عادي

قمة دمشق.. الأهم ما بعدها

02:13 صباحا
قراءة 5 دقائق

انعقدت القمة العربية في دمشق وانفضت، والوضع العربي على حاله.. ربما لم تسهم القمة في تعميق التباينات العربية أو زيادة الوضع العربي سوءًا كما حدث في قمم أخرى سابقة، لكنها لم تأت بما كان مأمولا أو مفترضًا فيها من تحسين للوضع العربي وتفعيل إدارة القضايا العربية ومواجهة المشكلات والأخطار الداهمة التي تتكالب على المنطقة.

من هنا يصعب كثيرًا الحكم على قمة دمشق بالنجاح أو الإخفاق بشكل مطلق، فالعبرة بمعيار التقييم، وما إذا كان المعيار هو مجرد انعقاد القمة إنفاذًا لمبدأ دوريتها، أم المعيار هو حجم ومستوى المشاركة فيها، أم اكتمال أعمال القمة من دون صدامات أو أزمات مفاجئة تطيح بها، أم ما أسفرت عنه من نتائج وقرارات بشأن الملفات المعروضة عليها؟

مقارنة بالقمم العربية السابقة، تقف قمة دمشق في منتصف الطريق، بين النجاح والإخفاق. فوفقًا لمعطيات الواقع العربي قبل القمة، فإن مجرد انعقادها في مكانها المفترض في العاصمة السورية يعد أمرًا إيجابيًا لا ينبغي تجاهله، ومقارنة بقمة تونس التي تأرجحت بين الإلغاء والنقل ثم الانعقاد فعليًا، فإن انعقاد قمة دمشق في موعدها يعد أيضًا من الإيجابيات. لكن مقابل تلك الإيجابيات جاء مستوى التمثيل بمثابة ضربة قاصمة للقمة، حيث اقتصرت مشاركة الدول بقادتها على 11 دولة فقط، لكن الأهم أن تمثيل الدول الثماني الباقية (بعد مقاطعة لبنان القمة) جاء متدنيًا فإما بوزير أو بممثل الدولة في الجامعة العربية، باستثناء البحرين التي رأس وفدها نائب رئيس الوزراء.

وقد اتضح بشدة خلال القمة أن الأطراف العربية متمسكة بمواقفها، سواء تلك التي حضرت القمة أو امتنعت عنها، وأن كل دولة تمترست خلف مواقفها السابقة على القمة دون النظر إلى فرص نجاح القمة أو فعاليتها في مواجهة الملفات والقضايا المطروحة عليها. والدافع وراء ذلك التمترس أن كل طرف أو مجموعة اعتبرت الطرف الآخر أو المجموعة المقابلة هي السبب في تأزم الموقف وتعثر تسوية الملفات والقضايا، ويصبح بالتالي أي تعاون خلال القمة بمثابة مساعدة على تغليب موقف الطرف الآخر، بل وإقرار بانتصاره. أي باختصار كان العناد هو الغالب على الموقف العام المحيط بالقمة قبلها وأثناءها.

والمهم هنا أن ما بعد القمة يبدو أصعب كثيرًا، إذ ليس من المتوقع بحال أن تبادر أي دولة عربية إلى تحرك أو خطوة أبت اتخاذها قبل القمة أو خلالها، إذ لا توجد دوافع لدى الأطراف العربية الأخرى لكي تسعى هي إلى تجسير الفجوة مع دمشق، بل ستتوقع أن تأتي المبادرة من جانب دمشق. وفي المقابل فإن سوريا استضافت القمة بالفعل، ولن تكون بعدها أحرص مما قبلها على التئام الشمل العربي والمبادرة إلى الاقتراب من المواقف الأخرى.

هذه هي الصورة العامة للوضع العربي بعد قمة دمشق، لكن الاقتراب من الصورة يكشف عن مدى قتامتها، فالملامح الجزئية فيها أعقد وأكثر خطورة من مجرد خلافات عربية عربية أو تباين في الموقف من هذه القضية أو تلك. وهو ما يتضح بالنظر إلى القضايا التي كان مفترضًا أن تتصدى لها قمة دمشق من الداخل وبعمق. فالمشكلة الرئيسة التي عرقلت القمة وأبطلت فعاليتها هي المشكلة اللبنانية، وهي في جوهرها أبعد من الخلاف حول رئيس للبنان. الخلاف فيها يدور حول طريقة إدارة لبنان لعلاقاته الخارجية أولا، ولتوازناته الداخلية ثانياً. منصب الرئيس هو واجهة للتباين الشديد داخل لبنان وخارجه حول لمن تكون الغلبة في إدارة السياسة اللبنانية: المعسكر المنحاز لسياسة التوافق والتواؤم مع البيئة الإقليمية والدولية، أو لمعسكر الممانعة والمواجهة الصارمة لمحاولات واشنطن وتل أبيب تضييع الحقوق العربية وفرض السيطرة على المنطقة. والجماعات والقوى اللبنانية موزعة بين هذين المحورين، مع اختلاف في بعض التفاصيل والجزئيات المرتبطة بطبيعة وتركيبة كل قوة أو تيار وأهدافه الذاتية.

وفي ضوء قمة دمشق، ليس من المتوقع أن تشهد الأزمة اللبنانية حلا في القريب العاجل، بل ربما تسهم الملابسات التي أحاطت بالقمة في تعطيل أفكار حل ربما كانت مقبولة أو قابلة لبحث في مراحل سابقة. فقد انتهت معركة قمة دمشق دون فائز أو خاسر بشكل قاطع، لذا من المرجح أن يزداد تمسك كل طرف (داخل وخارج لبنان) بمواقفه الأصلية وبالحد وأن يبدأ السجال مجددًا من السقف الأعلى لمطالب كل طرف.

ولا يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة للملف الفلسطيني، إذ لم تنجح القمة في اتخاذ موقف قوي ضد الانتهاكات الإسرائيلية لعملية السلام وفلسفة التسوية السلمية برمتها، بل أقدمت القمة على ما يشبه الاعتذار عن تلميحات سبقت القمة حول مراجعة التمسك بخيار السلام، فبدلا من القيام بتلك المراجعة جددت القمة تمسكها بالمبادرة العربية للسلام. ما يعني تأكيد غياب أية نية عربية لتغيير الاستراتيجية المتبعة حاليًا مع إسرائيل، أو حتى البحث عن بدائل أو آليات أخرى لتحقيق فقط هدف السلام، وليس استعادة الأراضي والحقوق العربية كاملة.

وكما لم تتصد القمة ل إسرائيل، لم تتعرض أيضًا بشكل عملي للخلافات الفلسطينية الفلسطينية، فاكتفت بتأييد المبادرة اليمنية وهي بذاتها ليست كفيلة برأب الصدع الفلسطيني الذي أصبح مزمنًا أو كاد، بل إن كثيرًا من التحليلات تعتبر المبادرة اليمنية فشلت وأن إعلان صنعاء هدف فقط إلى الإعراب عن الشكر والتقدير لليمن على وساطته.

ورغم أن العلاقات العربية العربية كانت مطروحة للنقاش في أعمال القمة، إلا أن محدودية وضعف نتائج القمة في التعامل مع المشكلات الأصلية التقليدية، جعلت مسألة تصفية أو حتى مناقشة الخلافات العربية العربية أشبه بترف فكري ومجرد معالجة نظرية، وجزئية أيضًا في ظل غياب قادة دول رئيسية ومحورية في النظام العربي.

المجمل، إن القمة العربية التي استضافتها دمشق مطلع هذا الأسبوع، كانت تجسيدًا بالغ التعبير والدلالة لحالة الأمة العربية وواقعها غير المبشر. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن قمة دمشق ليست الأولى من نوعها في تجسيدها تلك الحالة وترجمتها مؤسسيًا عبر الجامعة العربية، وكما حدث في قمم سابقة (ربما باستثناء قمة الرياض العام الماضي) أدى هزال حصيلة القمة إلى الحديث مجددًا حول جدوى دورية الانعقاد. بيد أن المسألة أعمق وأبعد من دورية الانعقاد بل وأبعد من آية القمة ذاتها، فالمعضلة العربية تكمن في تباين الرؤى والتصورات حول كيفية التعامل مع المشكلات الراهنة، بالتالي فسواء انعقدت القمة دوريًا أو بشكل غير دوري، وسواء اتخذت اجتماعات القمة كآلية ثابتة للتشاور العربي الجماعي ومصدر للقرارات أو تم التخلي عنها للمجلس الوزاري مثلا أو حتى لقمم مصغرة، فإن مكمن الخلل سيظل قائماً. لذا فإن تأجيل وترحيل القضايا والمشكلات التي كان يفترض أن تتصدى لها قمة دمشق ليس نهاية المطاف، فبافتراض حضور كل القادة العرب القمة ومشاركتهم فيها بفعالية، كان تباين الرؤى وتعارض السياسات الأصلي سيظل حاضرًا وأكثر تأثيرًا من اكتمال المشاركة أو ارتفاع مستوى التمثيل.

ورغم ذلك، فإن التعنت المتبادل والتراشق الإعلامي الذي أحاط بالقمة، فتحا الباب أمام انتظار الأسوأ بعد القمة، إذ ليس من المنتظر سوى أن يسعى كل طرف على كسر إرادة الآخر وتحقيق ما لم ينجح في تحقيقه عبر القمة، لذلك فإن الفترة القريبة القادمة ربما تشهد تأزمًا واحتقانًا غير مسبوق على مستوى كافة القضايا العربية الساخنة، والأخطر أنه ربما يفلت الزمام في أي منها وتنفجر الأوضاع وعندها سيتحول الاحتقان إلى صراع معلن وتنفتح المنطقة العربية برمتها على كافة الاحتمالات إن لم يكن أسوأها.

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"