عادي

عودة وولفويتز وسيناريوهات المواجهة القادمة

01:29 صباحا
قراءة 5 دقائق
منذ ثلاثين عاما اشترك بول وولفويتز في كل المكاتب المدنية للبنتاجون، مفكر لامع تلميذ ليو شتراوس أبو المحافظين الجدد، استطاع أن يصنع من امتداد الحرب تبريرا لديمقراطية السوق، أخذ لنفسه تخصصا مفاده اختراع التهديدات الوهمية لتبرير مغامرات جديدة، ابتكر نظرية التدخلات الوقائية والترهيبية ضد المنافسين البارزين، لا يتوانى عن التكتيك العسكري ليفرض تصوراته على الضباط الميدانيين.هكذا وصف الكاتب الفرنسي Paul Labrique من اللوموند ديبلوماتيك الفرنسية أبعاد شخصية بول وولفويتز، صقر المحافظين الجدد الذي خرج من باب البنتاجون وتاليًا من البنك الدولي بفضائح جسام ليعود لاحقا إلى وزارة الخارجية في موقع حساس، يثير الهواجس ويخلف الظنون ويطرح تساؤلات من عينة لماذا هذا التعيين؟للحق فإن السجل الفضائحي لبول وولفويتز لا يزال عالقا في أذهان الناس من عرب وعجم، ذلك بأنه مهندس غزو العراق والرجل الثاني في وزارة الدفاع في عهد رامسفيلد، وهو ذاته الخارج من وزارة الدفاع الأمريكية في أعقاب فضيحة اتهام لاري فرانكلين، العامل تحت إمرة مرؤوسه والرجل الثالث وقتها في الوزارة، دوجلاس فيث بالتجسس لمصلحة إسرائيل وتسليم مستندات فائقة السرية لعملاء ايباك عن الإعداد للمواجهة مع إيران. ثم كانت فضيحة خروجه من البنك الدولي بعد قصته مع صديقته شاها، والتي خرق القواعد الوظيفية في المؤسسة الدولية لمصلحتها رافعا راتبها وناقلا إياها إلى وزارة الخارجية.ويطول الحديث عن السجل الفضائحي للرجل مما يجعل خبر تعيينه رئيسا للهيئة الاستشارية للأمن الدولي في الخارجية الأمريكية صدمة للقاصي والداني.ولعل قرار تعيينه يطرح تساؤلات عن تلك الهيئة وأهميتها، ودلالة تلك العودة والأهداف التي قد تتستر وراءها، وتحمل على التفكير ربما في جولة أخيرة لرئيس الحرب عنده كما الولادة عند المرأة.أما عن الهيئة فتمثل منحنى حساسا في ما يخص قضايا استراتيجية دولية، مثل مراقبة الأسلحة ومنع انتشارها ونزعها والعديد من الملفات السرية عن مسائل أمنية وعسكرية ودبلوماسية دولية عامة.وتضم الهيئة ثمانية عشر عضوا غالبيتهم قادمون من خلفيات استخبارية، مما يجعلها جسرا وقنطرة بين الخارجية ووزارة الدفاع وأجهزة المخابرات الأمريكية، وتجتمع مرة كل ثلاثة أشهر لتقديم آرائها الاستشارية لرايس ونائبها نيجروبونتي.وتتضح أهمية، بل وخطورة الهيئة من منطلق أنها تمتلك حق الوصول إلى كافة المعلومات التي ترغب في الاطلاع عليها في كافة الوزارات والإدارات الأمريكية مثل مكتب التحقيقات الاتحادية FBI أو المخابرات المركزية الأمريكية CIA.والشاهد أن عودة وولفويتز تتجاوز خطوط المعقول أو المقبول في إدارة عقائدية لا يعرف أحد من يوجهها ولا ما إذا كانت تلك العودة للرجل خياراً حراً لرايس أم واقع حال فرض عليها من قبل تلك الأيادي الخفية التي تلاعبت، ولا تزال بإدارة بوش.وعند عدد كبير من المراقبين للشأن الأمريكي تثور المخاوف من أن يكون منصب وولفويتز الجديد المقدمة الطبيعية لإعداد ملف الاتهام لإيران أو سوريا، ذلك الذي يسبق الحرب البوشية الأخيرة التي تسعى للتسلط عليه قبل نهاية ولايته، ولاسيما أن الرجل تسبقه سمعته في هذا السياق، فهو الخبير في اختراع التهديدات ولم يكن ملفه عن أسلحة العراق للدمار الشامل أولها، فهو ينتمي إلى من يمكن تسميتهم الخبراء المخوفين الجاهز دوما عندما يتعلق الأمر بتضخيم، وحتى صناعة تهديد ما لأجل رفع الميزانية العسكرية، ذلك انه منذ سبعينات القرن الماضي انضم وولفويتز إلى مكتب الاستعلامات المركزية لأجل تقدير التهديدات السوفييتية، وكان أداة طبيعية في يد رجال المعسكر الصناعي الأمريكي الحاكم الفعلي في البلاد باعتراف الرئيس دوايت ايزنهاور.والتساؤل: هل لهذه العودة علاقة بتضخيم قادم للمخاوف من برنامج إيران النووي على سبيل المثال في مواجهة انقلاب الاستخبارات الأمريكية الأخير على بوش، مما يدفع الأمر للمواجهة التي تخدم أرباب وولفويتز الحقيقيين؟والأمر الآخر الذي يثير قلقا مستقرا ومستمرا عن العرب هو أن العائد من الفضائح رجل له أطروحات خبيثة تتعلق بخطة لتدمير منظمة أوبك، والحديث هنا للبروفيسور جوان كول أستاذ تاريخ الشرق الحديث بجامعة ميتشجان الأمريكية، والذي يشير في أكثر من مقام ومقال إلى رغبات قلب وولفويتز التي أعلنها جهرا وسرا بشأن تحويل البلاد العربية من الغنى إلى الفقر وإرجاعها ثانية إلى مستويات حياة متدنية، وذلك عن طريق استخدام النفط العراقي لتدمير مجموعة أوبك عبر رفع مستوى الإنتاج بشكل ضخم يفوق حصص المنظمة.ووفقا لما أشار إليه الصحافي الأمريكي جريج بالاست في برنامج بي بي سي نيوز نايت فإن المحافظين الجدد في شراكتهم مع المجمع العسكري الصناعي وكارتلات النفط الأمريكية وكذلك وزارة الدفاع كانوا قد خططوا لخصخصة صناعة النفط العراقية كجزء رئيسي من مشروعهم في العراق، حيث كانوا يأملون في أن تتمكن صناعة النفط العراقية الخاصة، والتي من المفترض أن تكون مملوكة لشركات نفط أمريكية كبرى من الانفصال عن منظمة أوبك وضخ كميات من النفط بعيدا عن القيود التي تفرضها المنظمة على حصص النفط الخاصة بالدول المشاركة فيها.وفي ضوء الارتفاع غير المسبوق لأسعار النفط الأمر الذي يؤثر في مقدرات القرن الأمريكي، والذي كان وولفويتز احد منظريه يمكن الركون وبثقة إلى القول بدور خفي تتجلى في الأفق النفطي ملامحه في منصبه الجديد. ويبقى أخيرا ذلك البعد القديم الجديد عن المستفيد الحقيقي من رئاسة وولفويتز للهيئة الاستشارية للأمن الدولي، والحديث هنا عن إسرائيل والتي لها مصلحة استراتيجية في الخلاص من النظام الحاكم في إيران من جهة، وتركيع سوريا من ناحية أخرى، للضغوط والشروط الإسرائيلية بما يتعارض والسيادة السورية سيما في الجولان المحتل، ولهذا كانت المخاوف من أن يكون الصديق الصدوق لتل أبيب في طريقه لإعداد أوراق الاتهام لسوريا من جديد، وهو أمر تعززه كثير من الروابط والشواهد والحكايا التي يضيق المكان عن سردها والخاصة بعلاقة وولفويتز ب إسرائيل، التي تعيش أخته فيها والتي ينتمي إليها روحيا، إذ لا ينسى دوما وأبدا انه ابن ياكوف وولفويتز اليهودي البولوني من مواليد فاروسوفيا، ذلك الصهيوني الواثق والذي كان مجندا من قبل تنظيمات معارضة للقمع السوفييتي ضد الأقليات والمنشقين.عودة وولفويتز المستقيل فجأة من البنتاجون، في ما عكس وقتها وجود صفقة أبرمت مع وزارة العدل لإعفائه من تحقيق علاقته بالتجسس الإسرائيلي على أمريكا، يعني أمرا واحدا وهو أن الحصار الإسرائيلي على المؤسسات الأمريكية ماض قدما من وزارة الدفاع إلى مؤسسة الخارجية في درب تأمين مملكة إسرائيل، ذلك الهدف الذي عمل عليه ورفاقه منذ البداية وأسبغ عليه بوش اعترافا رسميا بيهودية الدولة العبرية، وتبقى الليالي حبلى بالمفاجآت في شأن السيناريوهات التصادمية، التي يمكن أن يقودها وولفويتز بوصفه مفكر الشر المرغوب من رايس في مواجهة ما تبقى من دول محور الشر، كما رآها ولا يزال رئيس قسّم العالم تقسيما مانويا لا يستقيم بين معسكرين، أولهما خير خالص وثانيهما شر مطلق.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"