هل سمعتم بهذا المصطلح من قبل؟ إذا كان الجواب نفياً فأنتم إذن لا تتابعون التطورات الخطيرة التي يشهدها العالم، كل مطلع صبح بل كل ساعة. الأربيزي أيها العرب الكرام هو ذروة التطور العربي على الصعيدين الأدبي والاجتماعي، وهو قبل ان نسترسل في شرح تبعاته الايجابية على مستقبلنا كعرب! لا بد من اعطاء نبذة عن خلفيته ونشأته، فنقول: لقد اشتقت "الأربيزي" من "الأرب آيزيشن" (ARABIZATION) على وزن (CIVILIZATION)، رغم أنها لا وزن لها في معجم الحضارات أو في "قصة الحضارة"، لهذا فإن كاتبها "وول ديورنت" لم يأت على ذكرها. لقد جاءت "الأربيزي" نتيجة اصرار الظروف والحاحها على العرب، كيما يتمكنوا من مجاراة التقدم السريع الذي يشهده العالم، خاصة في الظل الظليل للعولمة، ولما كانت شعوب الجنس الأصفر، من يابانيين، وصينيين، وماليزيين الخ.. قد سبقت العرب في الأخذ بأسباب التقدم الحضاري ما جعلها تلعب دوراً مرموقاً في حياة اليوم لاسيما دورها الاقتصادي بحيث أنها أي هذه الشعوب لفتت أنظار العالم الأكثر تقدماً إليها، إذن، كان لزاماً على العرب ان يلفتوا انتباه المتقدمين إليهم أيضاً، فذهبوا يضربون ويخبطون خبط عشواء في كل اتجاه، لكن الحظ أبى أن يحالفهم. وبعد صراع مع اليأس والرجاء، تفتقت الذهنية العربية المتعولمة عن ابتكار شيء، فإذا به "الأرب آيزيشن". وبمرور الوقت أصبح هذا المصطلح موضة المجالس العربية، بل زينتها، والمهيمن على كل اجتماع "بزنس" أو أعمال الدعاية التي بدأنا نراها في سائر شوارعنا، وهي كالقذى في العيون.
والأرب آيزيشن هي: أن "تفسخ" جلدك، وتستبدل به جلداً آخر لا علاقة له بأرضك وبسمائك ولا بالهوية الوطنية بطبيعة الحال، ثم تباشر الهذيان تارة بشيء من العربية المكسّرة، وشيء من الانجليزية المدمرة تارة أخرى! وعلى هذا المنوال تصبح ملماً بالأرب آيزيشن المام الغراب بمشية الطاووس، فتمسي "أربيزي" والعياذ بالله. وبعد ذلك، تصبح لا في العير ولا في النفير، مسخاً ينطبق عليك البيت القائل:
فإذا أتاك محدثاً فكأنما
قرد يقهقه أو عجوز تلطم
(المتنبي)
من المؤسف أن تكون أرض الامارات الحبيبة الأرض الاخصب لهذه الظاهرة، التي اذا ما قدر لها الاستمرار، فإن استفحالها مرضاً عضالاً أمر حتمي، طال الزمن أم قصر. إن التركيبة السكانية المقلقة، اسهمت اسهاماً كبيراً في استشراء هذه الظاهرة، وهي أي التركيبة السكانية جاءت نتيجة الأطماع المادية الدؤوب على تكديس الأموال وخزنها، وتغليب المصلحة الشخصية على مصلحة الوطن، والإهمال المتعمد للغة العربية، العمود الفقري للهوية الوطنية، وبغيرها فلا هوية، ولا وطنية، اضف الى ذلك عدم الاعتناء بالفن الهادف كوسيلة ترقى بالذوق، وتستنهض المشاعر الوطنية والقومية.
لقد تعودنا عندما كنا طلاباً صغاراً أن نسمع كل صباح وبعد القرآن الكريم نشيد:
الله اكبر فوق كيد المعتدي
والله للمظلوم خير مؤيد
و:
أخي جاوز الظالمون المدى
فحق الجهاد وحق الفدا
و:
نحن يا أخت على العهد الذي
قد رضعناه من المهد كلانا
قم نصم يوماً من العمر لهم
هبه صيوم الفصح هبه رمضانا
مكة والقدس منذ احتلما
كعبتانا وهوى العرب هوانا
أين نحن اليوم من هذا الكلام الجميل، ومن تلك الموسيقا الراقية غذاء الروح، ناهيك بالحنجرة المؤدية؟ قد يقول أحد الأربيزيين: إنها لغة خطابية من مخلّفات الخمسينات، كانت السبب في الشحن العاطفي الذي لم يأتِ إلا بالمصائب، والويلات. فنقول: كذبت إن مَنْ جر الويلات والمصائب هم المعتمد بالله والمعتضد بالله وأضرابهما، الذين قيل فيهم:
أسماءُ مملكة في غير موضعها
كالهر يحكي انتفاخاً صولةَ الأسدِ
أما اللغة فلا شأن لها فيما آلت إليه الأوضاع العربية، من فساد وإفساد، وجهل وتجهيل. لقد حافظت هذه اللغة الكريمة على أقدس ما لدى العربي والمسلم، ألا وهو القرآن الكريم، ناهيك بالتراث العربي، رغم ما تعرض له على أيدي تتار الأمس، وتتار اليوم!
بالأمس قرأت لأحدهم: احترام هويتنا من قبل الأجنبي واجب. والسؤال هو: من يجبره على ذلك؟ وجل من يتحدث إليهم هذا الأجنبي إمّا أجانب أغراب مثله أو أربيزيّ مضموناً، عربي العقال والكندورة، وهنا يحضرني مثل شعبي يقول (اللّي عوقه في بطنه ماتيه العافية).
إن الهوية الوطنية التي يكثر الحديث عنها هذه الأيام وتعقد لها الندوات، وتنظم لها الأمسيات، لن تؤتي أكلها ما بقيت النظرية على النقيض من التطبيق.