كيف سيكون شكل الركود الاقتصادي الأمريكي؟ لقد تحول الجدل وسط الخبراء الاقتصاديين خلال الشهور القليلة الماضية عما إذا كانت الولايات المتحدة ستشهد ركوداً يصل إلى مدى عمق ذلك الركود الحتمي والمدة التي سيستغرقها .
وتتساءل صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية عما إذا كان الركود سيتخذ شكل الحرف الإنجليزي V أي سيكون قصيراً وضحلاً تعقبه عودة سريعة إلى معدلات النمو الطبيعية أم سيتخذ شكل الحرف الإنجليزي U أي أن الركود المبدئي تعقبه فترة طويلة من النمو الضعيف وعودة بطيئة لمعدل الاتجاه، أم تراه سيتخذ شكل الحرف الانجليزي L حيث يستمر ضعف الاقتصاد لسنوات كثيرة كما حدث خلال الكساد الكبير في الولايات المتحدة في ثلاثينات القرن الماضي أو في اليابان في العقد الماضي .
وستكون للإجابة عن السؤال أهمية كبرى بالنسبة للاقتصاد العالمي وسيتحدد على الأرجح ما إذا كان التحسن الأخير في بعض الأسواق المالية، مؤشراً لبداية النهاية لأزمة الائتمان أم أنه فجر كاذب آخر .
ويعتقد مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ان النتيجة الوحيدة المحتملة أكثر من غيرها هي حدوث ركود على شكل الحرف V على الرغم من أن المجلس يرى مخاطر كبيرة لركود أعمق ولمدة أطول . ويتوقع العاملون في المجلس للنشاط الاقتصادي أن يتقلص خلال النصف الأول من العام الحالي مع حدوث تحسن في النمو ابتداء من النصف الثاني . ويتكهن هؤلاء المسؤولون بأن يكون معدل النمو فوق المتوسط أي أسرع من العادي في عام ،2009 عند قياسه بالربع الأخير من عام 2008 إلى الربع الأخير من عام 2009 .
وفي الشهر الماضي، أبلغ بن بيرنانكي رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الكونجرس ان الولايات المتحدة تمر بفترة صعبة للغاية ولكنه قال: إن الكثير من التصحيح الاقتصادي والمالي الضروري قد تحقق بالفعل وأن السياسات الموضوعة ستدعم عودة إلى النمو في النصف الثاني من السنة الحالية والسنة المقبلة .
ومؤخراً، كان هذا هو الرأي المجمع عليه أيضاً وسط المتكهنين في القطاع الخاص، وأبرز هؤلاء الخبراء غياب الفوائض في قطاع الشركات خارج الإسكان والتمويل . فلم تستثمر غالبية الشركات بشكل كبير أو تستأجر على نحو واسع النطاق خلال التحسن، ومن غير المرجح أن تخفض الاستثمارات وأعداد العاملين بدرجة كبيرة، كما فعلت خلال التراجع الاقتصادي الكبير السابق عام 2001 .
وتتسق هذه النظرية مع البيانات المتوافرة حتى الآن، وقد انخفض التوظيف في القطاع الخاص خلال الشهور الأربعة الماضية، ولكن بوتيرة متواضعة مقارنة بحالات الركود السابقة، في حين بقيت ساعات العمل على حالها .
وتثبت الأعداد الكبيرة من المنازل الجديدة غير المأهولة على أطراف لاس فيجاس، والمجمعات نصف المشيدة في ميامي وجود فوائض كبيرة في صناعة البناء، ولكن التصحيح في الاسكان مستمر . وتتناقص أعداد المنازل التي بدأ العمل فيها ولكن مجلس الاحتياطي الفيدرالي يتوقع تباطؤ معدل انخفاض الاستثمار السكني اعتباراً من النصف الثاني فصاعداً .
وإضافة إلى ذلك، هناك تعزيز من الحافز المالي وتخفيضات أسعار الفائدة الكبيرة التي نفذها مجلس الاحتياطي في وقت سابق من العام الحالي وهي عوامل تؤثر في الاقتصاد . وسيتم ارسال أول شيكات الحسم الضريبي في الشهر الحالي . ويرى برايان ساك من ماكروايكونومك أدفايزرز أن المستهلكين سينفقون حوالي 40% من شيكات الحسم التي تصل إلى مبلغ قدره 1800 دولار للأسرة الواحدة .
ويقول ساك: إنهم يتوقعون إسهاماً كبيراً في النمو من حزمة الحافز المالي في الربعين الثاني والثالث من العام الحالي، ويشير إلى أنه سيكون هناك نوع من الاسترداد لاحقاً . ولكن بحلول الوقت الذي يذوي فيه الحافز، سيكون الاقتصاد مرتكزاً على أساس أفضل .
وفي هذا السيناريو تستمر الصادرات قوية وسيؤدي نمو الدخول المعقول إلى تمكين الاقتصاد من العودة إلى النمو العادي بشكل سريع، قد يسمح بزيادة معقولة في معدل مدخرات الأسر .
والأمر شبه المؤكد حدوث ركود يتخذ شكل الحرف الإنجليزي V، ولكن كبار مسؤولي مجلس الاحتياطي المركزي يقرون بأنه على الرغم من أننا نعرف أن النصف الأول من هذا العام سيشهد ركوداً ضحلاً أو نمواً قليلاً للغاية وأنه سيكون هناك بعض الدعم من الحافز المالي والنقدي في منتصف العام، إلا أن التوقعات غير مؤكدة اعتباراً من ذلك الوقت فصاعداً .
ويعتقد هؤلاء المسؤولون أن المجهول الكبير هو ما سيحدث لقطاع الإسكان، وما دامت أسعار المنازل لا تبدي علامة على ارتفاع معدلاتها فسيكون من الصعب بالنسبة للأسواق المالية أن تعود إلى طبيعتها وسيظل الإنفاق الاستهلاكي خاضعاً لضغط حاد .
ويرى خبراء آخرون من بينهم مسؤولو مصارف مركزية في أوروبا أن هناك خطورة كبيرة من حدوث زيادة حادة وليست تدريجية في معدل مدخرات الأسر في الظروف الحالية حتى وإن بدأت أسعار المنازل في الارتفاع بعد طول انخفاض .
وخلال الأسابيع القليلة الماضية، تحولت توقعات عدد من اقتصاديي القطاع الخاص تحولاً يشير إلى ركود يتخذ شكل الحرف الانجليزي U وتوقعوا فترة طويلة من النمو الفاتر وتحسناً ضعيفاً، ويعتقد البعض أن الحسومات الضريبية سيتم استخدامها بشكل كلي تقريباً لسداد الديون، في حين يتحدث آخرون عن ركود يتخذ شكل الحرف الإنجليزي W الذي يحدث فيه ضعف أكثر عقب ارتداد من الحافز .
وعلى صعيد آخر، يتوقع صندوق النقد الدولي فترة طويلة من الضعف الاقتصادي في الولايات المتحدة ونمواً تقل نسبته عن ناقص 0،7 في المائة خلال العام الحالي، ولا يتجاوز 1،7 في المائة في العام المقبل، ويعتقد صندوق النقد الدولي ان النمو في الولايات المتحدة سيبدأ بالتحسن في 2009 فقط، وليس في النصف الثاني من العام الحالي، كما يتوقع مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي بأنه لن يعود إلى معدله الطبيعي أو يزيد عنه إلا في عام 2010 .
ويقول ألان بليندر وهو استاذ للاقتصاد بجامعة برنستون ونائب رئيس سابق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي إن الاقتصاد سيكافح للعودة للنمو الطبيعي في وجه رياح مقابلة شديدة القوة ناتجة عن القطاع المالي .
ومع خضوع البنوك لضغط الموازنة العمومية ومحاولة النظام المالي برمته تخفيض ديونه، يمكن لضغط الائتمان على الاقتصاد الحقيقي ان يستمر حتى بعد تراجع خطر أزمة عامة في القطاع المصرفي .
وإضافة إلى ذلك، فإن تأثير التقييد حتى تاريخه لم يظهر على الاقتصاد إلا الآن فقط . ويقول ريتشارد بيرنر كبير الخبراء الاقتصاديين الأمريكيين في مورجان ستانلي، الذي يتوقع تحسناً بطيئاً انه في ضوء الفترات الزمنية بين بدء تقييد الظروف المالية وظهور أثر ذلك في الاقتصاد فإن الطريق ما يزال طويلاً . ومع استمرار قصور أسواق تمويل الإسكان فإن الاتجاه النزولي في أسعار الانشاء والمنازل قد يكون أطول مما توقعه مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ويمكن للنمو العالمي ان يضعف أيضاً مع البدء بالشعور بآثار أزمة الائتمان في أوروبا وربما في الأسواق الصاعدة كالصين .
ولكن مركز النقاش يتمثل في الانفاق الاستهلاكي الذي يمثل حوالي 70 في المائة من اقتصاد الولايات المتحدة، وظروف الائتمان المقيد وارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء وتراجع سوق العمل .
وتفترض توقعات مجلس الاحتياطي استواء أسعار السلع الأمر الذي سيتيح للمستهلكين المزيد من القوة الشرائية مع مرور الوقت وسيخفف من ضغط التضخم، ولكن أسعار السلع تستمر في الارتفاع وتؤدي إلى تفاقم مزيج النمو/ التضخم . وكلما طال أمد هذا الوضع زاد خطر تحول الركود التضخمي إلى جزء لا يتجزأ من توقعات العاملين والشركات والمستثمرين .
ويعني خطر التضخم أن يتعين على مجلس الاحتياطي تلطيف أو ايقاف تخفيضات أسعار فائدته . وبالإضافة إلى ذلك وبينما يبدو قطاع الشركات الأمريكي عموماً في شكل جيد يرى بعض المحللين فوائض هائلة في قطاع الأسر بما في ذلك مستويات ديون قياسية مقارنة بالدخل ومعدل المدخرات الذي يقترب من الصفر .
ويعترض آخرون على أن الأسر الأمريكية تعاني من فرط الإجهاد ويشيرون إلى أن حقوق مساهمي الأسر لا يزال قريباً من المستويات القياسية، بيد أن الثروة موزعة على نحو متفاوت، ويمكن أن تهبط بشكل حاد في حال ثبتت صحة اسوأ السيناريوهات بالنسبة لأسعار المنازل .
ويتعلق السؤال الأكثر أهمية بما يحدث للاستهلاك، حيث يتساءل راجو راجان الاستاذ بجامعة شيكاغو عما إذا كانت الأسرة الأمريكية ستخفض استهلاكها، وكما تشير النتائج من قطاع التجزئة الأمريكي، فإن الانفاق الاستهلاكي يتراجع .
ويقول راجان: إن الاقتصاديين لا يفهمون تماماً أسباب انهيار معدل المدخرات من المستوى الذي كان عليه في مطلع ثمانينات القرن العشرين . ويرى كينيث رجوف الاستاذ بجامعة هارفارد أن الانفاق الاستهلاكي الأمريكي يجب أن يصحح في أعقاب الانعكاس في أسعار المنازل، حتى وإن لم تكن هناك أزمة ائتمان مصاحبة .
ويعتقد معظم الخبراء أن معدل المدخرات الأمريكية سيرتفع مع بدء الأسر في ترميم ميزانياتها العمومية، ولكن ذلك سيحدث بشكل تدريجي، بيد أن هناك خطورة من أن يحدث هذا التصحيح بشكل مفاجئ .
إضافة إلى ذلك، بإنه كلما طال أمد الكساد الاقتصادي، زاد الضغط على النظام المالي، وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي بالفعل إلى ان اجمالي الخسائر وتخفيضات جميع الديون والضمانات، وليست الرهون العقارية وحدها قد يصل إلى 945 مليار دولار .
ويقول نورييل روبيني وهو استاذ بجامعة نيويورك ورئيس شركة الابحاث الاقتصادية (آر جي إي مونيتور) إن معايير التأمين ضد المخاطر تدهورت عبر تشكيلة واسعة من المنتجات خلال الطفرة وإن الضغط الاقتصادي سيؤدي إلى حالات عجز حاد عن الوفاء بالديون غير المتعلقة بالرهون مثل قروض السيارات وبطاقات الائتمان والقروض المرفوعة .
وربما يتبين أن الخسائر النهائية أقل بكثير من تقديرات صندوق النقد الدولي والجهات الأخرى، ولكن الخسائر المحتملة في الكساد الطويل الأجل تصل إلى حجم يمكن أن يضعف قاعدة رأس المال وأداء القطاع المالي الأمريكي لوظيفته . ويمكن أن يؤدي هذا إلى ركود له شكل الحرف الانجليزي L وهو ركود يقود فيه الاقتصاد الضعيف للغاية والقطاع المالي المحطم إلى نقل الضعف إلى بعضهما، الأمر الذي سيؤدي إلى فترة طويلة من الركود كالتي شهدتها اليابان خلال العقد الماضي .
ولكن، على الرغم من أن خطر حدوث الركود يتخذ شكل الحرف U قد ارتفع على الأرجح خلال الأسابيع الأخيرة، فإنه يبدو أن السيناريو الأشد سوءاً مستبعد بفضل الاستجابة الفعالة من جانب صانعي السياسات، وترى مجموعة من الخبراء في إنقاذ بنك الاستثمار بيرشتيرنز بواسطة مجلس الاحتياطي الفيدرالي وجيه بيه مورجان تشيز خطاً فاصلاً . وقد أظهرت السلطات الأمريكية انها ترغب في استخدام المال العام لمنع مؤسسة مهمة نظامياً من أن تصبح عاجزة عن الوفاء بديونها . وفي الوقت ذاته، يدرس الكونجرس خططاً ليوفر ما بين 300 إلى 400 مليار دولار كضمانات ائتمان للسماح للمقرضين الذين يوافقون على خفض قروض المنازل بإعادة تمويل هذه الرهون .
ويقول روبرت ديكلمنت كبير خبراء الاقتصاد الأمريكيين في سيتيجروب ان المشكلة بالنسبة لتحليل المتشائمين هي أن خطورة الوضع الحالي تستدعي استجابة سياسية قوية . ولهذا السبب، يقول روبيني ان الوضع لن يكون كالوضع الذي شهدته اليابان، وسيكون الركود في شكل الحرف U وليس الحرف L على الرغم من أن فكرة روبيني عن الركود الذي يتخذ شكل الحرف U ما تزال تشير إلى انكماش اقتصادي تتراوح مدته بين 12 و18 شهراً . ولا تضمن فعالية السياسات تحقيق النجاح . ويزيد عجز الحساب الجاري الأمريكي الهائل من خطر حدوث أزمة للدولار وزيادة في توقعات التضخم وهو خطر بدا حقيقياً على نحو يثير القلق في بعض الأوقات خلال الشهور القليلة الماضية .
وبالإضافة إلى ذلك، توجد بعض المخاطر المالية، كالتمزقات المتعددة في سوق مبادلات التقصير في الوفاء بالائتمان، التي تستخدمها البنوك والمؤسسات المالية الأخرى للاتجار والتحوط من مخاطر الائتمان مع بعضها البعض التي سيصعب كثيراً على مجلس الاحتياطي ووزارة الخزانة احتواؤها حتى إذا توفرت الرغبة لديهما .
وتمر الحكومة الأمريكية أيضاً بوضع مالي اسوأ مما كانت عليه في عام 2001 الأمر الذي يجعل من الصعوبة بمكان عليها ان تستمر في تنفيذ سياسة مالية قوية، مثل تخفيضات بوش الضريبية وزيادة الانفاق الحكومي، التي ساعدت على إخراج الولايات المتحدة من الركود في المرة السابقة . ولكن وجه الشبه في الحالتين هو أن الولايات المتحدة حتى بوجود ديونها الخارجية مقيمة بعملتها تملك القدرة الاقتصادية والإرادة السياسية لمنع حدوث ركود يتخذ شكل الحرف الإنجليزي L .
ويتعين على الولايات المتحدة أن تتمكن من تفادي ركود له شكل L، وربما تفلت بركود قصير له شكل V، ويتمثل الخطر في أن التدابير القوية التي يجري اتخاذها التي تشمل بالفعل تمديد شبكة الأمان لبنوك الاستثمار وتخفيف القيود المفروضة على المشاريع التي ترعاها الحكومة لدعم سوق الاسكان يمكن أن تبذر بذور الأزمة المالية والاقتصادية التالية .