شيخة الجابري

ينشر الفرح، يعيدنا إلى طفولتنا، يُراقص أغنياتنا المخبوءة في عمق الزمن، يُحيلنا أطفالاً يرومون التحليق ويحاولون، يُصيّرنا قلوباً من بياض ترفرف في سعادة، تروح مع حبّاته نحو الذاكرة الأولى للمطر، والخوف ذاك الرابض في قلوب الأمهات أن لا تُخرجوهم وفي الأجواء مطر، واحرصوا على ألا يفتحوا أفواههم فتسقط «نفّة» منهُ تحيلهم خُرساً في لحظة انتشاء بماء السماء، وابن الفضاء، المطر.

تعتقد أمهاتنا قديماً، ويبدو أنها من طقوس الحمل والولادة، أن قطرة المطر إن سقطت في فمِ الوليد أحالته طفلاً أخرس، لا يقوى على الكلام، فيفقد القدرة على النطق، كانوا يعتقدون أن الطفل حينما يشرب قطرة من قطرات المطر وهو لم ينطقْ بعد سوف يتعطلُ عن الكلام، ولن يكون كأقرانه قادراً على الحديث أو التعبير عن ذاته.

هكذا ينظرون إلى المطر في طقوسهم، رغم فرحتهم العارمة به، ورغم أهازيجهم التي ينشدونها في حضرته، إلا أن هناك خوفاً منه، يوازي حالة الفرح به حضوراً وافتتاناً، «كفرحة الوليد إذا خاف من المطر» كنّا نعتقد مع السيّاب أن خوف الوليد من المطر هو الطاغي، غير أن الموروث يقول إن خوف الأم هو الأكثر تجلياً ووضوحاً، فالسيّاب عبّر عن طفل، والمعتقد قال كلمة أخرى.

ويهطل المطر في موسمه وغير مواسمه، يزيح عن كواهلنا التعب، يغسل أرواحنا من وعثاء الحياة، يمنحنا الفرصة الحقيقية لنكون نحنُ دون تصنّع، أو مماهاةٍ لما قد لا يحدث. للمطر أغنياته، وله قصائده وشعراؤه، كما له ألحانه التي تُطرب القلوب، فتنتعش، للمطر هالة من وهج، تحيلُ الحياة إلى بهاء.

عندما يستيقظ الصباح، وتشق الشمس أستار السماء، وتتوسط كبد الضوء، يبدو ماء السماء كسلاسل فضة تتلألأ فتضفي على النهار فتنة الحالة، وهالة المشهد الطالع من درٍّ نضيد، الصاعد نحو غصون الشجر، الطائر على جناح عصفور صغير ملوّن الريش، ساحر العزف والغناء.

للنخل في حضرة المطر عرسٌ وابتهاج، تغتسل بقطراته لتبرق العذوق المنتظرة القطاف، بعد حينٍ عندما يقترب الموعد ستغدو الفصول صيفَ حب منتظر رغم صهد اللحظة، وقسوة الصحراء، وحرارة الأجواء.

احتفالية المطر خاصة بنا نحنُ، أهلَ الخليج، الذين عبرنا المحيطات والبحار، وغنّى أجدادنا للمطر، وغزلت جداتنا من «نفّاته» أغلى الكلمات.

ويهطل المطر.

[email protected]