في فبراير/ شباط ،1982 نشرت المنظمة الصهيونية العالمية، باللغة العبرية، خطة للشرق الأوسط، كتبها صحافي "إسرائيلي" هو اوديد يينون، الذي كان قبل ذلك الوقت يشغل منصباً رفيعاً في وزارة الخارجية "الإسرائيلية"، مما يعني أنه كان يتمتع بعلاقات وثيقة مع جهاز الاستخبارات "الإسرائيلية"، الموساد. وكانت تلك الخطة بعنوان "استراتيجية ل"إسرائيل" في الثمانينات". وينادي فيها بتحويل "إسرائيل" إلى قوة اقليمية امبراطورية، وبتفتيت العالم العربي إلى مجموعات اثنية وطائفية متناحرة، يمكن السيطرة عليها والتلاعب بها بسهولة لمصلحة "إسرائيل".

ويقول مؤلف الكتاب الذي نحن بصدده، وهو بعنوان ""إسرائيل" وصدام الحضارات"، ان يينون تحدّث قبل صمويل هنتنجتون بعشر سنوات، عن انهيار النظام العالمي، وعن صدام الحضارات، وحتمية الصراع بين الحضارة الغربية والعالم الاسلامي.

ويرى المؤلف، جوناثان كوك، ان غزو العراق واحتلاله، واحتمال خوض حرب أخرى مع إيران، تأتي ضمن هذا السياق، أي أن تفتيت العراق، ونشر الفوضى والحرب الأهلية فيه، لم يكونا مما لم تتوقعه الإدارة الأمريكية حين غزت العراق، بل إن ذلك هو الهدف الذي سعت إلى تحقيقه "إسرائيل"، وأصدقاؤها المحافظون الجدد، في إطار إعادة صياغة الشرق الأوسط على نحو ييسر السيطرة عليه والتلاعب بمقدّراته.

وفي الكتاب عرض لتاريخ العلاقة بين "إسرائيل" والولايات المتحدة، وكيف تطورت بتلاقي مصالح الطرفين، وأدت إلى خلق تحالف يشهد الناس في الشرق الأوسط نتائجه على مدار الساعة.

مؤلف الكتاب هو جوناثان كوك، العضو السابق في هيئة تحرير صحيفتي "الجارديان" و"الأبزرفر" البريطانيتين، والذي كان يكتب أيضاً في "التايمز"، و"لوموند دبلوماتيك"، و"انترناشيونال هيرالد تريبيون" و"الأهرام ويكلي"، وغيرها. وهو يقيم في مدينة الناصرة.

فرنسا كافأت "إسرائيل" لمشاركتها بعدوان 1956 ببرنامج نووي عسكري

قبل أن يناقش المؤلف الخطة "الاسرائيلية" الأمريكية لزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، يراجع العلاقات المعقدة في العادة بين "اسرائيل" وراعيتها. فيقول ان "اسرائيل"، بعد إنشائها سنة 1948 واصلت السعي الى تأمين الحماية من قِبل قوة عظمى، مثلما فعلت الجالية اليهودية في فلسطين قبل قيام الدولة، بينما استمرت في الوقت ذاته، في تنفيذ أهدافها التي تنفرد بها. وكان أهم تلك الأهداف تطوير أسلحة نووية، تعتبرها المفتاح لا لضمان مكانتها ضمن الشرق الأوسط المعادي لها، وحسب، بل المفتاح كذلك لحمل حلفائها على إعادة النظر في دورها كعنصر للتغيير في المنطقة.

علاقات "اسرائيل" مع راعيتها

ويضرب المؤلف مثالاً على استغلال "اسرائيل" هذه الاستراتيجية حين تورطت مع بريطانيا وفرنسا في حرب السويس سنة ،1956 لمعاقبة جمال عبد الناصر على تأميمه قناة السويس. فقد وافقت على غزو شبه جزيرة سيناء المصرية، لتوفر للأوروبيين الذريعة التي يريدونها، وهي "التدخل" بحجة الفصل بين القوتين المتحاربتين، بينما الهدف الحقيقي هو إعادة احتلال منطقة قناة السويس.

وكان لكل من الدول الثلاث مصالحها الخاصة في وقف مد القومية العربية التي ينادي بها عبد الناصر. وقد فشلت خطة هذه الدول عندما استخدمت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي الضغط المشترك لتحقيق وقف إطلاق النار وانسحاب "اسرائيل".

ورجعت بريطانيا وفرنسا، من هذه المغامرة بخُفيْ حُنيْن، بينما "اسرائيل" استغلت هذه الهزيمة لمصلحتها. وكسبت نظيرَ مشاركتها في حرب السويس، مساعدة فرنسا لها في أبحاثها النووية. وتفيد الوثائق التي أفرج عنها مؤخراً، بأن بريطانيا، بعد ذلك بسنتين أي سنة ،1958 ولأسباب لم يُكشفْ النقاب عنها بعد، زودت "اسرائيل" بما تحتاج اليه من الماء الثقيل. وفي هذه الأثناء، نجحت "اسرائيل" في إخفاء برنامجها النووي الذي كان يجري تنفيذه بإشراف شمعون بيريز، عن الولايات المتحدة. وفي أواسط ستينات القرن الماضي، أي قبيل حرب ،1967 كانت "اسرائيل" تنتج أول رؤوسها الحربية النووية، حسبما يقول المؤرخ "الاسرائيلي" توم سيجيف. ويُعتقد اليوم أنها تملك ترسانة نووية تضم مئتيْ رأسٍ حربي على الأقل.

ويناقش المؤلف الرأي الذي يقول، انّ الولايات المتحدة لم تُقدرْ "اسرائيل" حقّ قدرها، كحليف استراتيجي، إلاّ بعد انتصارها الخاطف سنة ،1967 وانّ تقديرات وزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية كانت في البداية، ان إقامة تحالف وثيق مع دولة يهودية في الشرق الأوسط سيكون عائقاً استراتيجياً.

ويقول أصحاب هذا الرأي، ان محاولة الرئيس هاري ترومان، سنة ،1947 كسب أصوات الناخبين اليهود، بتأييده المساعي الصهيونية إلى إقامة دولة، قوبِلتْ بالتحذير من قِبَل المسؤولين في وكالة الاستخبارات المركزية من أنّ القيادة اليهودية في فلسطين، تسعى إلى تحقيق أهدافها دون مراعاة للعواقب"، ولذلك تُعرّض المصالح الاستراتيجية الغربية للأذى، حيث "يقرن العرب بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وبين الصهيونية".

ولكن المؤلف يعتقد بأن القول أن التحالف الأمريكي "الاسرائيلي"، جاء نتيجة لحرب 1967 ما هو الاّ تبسيط للأمور، فقد كانت تربط بين "اسرائيل" وواشنطن في العادة روابط وثيقة، كما كشفت عن ذلك في أوائل سنة ،2007 محاضر أفرج عنها بعد 40 سنة، لاجتماعات سرية للجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي عُقدت قبيل حرب 1967 وأثناءها. وتكشف هذه المحاضر سيطرة "اسرائيل" واللوبي "الاسرائيلي" في الولايات المتحدة، على قلوب وجيوب النواب الأمريكيين.

ولكن العلاقات الدافئة بين الدولتين، توطدت بعد حرب 1967. ويمكن إرجاع تزايد التقارب الى أسباب من أهمها نجاح الجيش "الاسرائيلي" في قهر مصر وسوريا المتحالفتين مع السوفييت، مما أقنع الرئيس لندون جونسون بأن "اسرائيل" تشكل ذخراً ثميناً في الحرب الباردة.

ففي نهاية الحرب، قال مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية، انّ "اسرائيل"، "فعلت للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، من حيثُ المال والجهد، أكثر ممّا فعله كل مَن يُسمون حلفاءً في أي مكان في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ففي الشرق الأقصى نكاد لا نجد أحداً يساعدنا في فيتنام. أمّا هنا، فقد كسب "الاسرائيليون" الحرب دون مساعدة من أحد، وخلّصونا من مأزق، وخدموا مصالحنا الى جانب مصالحهم".

تبادل منافع

ويقول المؤلف ان هذه العلاقة الخاصة، كانت مفيدة للطرفين، فقد اعتقدت الولايات المتحدة بأن "اسرائيل" برهنت على أنها حليف عسكري جبار، بل مُلهِم، في الشرق الأوسط.

أما بالنسبة الى "اسرائيل" فإن تحالفها مع الولايات المتحدة، في الوقت الذي أفل فيه النفوذ الأوروبي في المنطقة، يوفر لها منفذاً على أكبر دولة مطورة للأسلحة في العالم. وقد عزز منطق الحرب الباردة، التي كان الاتحاد السوفييتي يغازل أثناءها كبريات الدول العربية، إحساس واشنطن وتل أبيب بأن مستقبلهما مشترك.

وبصرف النظر عن دوافع التحالف الأمريكي "الاسرائيلي"، فإنه أسفر عن خلق "ارتباط حميم" بين واشنطن وبين المصالح "الاسرائيلية". فقد أوصل اللوبي "الاسرائيلي" في الولايات المتحدة الى الطبقة السياسية الأمريكية رسالة بسيطة مفادها، ان وجود دولة "اسرائيلية" مزدهرة ومسلحة تسليحاً جيداً، يمكن ان يخدم أمريكا، باعتبار "اسرائيل" حليفاً ثابتاً، يقف في وجه توسع النفوذ السوفييتي والراديكالي، ويحرس منطقة الخليج وحقول النفط على سواحل الخليج، ويقدم معلومات استخبارية موثقة عن منطقة الشرق الأوسط برمتها.

وكان الأساس الذي بني عليه نجاح اللوبي في واشنطن بصيغتيه اليهودية، والصهيونية المسيحية، هو قدرته على جمع مبالغ طائلة من المال، يمكن ان توظف لمصلحة مرشحين لشغل مناصب عامة، أو ضد مصلحتهم.

ولم يجرؤ إلاّ القليل من أعضاء الكونجرس على الإدلاء برأي صريح في مسائل تعتبرها "اسرائيل" مرتبطة بأمنها، خشية أن يركب خصومهم موجة التمويل الذي يديره اللوبي "الاسرائيلي" عندما يحين وقت الانتخاب.

ومما عزّز هذه الدرجة غير المتوازنة من الدعم لدولة أجنبية، وجود مناخ عام في الولايات المتحدة يصم أي انتقاد ل "اسرائيل" باللاسامية. ونتيجة لذلك، لم يجرؤ سوى قلة على تحدي الدعم المالي الأمريكي المتنامي ل "اسرائيل"، الذي كان قد كلف دافع الضرائب الأمريكي، حتى سنة ،2002 أكثر من 370 مليار دولار. فإذا أضيفت الى ذلك تكلفة حماية "اسرائيل" من الأخطار عبر السنوات، فسوف ترتفع التكاليف لتبلغ 6.1 تريليون دولار، وفق ما يقول أحد الخبراء الاقتصاديين.

ويمضي المؤلف قائلاً ان هنالك أمثلة توحي بأن العلاقة لا تعني ان "اسرائيل" كانت ببساطة تنفذ أوامر حليفتها المتفوقة. ومثلما انتزعت "اسرائيل" امتيازات نووية من فرنسا وبريطانيا، تتقدم الآن بطلبات مستمرة بأن تعامل مصالحها معاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة.

ومن الأمثلة الصارخة على ذلك، صمت إدارة الرئيس جونسون عن الهجوم المتعمد، من قبل سلاح الجو وسلاح البحرية "الاسرائيليين" على سفينة التجسس الأمريكية، ليبرتي، أثناء حرب ،1967 وقتل 34 بحاراً أمريكياً وجرح ما لا يقل عن مئة آخرين. وكان امتناع جونسون عن معاقبة "اسرائيل" بأي شكل من الأشكال درساً مهماً، استنتج منه زعماء "اسرائيل" أن أي شيء يفعلونه لا يمكن ان يغضب الأمريكيين إلى درجة الانتقام. فإذا لم يكن زعماء أمريكا يملكون الشجاعة لمعاقبة "اسرائيل" على القتل السافر لمواطنين أمريكيين، فإن من الواضح أن أصدقاءها الأمريكيين سوف يدعونها تفعل ما تشاء.

ولكن، رغم وفرة الأدلة على تحدي "اسرائيل" للإدارات الأمريكية حتى في قضايا استراتيجية، الاّ أن السياسة "الاسرائيلية" كانت تعتبر في واشنطن منسجمة مع المصالح الأمريكية الأوسع. ولعل أمريكا كانت تسامح "اسرائيل" على الخطايا الصغيرة، لأنها كانت تراعي الأهداف المنسجمة مع الخطط الأمريكية بوجه عام.

دور مكمّل

بالإضافة الى ذلك، تلعب "اسرائيل" دوراً مكملاً في الاستراتيجية الأمريكية، المتمثلة في السيطرة على الشرق الأوسط من خلال سياسة "فرقْ تَسُدْ" التقليدية. فقد كانت حروب "اسرائيل" المتقطعة مع غير المتعاونين والمعادين من جيرانها، واتفاقيات السلام التي عقدتها مع دول أخرى تعني ان الخطر الذي كانت تشكله ذات يوم، القومية العربية التي كان ينادي بها عبد الناصر قد انتهى.

وبمساعدة "اسرائيل" تمت تجزئة الدول الرئيسة في الشرق الأوسط الى معسكرات مختلفة وغير قابلة للتصالح فيما بينها: فأصبحت دول الخليج الضعيفة معتمدة على الولايات المتحدة لحمايتها عسكرياً ولإضفاء الشرعية على تكتلها النفطي اوبك؛ وجرت مؤازرة الحكام الأقوياء الذين يمكن الاعتماد عليهم في كل من مصر والأردن وايران (أيام الشاه) بدعم أمريكي؛ وتم عزل واحتواء الدول "المارقة" مثل سوريا وليبيا والعراق وايران (بعد ثورة 1979). وفي الواقع العملي، كان المقياس الذي تقيس به الولايات المتحدة مدى شرعية الدول في الشرق الأوسط، هو رغبة هذه الدول في عقد سلام مع "اسرائيل" أو التعبير عن قبولها بوجودها على الأقل.

وفي هذا السياق، يمكن فهم قرار وزير الدفاع "الاسرائيلي" ارييل شارون، القيام بغزو لبنان سنة 1982 فكانت "اسرائيل" تأمل من ورائه تنصيب بشير الجميل، وهو رجل قوي من الأقلية المارونية المسيحية، ان تجني عدة فوائد مهمة: وهي توقيع معاهدة سلام بالشروط "الاسرائيلية"؛ وفرصة ضم منطقة جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، بما فيها من مصادر مائية مهمة، وإخلاء القيادة الفلسطينية ومقاتليها من قواعدهم في مخيمات اللاجئين، واختزال النفوذ السوري في لبنان، وخلق دولة اثنية غير مسلمة أخرى الى جانب "اسرائيل". وكانت هذه الأهداف تتمتع بدعم متأصل قديم من قبل زعماء "اسرائيل"، بمن فيهم أول رئيس وزراء "اسرائيلي"، ديفيد بن غوريون، الذي كان يحث باستمرار على اندفاع "اسرائيل" داخل لبنان لخلق "دولة مسيحية". وفي سنة ،1954 أيد رئيس الأركان "الاسرائيلي"، موشيه دايان المكيدة المكيافيلية ذاتها، حيث قال: "سوف يدخل الجيش "الاسرائيلي" لبنان،وسيحتل الأراضي اللازمة، ويخلق نظاماً مسيحياً يتحالف مع "اسرائيل".

ولكن على الرغم من التركيز على تحقيق المصالح "الاسرائيلية"، الاّ أنها لم تكن تتعارض مع المصالح الأمريكية، بل ربما كانت تتوافق معها. فوجود رجل قوي مطيع في لبنان، سوف يقلل النفوذين السوري والسوفييتي في المنطقة، ويساعد على عملية عزل الدول العربية العاصية، ويضفي على "اسرائيل" مزيداً من القوة.

مبدأ شارون: إقامة امبراطورية

يذكر المؤلف ان ارييل شارون، قبل القيام بغزو لبنان،كان قد كتب خطاباً رسم فيه تصوراً جديداً لدور "اسرائيل" في الشرق الأوسط. وكان هذا التصور يمثل تحولاً جذرياً عن الفهم التقليدي لحاجة "اسرائيل" الى حماية نفسها من جيرانها المعادين، وقد أثار ذلك التصور دهشة واستغراب بعض المعلقين "الاسرائيليين".

ولا يمكن تحقيق تصور شارون من دون انفراد "اسرائيل" بامتلاك الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، أو إقامة تحالف وثيق مع الولايات المتحدة.

وقد نُشر الخطاب في صحيفة معاريف "الاسرائيلية". وطرح فيه شارون فلسفة أمنية جديدة ل "اسرائيل"، لم تعد "اسرائيل" بموجبها تفكر بشروط السلام مع جيرانها، أو بمحاربة خطر المواجهة المباشرة مع الدول العربية على حدودها. وبدلاً من ذلك أصبحت تسعى الى توسيع دائرة نفوذها لتشمل المنطقة بأسرها.

يقول شارون في خطابه: "وراء الدول العربية، في الشرق الأوسط وعلى سواحل البحر الأبيض المتوسط، يجب علينا ان نوسع مجال اهتمامات "اسرائيل" الاستراتيجية والأمنية في الثمانينات لتشمل دولاً مثل تركيا، وايران وباكستان، ومناطق مثل الخليج العربي وافريقيا، ودول شمال افريقيا بخاصة".

ويعتمد نجاح "اسرائيل" في ذلك، كما قال شارون، على "تفوق نوعي وتكنولوجي حاسم" في الأسلحة العسكرية، وبخاصة عزمنا على منع دول المواجهة أو الدول التي قد تصبح دول مواجهة من الحصول على أسلحة نووية".

وسرعان ما أصبح يُعرَف هذا التصور ل "اسرائيل" كقوة اقليمية عظمى، باسم "مبدأ شارون"، كما أنه أثار انتقادات واسعة. فقد كتب مراسل صحيفة عل هامشمار "الاسرائيلية" اليسارية، تسفي تيمور، ان شارون يقترح اقامة "امبراطورية "اسرائيلية"".

ويقول المؤلف، ان هنالك ما يفوق القرائن المجردة، على ان مبدأ شارون، سرعان ما تم دمجه في رؤية المؤسسة الأمنية "الاسرائيلية" لدورها المحتمل في الشرق الأوسط. فقد جمع اسرائيل شاحاك، في كتابه "أسرار شائعة"، وترجم العديد من التعليقات التي نشرها في وسائل الإعلام "الاسرائيلية" ضباط كبار في الجيش في أوائل تسعينات القرن الماضي، يؤيدون فيها قيام الجيش "الاسرائيلي" بدور اقليمي.

ويقول المؤلف، "ان ذلك يعني ان دور "اسرائيل" هو فرض الإملاءات على الدول في المنطقة وترويعها بتهديدات المعاقبة، بحيث لا تجرؤ على الخروج عن الخط. وقد اشتملت الخطوط الحمر التي لا تسمح "اسرائيل" بتجاوزها، حدوث ثورات سواء كانت عسكرية او شعبية، مما قد يحمل الى سدة الحكم في الدول المعنية، عناصر متعصبة ومتطرفة. ونتيجة لذلك، يمتد نفوذ "اسرائيل" ليتجاوز جيرانها المباشرين، ويتعداهم الى جميع الدول في منطقتنا". وبحماية الأنظمة التي يعتمد عليها في الشرق الأوسط، قدمت "اسرائيل" خدمة حيوية للدول المتقدمة صناعياً، التي تتوق جميعها الى ضمان الاستقرار في الشرق الأوسط.

وقد شكل مبدأ شارون أساس التعليقات التي صدرت في ديسمبر/ كانون الأول ،2001 بُعيْد هجمات 11/9 على الولايات المتحدة، عن مستشار الأمن القومي "الاسرائيلي" الجنرال عوزي دايان، ورئيس جهاز الموساد افرايم هليفي. فقد قال كلاهما في مؤتمر هرتزليا ذلك العام، ان هجمات 11/9 كانت معجزة الهية، أتاحت ل "اسرائيل" فرصة لتحييد ومعاقبة أعدائها. وتحدّث هاليفي عن وشوك وقوع حرب عالمية تختلف عن كل سابقاتها وظهور مفهوم بعد 11/9 يجمع "كل عناصر الارهاب الاسلامي في صيغة واضحة ومميزة واحدة"، مما يخلق ورطة أصلية لكل حاكم ولكل دولة في منطقتنا. ويجب على كل واحد ان يبلغ لحظة الحقيقة ويقرر كيف يحدد موقعه في تلك الحملة". وفي هذه الأثناء حدد دايان الأهداف، بعد أفغانستان، للمرحلة القادمة من الحملة الاقليمية، وهي "مثلث ايران، العراق، وسوريا"، وجميع مؤيدي الارهاب القدامى، الذين يطورون أسلحة دمار شامل". وقال: "يجب مواجهة هذه الدول في أسرع وقت ممكن، وهذا مفهوم أيضاً في الولايات المتحدة. وهنالك أسباب حقيقية تدعو حزب الله وسوريا الى القلق بشأن التطورات في هذه الحملة، ويصح ذلك أيضاً على المنظمات والدول الأخرى".

ويقول المؤلف معقباً على ذلك، ان هذا الأمر لم يكن ليكتسب أهمية حاسمة لولا ان سياسة "اسرائيل" إزاء جيرانها العرب تتقرر منذ عقود طويلة من قبل الجيش، لا من قبل الحكومة. وهذا هو ما قاله الجنرال مالكا، وهو رئيس سابق للاستخبارات العسكرية، للجنة فينوغراد في أوائل سنة 2007.

وفي سنة 2001 طرح مصدر في الكونجرس الأمريكي تقديرات مماثلة، حيث قال ان الحكومات "الاسرائيلية" جميعاً كانت تمنح اقتراحات الجيش "قدراً عظيماً من الاهتمام" لأن الجيش يمثل "الحكومة الدائمة". وقد أعطى المعلق العسكري "الاسرائيلي" أمير اورن الرأي ذاته لصحيفة هآرتس، حيث قال "في السنوات الست الماضية، منذ اكتوبر / تشرين الأول ،1995 كان هنالك خمسة رؤساء وزارات وستة وزراء دفاع، واثنان فقط من رؤساء الأركان". وكان الصحافي جاي بيكور أكثر صراحة حين كتب في صحيفة يديعوت احرونوت، "ان الحكومة وصناع القرار، والكنيست، والصحافة، ومكتب المدعي العام الحكومي وغير ذلك من المؤسسات المدنية والاقتصادية، يأتمرون بأمر الجيش. ولا نقول انه لا توجد استثناءات لذلك، ولكنها تظل استثناءات".

ولكن شلومو جازيت يذكر كذلك ان قيمة دور الجيش "الاسرائيلي" بالنسبة الى الولايات المتحدة قد تضاءلت في تسعينات القرن الماضي في أعقاب سقوط الامبراطورية السوفييتية. وكان ذلك واضحاً، كما قال أثناء حرب الخليج ،1991 عندما تمّ استبعاد "اسرائيل" عن المشاركة لأن الدول العربية "ما كانت لتقبل المشاركة في أي تحالف عسكري أو أمني، إذا شاركت "اسرائيل" فيه". ويتساءل جازيت، "إذن ما هو الرصيد الاستراتيجي الذي تشكله "اسرائيل" للولايات المتحدة في مثل هذه الظروف؟". ويجيب قائلاً ان "اسرائيل" ما تزال تخدم غرضاً حيوياً لأنها ملأت الفراغ الذي خلفه زوال الاتحاد السوفييتي، عندما "خسر عدد من الدول العربية، راعيهم الذي يضمن صلاحيتهم السياسية والعسكرية والاقتصادية". وقد أدى ذلك، حسب رأي جازيت إلى زيادة عدم الاستقرار في المنطقة، مما يعني أن دور "اسرائيل" كضامنة للنظام الاقليمي قد ارتفع الى المرتبة الأولى.

ويمضي المؤلف قائلاً، عندما اقترح شارون قبل عقد من ذلك الوقت، مبدأه لإقامة امبراطورية "اسرائيلية" - وإن تكن معتمدة على الولايات المتحدة - كان يفكر بدورها في عالم ثنائي القطب تواجه فيه الولايات المتحدة الاتحاد السوفييتي. وقد ورد في خطابه المذكور: "أعتقد أن التعاون الاستراتيجي بين "اسرائيل" والولايات المتحدة والدول الأخرى الموالية للغرب في هذه المنطقة وعلى رأسها مصر، التي تطور "اسرائيل" معها الآن نظام علاقات، تمت المصادقة عليه بمعاهدة سلام (اتفاقية كامب ديفيد سنة 1978).. هذا التعاون هو الطريقة الواقعية الوحيدة لمنع المزيد من المؤامرات السوفييتية".

ويقول المؤلف، كان دور "اسرائيل" الحفاظ على النظام في الشرق الأوسط، وهو النظام الذي يفيد راعيتها، الولايات المتحدة، ضد النفوذ السوفييتي المفرط في المنطقة.

ولكن، بعد انهيار الامبراطورية السوفييتية، كان ثمة حاجة الى مجموعة جديدة من "المؤامرات" من أجل تبرير هذه الفلسفة. وسرعان ما أدرك اليسار واليمين "الاسرائيليان" الحاجة الى إجراء تحول في نهجيهما. وفي سنة ،1994 بعد شهور من إشاعة صمويل هنتنجتون لمصطلح "صدام الحضارات"، أولاً ضمن مقالة نشرها في مجلة الشؤون الخارجية، ثم في كتاب رائج، بدأ رابين وبيريز، وباراك استخدام المصطلحات ذاتها، مدعين أن الغرب والإسلام محكوم عليهما بأن يظلاّ في حالة مواجهة دائمة. وبعد 11/،9 وكما توقع هاليفي ودايان في مؤتمر هرتزليا سنة ،2001 كان الجمهور الأمريكي والمؤسسة السياسية الأمريكية مستعدين للتسليم بالحاجة الى حرب ضد التطرف الاسلامي. وأصبح بالإمكان الآن، طرح فهم "اسرائيل" لمكانتها في الشرق الأوسط، باعتبارها مخفراً متقدماً للحضارة اليهودية المسيحية، محاطاً ببحر من البرابرة المسلمين- في عالم ما بعد 11/9 - باعتبار ذلك الفهم عموداً أساسياً من أعمدة حرب الولايات المتحدة على الإرهاب.