عادي

متى تعود العلاقات المصرية - الإيرانية؟

01:36 صباحا
قراءة 5 دقائق
تصاعدت، في الآونة الأخيرة، وتيرة الاتصالات بين طهران والقاهرة، لتحريك المياه الراكدة في العلاقات الثنائية، والتي تتسم بالتوتر، باستثناء سنوات معدودة، على الرغم من خصوصية العلاقات، ولاسيما بالمعايير الدبلوماسية، والتي تمثل واحدة من أكثر العلاقات الدبلوماسية قدماً في التاريخ الحديث، حيث يعود التمثيل الدبلوماسي بين البلدين إلى عام ،1856 وهو تاريخ افتتاح أول مكتب لتمثيل المصالح الإيرانية في القاهرة، وما وصلته من تعزيز وارتقاء في العشرينات من القرن الفائت، وبالتحديد في عام ،1928 حيث وصلت إلى التطبيع الكامل، بتوقيع البلدين معاهدة مودة وصداقة، وانعكاسات المصاهرة والزواج الملكي (الشاه محمد رضا والأميرة فوزية) على نمو العلاقات، خاصة التجارية.من المفارقات الصارخة، أن مصر تكاد تكون الدولة العربية الإسلامية الوحيدة التي ليست لها علاقات دبلوماسية كاملة مع إيران. ومما له صلة، فقد شهدت هذه العلاقات حالة القطيعة التامة، مرتين: أولاهما، في أعقاب تداعيات ثورة يوليو/تموز ،1952 وتحولاتها الجذرية الثورية، الداخلية والخارجية، وبدايات التدخل الأمريكي المباشر في المنطقة، وبروز سياسة الأحلاف، واندراج إيران الشاه ضمن المشروع الغربي، حيث دخلت العلاقات في مرحلة فتور شديدة، خاصة عام ،1955 على خلفية تشكيل حلف بغداد، ووصل التوتر ذروته عام ،1960 وقطع عبدالناصر للعلاقات مع إيران، بعد معارضتها للوحدة المصرية السورية، واعتراف إيران ب إسرائيل. وقد عادت العلاقات في أغسطس/آب،1970 أي قبل شهر واحد من وفاة عبدالناصر. وثانيتهما، بعد توقيع مصر معاهدة كامب ديفيد مع إسرائيل، عام ،1979 والتي أعقبت سقوط نظام الشاه في إيران، وقيام نظام الجمهورية الإسلامية، واستضافة مصر للشاه المخلوع، والإبقاء على مكتب لرعاية المصالح للبلدين لدى الآخر.وعلى الرغم من إدراك حقيقة أن إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة، على مستوى السفراء، ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة أساسية مساعدة على تطوير مجمل العلاقات، وفتح جميع القنوات المسدودة التي تعوق سبل التواصل والحوار، رسمياً وشعبياً، علماً بأن فتح قنوات الحوار لا يعني بالضرورة تطابق المصالح بين الدولتين، أو حتى تقارب وجهات النظر حول كل القضايا الإقليمية والدولية المختلف عليها.وتكمن أهمية تكثيف الاتصالات وزيارة المسؤولين الإيرانيين في الأشهر الأخيرة، في أعقاب الإعلان عن بدء محادثات بين البلدين بهدف معاودة العلاقات الكاملة بينهما، في سياق ما تبديه إيران، من حين إلى آخر، من إشارات إيجابية، بخصوص استئناف العلاقات، في خصوصية التوقيت، والتطورات الإقليمية، والتشدد في التهديدات الأمريكية لإيران، بسبب عدم الامتثال للشروط الأمريكية، بالنسبة لبرنامجها النووي، والتوتر الحادث والمتفاعل في العلاقات المصرية الأمريكية، خاصة رفض أي عمل عسكري ضد إيران، بسبب طموحاتها وبرنامجها النووي، لما يمكن أن يترتب عليه من تهديدات وتوترات للمنطقة، ووجوب حل أي خلاف عبر الحوار وسلمياً، مع الإقرار بحق كافة الدول في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية. ومما له صلة، تتبدى دلالة التصريحات الإيرانية، خاصة تصريح وزير خارجيتها، منوشهر متكي، حول أن تطوير العلاقات الثنائية بات قريباً، وتنتظر من مصر إشارة بهذا الشأن، وتكرار القاهرة أن الأمر لا يزال يتوقف على قيام طهران بخطوات معينة مطلوبة منها لتسهيل ذلك، حيث تبدي القاهرة تفهماً كبيراً لأهمية العلاقات، وتتطلع أن تحل إيران العقد والمسائل الباقية، ذات العلاقة. إضافة، إلى زيارة مساعد وزير الخارجية الإيراني لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، الأخيرة للقاهرة، في أعقاب الاتصال الهاتفي، غير المسبوق، الذي تلقاه الرئيس مبارك، من نظيره الإيراني، على خلفية استكشاف سبل تعاون الجانب الإيراني والتنسيق مع مصر لتقديم بعض المساعدات والمعونات للفلسطينيين في قطاع غزة، وترحيب القاهرة بذلك، وزيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني حداد عادل واجتماعه مع مبارك، الذي أيد التعاون مع بلاده في المجالات المختلفة، ونفى الزائر الإيراني أن يكون لبلاده أي دور في الأحداث التي وقعت على الحدود المصرية مع قطاع غزة، وأن التعاون الثنائي يثري الملفات الإقليمية الساخنة، في فلسطين والعراق ولبنان، ورفض الاعتداءات والاختلافات المذهبية والطائفية الموجودة بالمنطقة، والتنديد بها، وبمقدوره تحقيق السلام والاستقرار في هذه البلدان، وهو ما أكده أيضاً، كبير مستشاري القائد الأعلى للجمهورية الاسلامية الايرانية، بعد لقاء مبارك، وأهمية تقرير تكثيف تبادل الزيارات بين الوفود خلال الفترة المقبلة،للإسهام في توسيع نطاق التنسيق والتشاور تجاه القضايا الإقليمية المختلفة، بما يؤدي إلى تنمية ونقل العلاقات السياسية بين البلدين، إلى مستوى أعلى، في ضوء الرضا عن التطور الجاري في العلاقات الاقتصادية.وتبدو عدم منطقية استمرار أسباب حالة التوتر في العلاقات الثنائية، بالتناقض والتصادم المباشر مع حقيقة وجود قناعة بين الطرفين، بوجود منافع ومصالح متبادلة، تشجع على تطوير هذه العلاقات، وتصويب مسارها، عطفاً على وجود مخاطر وتهديدات وتحديات مشتركة، تحفز أيضاً على الإسراع في هذا التطوير، بدلاً من الركون إلى الوضعية الراهنة بين بلدين إسلاميين كبيرين، تجمعهما روابط ووشائج قوية، يجب عدم التفريط فيها، وحاجتهما لمزيد من التنسيق للوجود المنسجم، والأكثر فاعلية في الساحات الإقليمية والدولية. وحتى لا تتبدد الآمال حين يبدو فيها أن الإعلان عن عودة العلاقات الدبلوماسية، أو بالأحرى التقارب الثنائي، قاب قوسين أو أدنى، ثم فجأة يفتر الحديث عن تطبيع العلاقات، وتعود التصريحات القلقة والمتحفظة، وتشتد التدخلات الخارجية، لإفساد تحسن العلاقات، وجعله بعيد المنال، ولحل هذا اللغز المحير، يتحتم الدخول، بكل شفافية وصراحة وعمق، في الخلافات الثنائية الثانوية، ومن بينها الجدارية المعلقة في أحد شوارع طهران، وتمجد خالد الإسلامبولي، قاتل الرئيس السادات، وتسليم عدد من المطلوبين المصريين أمنياً الموجودين في إيران، وولوج مرحلة الاتفاق حول طبيعة وحدود الدور الإقليمي لكل من البلدين، إزاء الملفات الإقليمية الراهنة، وتقريب ما أمكن، من وجهات النظر والرؤى والمصالح، بخصوص تنوع وتداخل القضايا الإقليمية، التي أضحى للدور الإيراني قول الفصل فيها، كقوة إقليمية كبرى، في ضوء الحقائق الجيو- استراتيجية، والتنسيق، عوضاً عن مواجهة الآخر، أو مسعى عزله وحرمانه من أية مكاسب إقليمية يسعى للحصول عليها، أو الاستبعاد من خريطة التفاعلات والارتباطات متعددة الجوانب في المنطقة، وأهمية الوصول إلى حلول خلاقة للتحديات التي تعوق تطبيع العلاقات في المجالات المختلفة، والبعد عن منطق رد الفعل والتصرفات والمواقف الموسمية، والتخلص من رواسب النظرة والمنطلق العقيدي الأيديولوجي الرسمي الذي كانت تتبعه الحكومات الإيرانية المتعاقبة، إزاء الحكومة المصرية، وعدم وضع شروط تعجيزية تبريرية لإدامة الحالة الصراعية، من قبل الدوائر المتشددة، وأهمية أن يكون هذا التطبيع مدخلا لتدارس تشكيل محور قوامه مصر والسعودية وإيران، وما يمكن أن تكون نتائجه على مستقبل المنطقة، وقبل فوات الأوان. * باحث وكاتب سياسي - مصر[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"