تعاظمت أهمية البعد الاقتصادي في العلاقات العربية الصينية في السنين الأخيرة، ومما يعزز من محورية التعاون الاقتصادي والتقني في علاقات الطرفين العناصر التكاملية في اقتصادات الجانبين إن مجال العلاقات الاقتصادية والتقنية العربية الصينية متشعب بشكل كبير، ويشمل قطاعات التعاون في مجال النفط والتجارة السلعية، والمقاولات والعمالة والاستثمار، والتعاون في مجال السياحة . وتمتلك الصين العناصر الرئيسية الثلاثة المطلوبة للتقدم التكنولوجي، وهي: الكفاءات البشرية المؤهلة، الإرادة السياسية والشعبية لتحقيق التقدم والظروف الاقتصادية المناسبة التي توفر للبحث العلمي والتكنولوجي الإمكانات المادية المطلوبة .
ويرى عدنان قصار رئيس مجلس الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة للبلاد العربية أن كل المؤشرات المتاحة عن الصين تدل على أن العالم أمام نجم صاعد، سيفرض نفسه بجدارة على الساحة الاقتصادية الدولية بقوة . فقد حققت الصين سجلاً مقنعاً من النمو القوي الذي يتجاوز 10% سنوياً خلال السنوات الأخيرة، المصحوب بتنمية اقتصادية سريعة وكفاءة عالية ومعدلات تضخم متدنية وقوة تصديرية كبيرة جداً واحتياطي كبير من العملات يتجاوز حالياً التريليون دولار أمريكي .
هذه الإنجازات الاقتصادية البارزة تأتي في سياق الإجراءات الإصلاحية والانفتاحية التي تقوم بها الحكومة الصينية والتي أمنت للصين دخولاً ناجحاً إلى منظمة التجارة العالمية، والتي تجعل الصين منطقة جاذبة للاستثمارات الخارجية .
ومن ناحية أخرى، فإن العالم العربي يمتلك طاقات وإمكانات كبيرة على كافة الصعد، ولاسيّما على الصعيد الاقتصادي . فالسوق العربي يضم اليوم أكثر من 310 ملايين مستهلك، يمثلون نحو 8 .4% من إجمالي سكان العالم ومساحة بلدانهم تشكل نحو 15% من إجمالي مساحة العالم . ويزيد ناتج الوطن العربي الإجمالي على تريليون دولار أمريكي، ويمتلك 60% من إجمالي احتياطيات النفط العالمية و35% من احتياطيات الغاز الطبيعي الدولية .
وفي الوقت نفسه تقوم في الدول العربية نهضة اقتصادية منذ أكثر من عامين ونصف العام نظراً لارتفاع أسعار البترول ووجود فوائض مالية للاستثمار داخلياً وفي الخارج، ولا شك في أن قيام منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى والتحركات الجارية حالياً للانتقال إلى مرحلة بناء اتحاد جمركي عربي يتيح المجال لإقامة مشاريع إنتاجية كبيرة تلبي احتياجات الدول العربية في ميادين الصناعة والزراعة والبنيات الأساسية .
ودخلت علاقات التعاون بين الصين والدول العربية خلال السنوات القليلة الماضية في مرحلة جديدة تؤسس لتكريس شراكة استراتيجية واعدة . لكن النجاح في ذلك يعتمد على مدى ارتباط الشراكة بالاحتياجات التنموية للجانبين، بما فيه خصوصيات أوضاع الدول العربية وحاجتها الأساسية إلى بناء علاقات مع شركائها الاستراتيجيين تدعم مسارها إلى التكامل الاقتصادي والاجتماعي .
من هنا أهمية وضرورة أن تنمو العلاقات الصينية العربية في إطار استراتيجية تعاون أكثر تماسكاً ووضوحاً لتحقيق الأهداف المشتركة بين الصين والدول العربية . فهناك الكثير من المجالات والفرص التكاملية الحيوية في المحاور الرأسمالية والتكنولوجية، كما في الموارد الطبيعية وفي الأسواق . ومن المتوقع أن يكون النفط عاملاً أساسياً في تحديد استراتيجية اقتصاد الصين في المستقبل التي تعتبر ثاني أكبر مستهلك له في العالم، إضافة إلى احتياجاتها المتصاعدة لمشتقات النفط من البتروكيماويات . وهذا ما يستدعي اعتماد توجه جديد من قبل الصين نحو الدول العربية لتنمية نوع من الشراكة الاستراتيجية في مجال التعاون في تطوير مصادر الطاقة وكافة المجالات الأخرى .
وقال الدكتور الياس غنطوس الأمين العام للاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة للبلاد العربية خلال افتتاح الاجتماع السادس لمجلس إدارة الغرفة التجارية العربية الصينية إن هناك عدداً من العوامل التي تتيح فرصاً طيبة للتعاون العربي الصيني الاقتصادي والتكنولوجي، ومن ذلك الأمور التالية:
أولاً: إن المنطقة العربية، باتت ذات أهمية خاصة في سياسة الصين الخارجية، مع زيادة قوة الصين وارتفاع مكانتها الدولية وامتداد مصالحها إلى خارج حدودها . فالمنطقة العربية تمثل جزءاً من استراتيجية الجوار الموسع الصينية؛ إضافة إلى أهمية بترول المنطقة العربية في أمن الطاقة الصيني؛ وأهمية الصين والسوق الصينية ذاتها للبترول العربي، وفوق هذا وذاك تمثل الدول العربية مورداً سياسياً يمكن أن تستفيد منه الصين على الساحة الدولية، وبالمقابل توفر العلاقات الوثيقة مع الصين سندا دوليا للدول العربية .
ثانياً: إن الصين توفر مقصدا جيدا للاستثمارات العربية ، خاصة مع البيئة الاستثمارية الجيدة في الصين، ومن جانب آخر فإن الدول العربية بما لديها من خطط تنموية طموحة وبرامج لتشجيع الاستثمار يمكن أن تكون وجهة جاذبة للاستثمار الصيني على نطاق أكبر من الواقع الحالي .
ثالثاً: من الممكن إقامة مشروعات اقتصادية ناجحة بمشاركة الخبرات التكنولوجية الصينية ورأس المال العربي، والخبرات الاستثمارية العربية تؤدي إلى زيادة التراكم الرأسمالي لاقتصاديات الدول العربية والصين، حيث توجد مجالات استثمارية وفرص واعدة لدى الطرفين في قطاعات متعددة .
غير أن التعاون العربي الصيني في مجال الاقتصاد والتكنولوجيا يواجه جملة من التحديات، من أبرزها:
* أنه يحتاج إلى كثير من الجهد للتعرف إلى إمكانات كل طرف . كما أن الصين في تعاونها الاقتصادي مع المنطقة العربية تنظر إليها كسوق كبيرة لبضائعها، ولكن المنتجات الصينية تفرض تحديا كبيرا على الصناعات المحلية في عدد من الدول العربية، ومن ثم فإن الصادرات السلعية الصينية لها بعض الآثار السلبية على الصناعات العربية في عدد من المجالات، أبرزها المنسوجات .
* أن التبادل والتعاون بين دوائر الأعمال ومراكز البحث العلمي والتكنولوجي بحاجة إلى المزيد من الجهد لدفعه وتعزيزه، في مجال تبادل الخبرات والتعلم من الآخر، خاصة أن هناك رغبة عربية في الاطلاع والاستفادة من نموذج التنمية الصيني .
* ضرورة أن تيسر الصين شروط نفاذ المنتجات والسلع العربية إلى أسواقها، بل ومنحها شروطا تفضيلية من خلال تخفيض الرسوم الجمركية وتوجيه الشركات الحكومية لاستيراد المنتجات العربية، كي يساهم ذلك في تقليل فجوة العجز في الميزان التجاري العربي الصيني (باستثناء النفط) والذي يميل بشدة لصالح الصين . وهذه الخطوة من جانب الصين سوف يكون لها أثر إيجابي على رواج منتجاتها في الدول العربية .
* أن تسعى الصين بجدية إلى نقل جانب من خبرتها التكنولوجية إلى الدول العربية، ووضع آلية محددة لنقل هذه الخبرة في المجالات المختلفة إلى الدول العربية، وزيادة فرص التدريب والبحث المتاحة للدارسين والباحثين العرب للاستفادة من الخبرة التكنولوجية الصينية، وإقامة مزيد من المشروعات التكنولوجية المشتركة وتعزيز التعاون بين مراكز البحث العلمي والتكنولوجي لدى الجانبين، وإقامة مشروعات بحثية يشارك فيها علماء من الجانبين .
* تعزيز التعاون في مجال الاستثمار على الجانبين، وذلك تفعيلا لاتفاقات تشجيع وحماية الاستثمار الموقعة بين الصين ومعظم الدول العربية، كما أن الاستثمار الصيني في مشروعات بالدول العربية يمكن أن يمثل قاعدة للمنتجات الصينية تنطلق منها إلى مناطق أخرى، بالاستفادة من المزايا التنافسية للمنطقة العربية واتفاقيات الشراكة والمناطق التجارية الحرة بين الدول العربية والتكتلات الاقتصادية العالمية وخاصة أوروبا والولايات المتحدة .
* توجيه الاستثمارات العربية نحو الصين بشكل أكبر وتنويع مجالاتها، بألا تقتصر على قطاعات الغاز الطبيعي والأسمدة الكيماوية والعقارات فقط .
* إقامة آلية عربية صينية لفض المنازعات التجارية تكون معنية بالتعامل عن ما ينشب من خلافات واحتكاكات تجارية واستثمارية، مع زيادة حجم التعاون التجاري والاستثماري بين الطرفين، بشكل يحافظ على حقوق كل طرف دون تهديد مجمل العلاقات بين الجانبين العربي والصيني .