عادي

عباس متفائل رغم “مخالب” التهويد والاستيطان

02:12 صباحا
قراءة 5 دقائق

كالعادة، كان للقضية الفلسطينية موقع الصدارة في البيان الختامي لقمة دمشق، من حيث التأكيد على مواصلة تقديم كل أشكال الدعم السياسي والمادي والمعنوي للشعب الفلسطيني ومقاومته المشروعة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وسياساته العدوانية التي تقوض حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، لكن هذا التأكيد لم ترافقه آليات محددة للعمل على تطبيق ما درجت القمم العربية على تبنيه من مقررات في بياناتها الختامية منذ انطلاق القمم في العام 1964.

على مدار أكثر من أربعة عقود ماضية لم تسقط القضية الفلسطينية من بيانات القمم العربية، وما يندرج في سياق هذه القضية من تأكيد على حق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس، وتأمين حق العودة للاجئين الفلسطينيين، والإفراج عن المعتقلين من السجون الإسرائيلية، حتى باتت هذه القضايا ديباجة دائمة لبيانات القمم العربية، ربما مع بعض الاضافات التي تطرأ على الساحة الفلسطينية من عام إلى آخر.

في قمة دمشق هذا العام كان الحصار الخانق المفروض على قطاع غزة منذ شهور طويلة، والوحدة الوطنية وغياب لغة الحوار الداخلي بين الفصيلين الأكبر على الساحة الفلسطينية ممثلين في حركتي فتح وحماس، هي الموضوعات الاضافية في المساحة المخصصة لفلسطين في بيان القمة الختامي.

بعد نحو عامين من الحصار المفروض على قطاع غزة عقب فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الثانية التي جرت مطلع العام ،2006 ولجوء دولة الاحتلال الاسرائيلي إلى تشديد هذا الحصار بعد إحكام الحركة الاسلامية سيطرتها على القطاع في الرابع عشر من شهر حزيران/يونيو الماضي، لم تجد القمة العربية داعياً لتحديد آليات محددة لرفع الحصار وانهاء معاناة نحو مليون ونصف المليون فلسطيني في القطاع، ولم تدع على الأقل إلى تطبيق قرار عربي سابق بكسر الحصار ودعم الفلسطينيين في غزة المحاصرة والفقيرة.

إن تحذير القمة العربية من تمادي سلطات الاحتلال الإسرائيلي في سياسة الحصار وإغلاق المعابر وتصعيد الاعتداءات، وبشكل خاص على قطاع غزة، واعتبار هذه الجرائم الإسرائيلية جرائم حرب تستدعي اتخاذ الإجراءات اللازمة إزاءها ومطالبة دولة الاحتلال بالوقف الفوري لهذه الممارسات العدوانية ضد المدنيين، لم يعد اجراءً كافياً، فهذا التحذير لا يسمن ولا يغني من جوع، في ظل المعرفة المسبقة للزعماء العرب أن تحذيراتهم ودعواتهم ربما لا يتجاوز صداها القاعة التي جمعتهم في قمتهم العشرين في دمشق.

كان من الأولى أن يباشر الزعماء العرب، في ظل جرائم الحرب اليومية التي ترتكبها دولة الاحتلال الاسرائيلي ضد الشيوخ والنساء والأطفال وحتى المرضى في قطاع غزة، إلى اتخاذ قرار عملي وتحديد آليات تطبيقه بكسر الحصار الجائر، بدلاً من دعوة مجلس الأمن إلى تحمل مسؤولياته إزاء هذا الوضع، وحث كل الأطراف المعنية للعمل على فك الحصار وفتح المعابر لتوفير المتطلبات الإنسانية للشعب الفلسطيني، خصوصاً أن هذا المجلس ومن ورائه الأطراف المعنية المقصودة في بيان القمة مجرد أدوات عمياء في يد الولايات المتحدة تنفذ من خلالها سياساتها التي تصب تاريخياً لصالح العدوان الممارس رسمياً وبشكل ممنهج من جانب حكومات الاحتلال المتعاقبة.

وكما كان متوقعاً قبل انعقاد القمة، أعادت الدول العربية طرح المبادرة العربية للسلام التي تبناها العرب في قمة بيروت في العام ،2002 ورغم أن العرب في قمة دمشق أتبعوا اعادة طرح المبادرة بعبارة أن طرحهم للمبادرة مرتبط ببدء تنفيذ إسرائيل التزاماتها في إطار المرجعيات الدولية لتحقيق السلام في المنطقة، إلا أن ذلك لا يغطي حقيقة أن الأنظمة العربية الرسمية لا تمتلك بدائل وخيارات أخرى غير المبادرة، رغم الاستهزاء الاسرائيلي المتكرر بها، والضربات المتلاحقة التي وجهها الكيان لهذه المبادرة خلال السنوات الماضية، عبر إصراره على مواصلة المخططات الاستيطانية في مدينة القدس المحتلة ومناطق أخرى في الضفة الغربية، ومواصلة عمليات التوغل والاجتياح والاغتيالات.

ما يثير الاستغراب حقاً، أن رئيس السلطة محمود عباس أعلن قبيل انعقاد القمة العربية أنه سيطالب باعادة تبني وطرح المبادرة العربية للسلام، التي لوح العرب قبل أسابيع بأنهم سيعيدون النظر فيها، واعلانه بعد ساعات من انتهاء القمة وخلال مؤتمر صحافي مشترك مع وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس في عمان أنه واثق من أننا سنصل إلى اتفاق سلام شامل عام 2008 لأننا نحن وإسرائيل والولايات المتحدة وبقية الأطراف الأخرى نعمل بجد للوصول إلى هذا الاتفاق. كما لم ينس عباس الاشادة ب الجهود التي يبذلها الرئيس الأمريكي جورج بوش ورايس لجعل 2008 عاماً للسلام.

الغريب في تصريحات الرئيس عباس قبل القمة وأثناءها، وصولاً إلى تفاؤله المفرط خلال مؤتمره مع رايس، أن الحركة الدؤوبة للجرافات الاسرائيلية التي تعمل مخالبها في القدس المحتلة، ومناطق متعددة في الضفة الغربية، تنفيذاً لمخططات التهويد والاستيطان التي صادق عليها شريك عملية السلام رئيس وزراء الاحتلال ايهود أولمرت، لم تنل من إيمان عباس الدائم بخياره التاريخي والوحيد أنه بالامكان حل القضية الفلسطينية واسترداد الحقوق الوطنية واقامة

الدولة الفلسطينية العتيدة عبر المفاوضات والتسوية السلمية.

وفي ضوء المعلن من المفاوضات التي يقودها رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض أحمد قريع أبو العلاء ورئيس الوفد الاسرائيلي وزيرة الخارجية تسيبي ليفني، خلال الشهور الأربعة الماضية في أعقاب لقاء أنابولس في الولايات المتحدة، لا تستدعي هذا التفاؤل الذي يظهره الرئيس عباس، ذلك لأن قريع نفسه أقر بأن ما يدور بينه وبين ليفني أقرب إلى الاجتماعات منها إلى المفاوضات، التي كان من المفترض بحسب أنابولس أن يتم خلالها بحث القضايا النهائية الست وهي القدس والحدود والمياه واللاجئون والمستوطنات والأمن... ويبقى السؤال الذي يراود الفلسطينيين ما الخيار الذي يمتلكه الرئيس عباس في حال فشل أمنياته ورهاناته على الوعود الأمريكية بتحقيق السلام مع نهاية العام الجاري؟ وهو الأمر الراجح استناداً إلى تجارب جولات المفاوضات السابقة مع الاسرائيليين، وتناقض ممارسات دولة الاحتلال على الأرض مع رغبتها الزائفة لتحقيق السلام.

بالعودة إلى مقررات القمة العربية، فقد امتنعت قمة دمشق عن تبني المبادرة اليمنية واعلان صنعاء رسمياً للمصالحة بين حركتي فتح وحماس، واكتفت بالإعراب عن الدعم والتقدير للجهود العربية وخاصةً جهود الجمهورية اليمنية بقيادة الرئيس علي عبد الله صالح وللمبادرة اليمنية لتحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية تأكيداً لوحدة الصف الوطني الفلسطيني أرضاً وشعباً وسلطة واحدة، وهو أقل بكثير مما كان يرجوه الفلسطينيون من القمة، اذ كانوا يمنون النفس بأن يعمل العرب في قمتهم على تحديد آليات عملية لتحقيق المصالحة واعادة اللحمة للساحة الفلسطينية المنقسمة على نفسها منذ حزيران/يونيو الماضي، حتى وإن كانت الآلية الواجب اللجوء إليها هي الضغط على الفريقين المتصارعين من أجل الرضوخ لمصلحة الشعب الفلسطيني في الوحدة وتغليب لغة الحوار لحل القضايا الخلافية، لكن هذا ما لم يحدث، ليبقى الصراع الفلسطيني الفلسطيني قائماً إلى حين، خصوصاً أن إعلان صنعاء تحول إلى إحدى القضايا الخلافية بين فتح وحماس بعد الخلاف حول تفسيره من حيث كونه أساساً للتنفيذ مثلما أعلن الرئيس عباس، أو إطاراً للحوار كما تراه حماس.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"