكاء من صنّاع الإعلام ومروّجي الحكم والأدعية والنصائح.