عادي
أفق

الأدب والحياة

01:47 صباحا
قراءة دقيقتين

حاول الكثير من الفلاسفة والكتاب والنقاد منذ نشأة الأدب إلى اليوم وضع تعريفات للأدب، وقد شهد القرن الماضي على وجه الخصوص محاولات عدة بهذا الشأن ابتداء من رواد المدرسة السوريالية في فرنسا مروراً بالشكلانيين الروس وصولاً إلى البنيويين كرولاند بارت وتيودور تزفيتان وكذلك أدلى منظرو الواقعية كلوكاتش بدلائهم في هذا الموضوع، وتصدى جان بول سارتر في كتابه المعنون بسؤال ما الأدب؟ لمحاولة إيجاد تعريف للأدب من منظور الوجودية كفلسفة حياة وبالتالي استنباط تعريف ثقافي لما هو الأدب.

كل تلك التعريفات على اختلافها وتباينها فيما بينها تؤكد على جملة من الركائز الأساسية والثوابت المشتركة ومنها أن الأدب هو تعبير خاص عن الحياة، وأن هذا التعبير عليه أن يشكل إضافة جديدة للمتلقي حول الحياة، وبالتالي فإن للأدب دوراً ما في تغيير الحياة نحو الأفضل، وهذا ما يشكل دور الأديب شاعراً أو روائياً أو مسرحياً في المجتمع.

من هنا فإن هؤلاء المبدعين مهما اختلفت المدارس التي ينتمون إليها فإنهم في نهاية المطاف يشكلون في مجمل أعمالهم صوتاً ينتصر للحياة. ينتصر لكل ما هو جميل فيها في معركته مع القبح، وإذا كان جمال الحياة هو من صنع الإنسان نفسه كما القبح هو من صنيعته، فإن الأدب يصطف بشكل تلقائي مع أي إرادة تسعى لجعل الحياة أفضل وأحسن بوصفها مشتركاً اجتماعياً وإنسانياً عاماً.

إن المفاهيم بوصفها لغة الإنسان العاقل المبدع والصانع، أي لغة الفكر، فهي تعبر في كل رحلة عن مستوى التعقيد البالغ الذي وصل اليه الإنسان في حياته وفي فكره ونظرته وبالتالي مستوى تعبيره عن الأشياء، إلا أن هذا التعقيد وكما حاصل اليوم في مجال التوصيف الثقافي والأدبي يحتاج إلى الكثير من الروية لإعادة النظر إلى الكثير من المسائل المهمة إلى موقعها الصحيح في إطار رؤية الإنسان إلى محيطه، وبالتالي فإن الكثير من المفاهيم البسيطة والمتقابلة تبدو أحياناً بالغة التعبير والدقة، فالقول بالحسن مقابل الرديء والجميل مقابل القبيح، أمر يعطينا إمكانية كبيرة لكي نحكم على طبيعة الأدب الذي نتلقاه. وذلك لأن التشظي المفاهيمي الحاصل في القراءات النقدية، والتي تحاول أن تروج لأدب ما على حساب غيره، قد تكون في كثير من الأحيان مضللة، بمعنى أنها قد تقودنا إلى تشكيل ذائقة تستحسن الرديء على حساب الجيد، أو أعمال خالية من أي معنى على حساب أخرى لها دلالات ومعانٍ تصب في خدمة نظرة أكثر إنسانية وجمالية للحياة نفسها، لكن المشكلة اليوم تكمن وعلى الأخص في عالمنا العربي غياب المرجعيات النقدية التي يمكن أن تقوم بهذا الدور الأساسي في تقييم الإنتاج الإبداعي وفرزه انطلاقاً من مقاربة الأدب لدوره في صياغة الحياة من عدمه.

حسام ميرو

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"