شيخة الجابري

التهيئة في الكتابة فن لا يجيده الكثيرون؛ ذلك أنها تحمل درساً عميقاً يأخذك نحو الأدق من الرسالة التي يحملها الكاتب إلى القارئ، فهو يُعدّك نفسياً لأن تسبر أغوارها قبل أن تلج الجديد من الفكر الذي يُطرح. والتهيئة أيضاً هي الغرس الذي يورق ثقافة، وحسّاً، وإدراكاً مختلفاً، تبدو وكأنها فاتحة أملٍ عند بستانٍ مورقٍ من الضوء الذي رُسم بريشة فنان ماهر، وغُرس بقلم فاتنٍ لم تلمسه سوى يد الوعي، ولم يحركه سوى عقل متفرد، لذا جاءت الألوان زاهية، واللغة عالية، والتفاصيل غائرة في الوضوح والغموض معاً وهنا يتجلى الكاتب الحقيقي.

حينما يؤمن الكاتب بحرفه يعرف جيداً كيف، ومتى يغرسه في ذهنية المتلقي تماماً كما تفعل الكتابةُ ذاتها، إذ ليس كل من حمل فكرة، واستسلم لورقة يُتقن فن الإصغاء لداخله كي ينقله بالصوت الرحيب إلى المتلقي. من يفعل ذلك فقد أفلح.

ومن ثم ّ وعند بوحٍ ما، تجدُ نفسكَ في حالة عجز تام عن مجاراة فيض الكرم اللغوي والحرفي والحسّي، ستقفُ عند حديقة غناء تفيض بالود والورد والفكر المتزن العميق، سيُبهِرُك العزف المنفرد ذاك الذي تتقنه الحروف ولا تستطيع أن تُجاريه، أو أن تلحق بركب مراميه الفياضة بالنور، والإنسانية الحقّه.

الكاتب الذي يُتقنُ صنع التفاصيل، ويقدرُ على محاكاتها ونقلها للقارئ كأنما هي سبيكة من ذهب سكبت للتو في معمل خاص بها وحدها، هو كاتب متفرّد، ذو حضور ٍ فارهٍ لا يصل إليه الكثيرون، كما لا يجيدون مثلهُ فن قراءة ما وراء الكلمات. إن المقدرة على استنباط الحرف، وتدويره، ونحته، وإقلابه، وتحميله أكثر من وظيفة آنية يتطلب مهارة عالية، وقراءة وثقافة عميقة، تتجلى أحياناً في قطعة أدبية جليّة لمن يستوعب، ويدرك تفاصيل اللغة، ويستطيع تفكيك ما ورائياتها.

الذي يأخذك في الإبداع العالي لغة الكاتب وثقافته، ومهارته، ثم حبكة الكتابة ذات الصنعة المحكمة، الموغلةِ في التفاصيل الرحيبة والحياة الدقيقة، حينما تشعر بأنك تعيشها مع الكاتب ونصّه المتفرّد ذاك الذي يحمل الوفير من سمات العمل الأدبي المكتمل الناضج من حركة، وسكون، وصوت، وصورة، وبشر، كأنما تلك القطعةُ لوحة متحركة رسمت بإتقان فريد. إنّ قمة نجاح الكاتب تتبلور في مقدرته على إثارة الأسئلة، وأن يكون عقلاً مستفِزاً للقارئ، مُقلقاً للمتابع، يشجعهم على المزيد من البحث والاعتناء بالمعرفة لتحقيق المقدرة على القراءة الجادة جداً.

[email protected]