عادي
اتجاهات حمائية تتنامى في الأوساط الاقتصادية والسياسية

اليابان تدعم تمدد شركاتها للخارج وتحدّ من الاستثمار الأجنبي

04:39 صباحا
قراءة 9 دقائق

مع تصاعد القلق بشأن صناديق الثروة السيادية وسعي المستثمرين النشطين لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل، بدأت الحكومة والقطاع الخاص في اليابان تحركات للحد من التملك الأجنبي لحصص في الشركات اليابانية عندما وقف تاكاو كيتاباتا المسؤول الأول في وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة ليتحدث أمام 130 رجل أعمال في يناير/ كانون الثاني الماضي عن البيئة المتغيرة التي تواجه الشركات اليابانية، لم يتصور الاضطراب الذي ستحدثه كلماته .

وتقول فاينانشيال تايمز ان كيتاباتا كان يتحدث عن الحاجة الى ان تتكيف الشركات اليابانية مع التغييرات الواسعة النطاق التي يشهدها الاقتصاد العالمي . ولكن حديثه عن ضرورة أن تتمكن الشركات من اختيار حملة أسهم وصفهم بعدم المسؤولية والجشع لا يزال يحدث تداعيات في الدوائر الاستثمارية وتثير مخاوف بشأن تحول نحو الانعزالية والحمائية في اليابان .

لأن الحديث جاء في أعقاب سلسلة تحركات من الحكومة والقطاع الخاص بدت مصممة لتثبيط الاستثمار الأجنبي، فإن ازدراء كيتاباتا الواضح بحملة الأسهم أكد ما كان كثيرون يرتابون في حدوثه وهو أن اليابان لا ترحب بالمستثمرين الأجانب ووسائلهم الرأسمالية المتهورة، وقد دفعت تصريحات كيتاباتا المستثمرين الأجانب الى التساؤل عما اذا كانوا يريدون الحضور الى اليابان . وقال مدير صندوق تحوط أوروبي إن تلك التصريحات أدت الى تنفير المستثمرين الأجانب وأسهمت في انخفاض قياسي للأسعار في سوق الأسهم بطوكيو خلال يوم واحد .

وكانت اليابان عرضة في كثير من الأحيان لاتهامات بتطبيق الحمائية . وفي القرن السابع عشر، أغلقت اليابان أبوابها عملياً أمام الأجانب وسمحت باتصال محدود فقط مع التجار الهولنديين . واستمر الوضع على ذلك النحو الى ان وصل العميد البحري الأمريكي ماثيو بيري على رأس مجموعة سفنه السوداء الى خليج طوكيو في عام 1853 في استعراض للقوة جعل اليابان تفتح أبوابها وتقبل العالم الواقع وراء شواطئها .

وخلال السنوات الأولى من تحديث اليابان حمت الحكومة الصناعات التي رأت انها شديدة الأهمية للتنمية الاقتصادية ومن بينها صناعة الفولاذ والسيارات والبتروكيماويات . وعلى الرغم من انها وقعت الاتفاقية العامة للتصرفات والتجارة (جات) في عام ،1995 إلا أن اليابان خاضت على نحو متكرر معارك مع شركائها التجاريين بشأن دخول منتجات لأسواقها بدءاً من البرتقال الأمريكي وحتى بوالص التأمين .

ولكن، ومع ازدياد نسبة الملكية الأجنبية للشركات المدرجة على بورصة طوكيو للأسهم الى 28 في المائة، وهي نسبة قياسية، بدا أن ما يسمى بالمثلث الحديدي الذي يضم السياسيين وكبار مسؤولي الخدمة المدنية وأقطاب الصناعة مصمم مجدداً على حماية اليابان من القوى الأجنبية الشريرة، طبقاً لقول احد مسؤولي البنوك الغربيين .

ويعلق آلان سميث رئيس غرفة التجارة الأمريكية في اليابان حول هذه الظاهرة بقوله ان بعض الحوادث أثار مخاوف من ان تصبح اليابان أكثر حمائية .

وخلال الشهور القليلة الماضية، رفعت وزارة الأراضي والبنية التحتية والمواصلات راية الحمائية بدعوتها الى فرض قيود على الملكية الأجنبية للمطارات اليابانية . وتأتي هذه الخطة في أعقاب شراء بنك ماكواري الاسترالي لحوالي 20 في المائة في شركة يجري تداول أسهمها في سوق مفتوحة تملك مبنى الصالات بمطار هانيدا في طوكيو .

ويقول المنتقدون ان هذه الخطوة غير ضرورية بما ان الحكومة لا تزال تملك المدرجات والبنية التحتية الأخرى ولا تزال هناك طرق أخرى لحماية الأمن القومي . ولكن الوزارة تقول إن هناك مخاوف من ان لا يتصرف المستثمرون الأجانب وفقاً لسياسة الحكومة عند حدوث أزمة وربما لا يستثمرون بشكل كاف في البنية التحتية .

وفي العام الماضي، مددت الحكومة قائمتها المتضمنة قطاعات ينبغي حظر امتلاك المستثمرين الأجانب أكثر من 10 في المائة فيها لدواع تتعلق بالأمن القومي . ومددت وزارة التجارة مؤخرا فترة مراجعتها لطلب تقدم به صندوق الاطفال للاستثمار، وهو صندوق تحوط مقره في بريطانيا، لزيادة حصته في جيه باور، وهي شركة لبيع الكهرباء بالجملة . وقد دفعت تلك الخطوة من جانب الوزارة البعض الى القول ان الحكومة تسعى لإيجاد مبررات لرفض طلب الصندوق .

وفي الوقت ذاته، انهمكت الشركات اليابانية في بناء دفاعاتها ضد عمليات التوغل الأجنبية . وقد تبنى أكثر من 400 شركة مدرجة في بورصة الأسهم تدابير مضادة لعمليات الاستحواذ ستؤدي في حال تطبيقها الى خفض حصة أي مشتر غير مرغوب به .

وتزداد عمليات الحيازة المتقاطعة، بهدف ايجاد متراس ضد العروض الهجومية، بين الشركات وبنوكها وشركائها التجاريين . وينظر الى هذه النزعة على انها خطوة الى الوراء بما ان الحيازات المتقاطعة بين مجموعات كيرتسو الصناعية الكبرى (وكيرتسو هو ائتلاف شركات يابانية تسهم كل واحدة في رأسمال الأخرى) تراجع مؤخراً بدرجة كبيرة .

وبالنسبة لشركة نيبون ستيل، التي لم تخف خوفها من ان تستحوذ عليها شركة ارسيلورميتال، فقد اتخذت خطوة اضافية في حماية نفسها من عرض شراء محتمل من أكبر شركة لصناعة الفولاذ في العالم بحث 100 من شركائها التجاريين للانضمام لنادي ملكية أسهم سيشتري أسهمها في السوق في كل شهر .

وتتناقض هذه الخطوات مع التزام الحكومة بأن تضاعف نسبة الاستثمارات الأجنبية المباشرة الى اجمالي الناتج المحلي لتصبح 5 في المائة بحلول عام 2010 . وتبدو جهود جابان انك لرفع دفاعاتها نفاقية حيث انها تأتي في وقت تتصاعد فيه نشاطات الشركات اليابانية لإتمام عمليات استحواذ في الخارج . وقد اختارت بعض الشركات اليابانية ان تتقدم بعروض شراء هجومية كعرض الشراء الفاشل الذي تقدمت به شركة فوجيتسو لشراء شركة فرنسية تبيع خدمات التطبيق في العام الماضي وعرض شركة سوميتومو هيفي اندستري لشراء أكسيليس تكنولوجوجيز الأمريكية في الشهر الماضي .

وفي اليابان، أثارت نشاطات الشركات وسلطات الرقابة قلق المستثمرين الأجانب .

وخلال اجتماع عُقد مؤخرا ورعاه مركز لأبحاث القطاع الخاص، اقترح بعض الأعضاء تغيير قواعد الشركات للسماح لمجالس الإدارة لنزع حقوق التصويت من اي مساهم يملك حصة تزيد على 20 في المائة .

بيد أن الشركة اليابانية، في واقع الحال، ليست منيعة تماماً أمام الاستحواذ كما كانت في الماضي ويوجد الكثير من الشركات اليابانية التي يملكها أجانب . فشركة نيكوكورديال، وهي ثالث أكبر وسيط أسهم في اليابان، مملوكة حالياً بواسطة سيتيجروب في حين ان اثنتين من شركات صناعة السيارات اليابانية، وهما نيسان ومازدا، تسيطر عليهما رينو وفورد على التوالي .

ويملك المساهمون الأجانب معاً حصصاً كبيرة في عدد من أكثر الشركات اليابانية تنافسية بما في ذلك شركة ناينتندو، صانعة ألقاب الفيديو، وفانوك، شركة الروبوطات، وتصل نسبة الملكية الأجنبية في كل واحدة منهما الى 46% .

والأمر الذي أثار القلق في الدوائر الحكومية وشبه الذعر داخل قاعات مجالس ادارة الشركات في اليابان هو الحضور المتصاعد لأسماء أجنبية غير مألوفة في سجلات المساهمين في وقت أدى التراجع الحاد في أسعار الحصص اليابانية منذ بداية تسعينات القرن العشرين الى سهولة أكبر في الحصول على الهيمنة على الشركات اليابانية .

وكثير من مؤسسات الاستثمار هذه هي صناديق أجنبية تخشى معظم الإدارات ان تكون قد أتت الى البلاد لتحقيق أرباح قصيرة الأجل على حساب ثروات الشركات طويلة الأجل . وعلى سبيل المثال، استحوذ ستيل بارتنرز، وهو صندوق تحوط أمريكي على حصص ضخمة في علامات تجارية مألوفة . ويخوض صندوق الأطفال للاستثمار معركة حول سياسة الإدارة مع جيه باور التي يملك الصندوق فيها حصة تبلغ 9،9 في المائة .

وتمثل رد فعل الإدارت اليابانية في اللجوء الى تدابير الدفاع ضد الاستحواذ والتشبث بمواقفها . ويقول تاكاكي واكاسوجي، وهو مستشار بكلية روس لإدارة الأعمال في جامعة ميشيجان، ان هذا جزء فقط لأن الادارة اليابانية لا تثق بحملة الأسهم . وهناك رأي قوي يقول ان من الخطأ ان تصغي الادارة لحملة الأسهم وان ادارة الشركة تعرف مصلحة الشركة أفضل من غيرها، حسب ناوكي كامياما خبير الأسهم الاستراتيجي في مورجان ستانلي بطوكيو . ويقول كامياما انه نظراً الى نجاح اليابان الهائل في الماضي يصعب تغيير تلك العقلية .

وتواجه الشركات اليابانية ايضاً احتمال ان تجد بين العدد الضخم من حملة أسهمها صناديق ثروة سيادية ومستثمرين آخرين . ويرى مارك جولدشتاين، عضو مجلس الإدارة الممثل في ريسمتريكس، وهي شركة خاصة بخدمات المساهمين بطوكيو، ان الشركات اليابانية تدرك ان هناك شركات تزداد قوتها باطراد من دول لديها طلب كبير على الموارد والتكنولوجيا والوصول الى العلاقات التجارية وهو ما يمكن لشركة يابانية ان توفره لها، وتخشى الشركات اليابانية، برأيه، من أن يكون عرضة لاستحواذ نفعي .

ويقول سكوت كالون الرئيس التنفيذي ل ايشيجاو أسيت مانجمنت إن الشركات اليابانية تخشى من أن ينقض شخص ويستحوذ على الشركة ويتعامل معها كأصل بدلاً من النظر إليها ككيان اجتماعي وأن يبيعها بعد ذلك .

وهذا الخوف واضح في رد فعل شركات صناعة الفولاذ اليابانية وسلطة الرقابة ازاء استحواذ ميتال على آرسيلور في العام الماضي . فقد لجأت نيبون ستيل وجيه اف ئي وشركات أخرى إلى الخيار المسمى حبة السم وزادت الحيازات المتقاطعة في بعضها بعضاً في حين أعلن كيتاباتا في وزارة التجارة والصناعة أصولاً أن الحكومة ستحمي صناعة الفولاذ مهما كانت التكاليف .

ويقول المنتقدون إن هذا الشعور الحمائي يعكس خوفاً غير عقلاني . ويشبه واكاسوجي الخوف الياباني من الملكية الأجنبية بالمزاج الذي ساد عقب الحرب العالمية الثانية عندما راجت شائعات تقول إن نزول الجنود الأمريكيين سيؤدي إلى عمليات اغتصاب وقتل جماعي . ويضيف أن الكثيرين من المديرين اليابانيين أسرى الخوف من المجهول .

وتقوم المؤسسة التجارية بمحاولات لإيقاف تحرير عمليات الإندماج الثلاثية التي تنشئ بموجبها شركة ما شركة تابعة لتضطلع بهدف مستخدمة اسمها بدلاً من الأموال النقدية . ومنذ العام الماضي يمكن للمشترين الأجانب والمحليين على حد سواء استخدام هذه الاندماجات الثلاثية .

بيد أن المراقبين الأجانب يقولون إن استخدام هذا البرنامج أصبح صعباً بعد ضغوط من المؤسسة التجارية التي سيطر عليها القلق من احتمال أن يؤدي تحرير الاندماجات الثلاثية للشركات الأجنبية إلى اطلاق موجة من عمليات الاستحواذ الهجومية على الرغم من أن عمليات الاندماج المذكورة تتطلب موافقة مجلس إدارة الشركة المستهدفة .

وينفي كبار مسؤولي الخدمة المدنية وقادة الأعمال أن الحمائية تزداد . ويقول هيروكي نيهارا مدير قسم أنظمة الشركات بوزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة إنهم لا يقفون ضد الاستثمار الأجنبي وإنهم لا يتعاملون مع رأس المال على أساس الجنسية . ويؤكد أنهم يجيزون في كل يوم طلبات من شركات تريد أن تستثمر في القطاعات الخاضعة للرقابة وأنهم لم يرفضوا طلباً واحداً حتى الآن .

ويرى ماساكازو كوبوتا المدير الإداري لكاليدانرين وهي مجموعة ضغط تجارية نافذة أن الأمر يتعلق بسوء فهم وينفي أن اليابان دولة حمائية، ويضيف أن اليابان بلد يستغرق وقتاً لكي ينجز الأشياء، وبالتالي فإن اليابان ليست حمائية بل إنها أكثر انفتاحاً أمام المستثمرين الذين ينتهجون الأسلوب الطويل الأجل، وأن السوق اليابانية تتعامل بتشدد مع كل من يأتي لتحقيق ربح سريع .

وعلى الرغم من ذلك، ومع أن الموجة الأخيرة من الحمائية قد لا تكون ناتجة عن رهاب الأجانب، إلا أنها تعكس بوضوح تراجعاً ضد المستثمرين الأجانب وقوى رأسمالية السوق التي يجلبونها لليابان . ويقول جاري ايفانز الخبير الاستراتيجي في بنك اتش اس بي سي إن هناك جدلاً حاداً بشأن الاتجاه الذي ينبغي على اليابان أن تسلكه، وما إذا كان يتعين عليها أن تصبح اقتصاداً رأسمالياً على النمط الأمريكي بدرجة أكبر أم أن عليها إقامة حواجز وأن تمنع الاستثمار الأجنبي والهجرة وتسمح للشركات بأن تستمر في نهجها الأبوي .

ولم يتم حسم الجدل المذكور بعد . ومع ازدياد قوة الخطاب الحمائي أثار معارضة قوية من الأكاديميين والسياسيين ذوي الميول الإصلاحية، وحتى من بعض قادة الأعمال الذين حذروا من أن اليابان تبعث بالرسالة الخطأ للدول الأخرى .

وقد عارض وزير الخدمات المالية يوشيمي واتانابي بقوة التحركات الرامية لتقييد الاستثمار الأجنبي في المطارات . ووصف تلك التحركات بأنها النعزالية . ويمثل تاكاتوشي ايتو الأستاذ بجامعة طوكيو والعضو في مجلس رئيس الوزراء للسياسة المالية والاقتصادية منتقداً آخر لتلك الخطوات الحمائية، ويوضح أن خطة الحمائية هذه تسير عكس جهود الحكومة الرامية لفتح أسواق رأس المال اليابانية . وبسبب هذه المعارضة وهذه الانتقادات تأجل اتخاذ قرار حول الخطة .

وعلى الرغم من ذلك، يبدو على اليابان أنها تميل في الوقت الحاضر بدرجة أكبر نحو تأكيد استقرار نظامها القديم على حساب النمو الذي يتيحه انفتاح أكبر أمام الاستثمار الأجنبي وقبول بضوابط رأسمالية المساهمين .

ويقول مسؤول حكومي أمريكي سابق، لديه خبرة ربع قرن من العمل في اليابان، إن الخطر يتمثل في أن تلك الانعزالية تهدد بتقييد القوى التنافسية التي تحتاج اليابان الهرمة إلى تنميتها . ويضيف أن الكثيرين من اليابانيين على ما يبدو يتوقون للأيام التي يستطيعون فيها الانغلاق في بلادهم أمام العالم الخارجي . بيد أن المسؤول الأمريكي يؤكد أن هؤلاء اليابانيين ليسوا في غنى عن رياح التنافس الدولي الباردة داخل بلادهم .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"