تصافح روحك بهجة الإيمان حال وصولك إلى عتبات مدينة النهرين برؤية بياضه المتوهج وعمارته الباذخة وتاريخه المشرق.. ذاك جامع السيدة نسبةً لآخر ملكات اليمن السيدة أروى بنت أحمد الصليحي، التي أمرت بتشييده في معقلها وكرسي حكمها، مدينة جبلة عاصمة الدولة الصليحية الإسماعيلية، إحدى كبريات الدول الإسلامية المستقلة التي قامت في اليمن ودانت بالطاعة للخلافة الفاطمية.

لا يذكر هذا الجامع، إلا وتذكر معه هذه الملكة التي سارت على خطى سابقتها ملكة سبأ ومعاصرة النبي سليمان، وشابهتها في كثير من الصفات الشخصية، واستحقت لذلك بين جملة ألقاب حملتها لقب الملكة بلقيس الصغرى لرجاحة عقلها وذكائها وحسن تدبيرها، وسداد رأيها، وسعة علمها، وجمال خلقتها، وشخصيتها النافذة، وغيرها مما جعلها خير مستشارة لعمها مؤسس الدولة الصليحية، والقائم على تربيتها بعد أبيها.

ولدت الملكة أروى في حصن مسار من جبال حراز في اليمن سنة 440ه (1048م) ونشأت في رعاية زوجة عمها الملك علي بن محمد الصليحي مؤسس الدولة الصليحية التي استمرت 91 عاماً (438-532ه/1047-1138م)، وكان معجباً بما تأتى لها من جمال خَلقٍ وحسن خُلقٍ وفضل ومعرفة وسمو روحٍ ورجاحة عقل وسداد رأي، فزوجها لابنه المكرم أحمد، وجعل مهرها خراج ميناء عدن لعام 458ه وقدره 100 دينار ذهبي.

حكاية عهد

تسرد مصادر التاريخ حكاية هذا الجامع في سياق حكاية صاحبته، وتبدأ بتولي المكرّم أحمد الحكم مِنْ بعد أبيه سنة 459 ه، فكانت له خير مستشار ومعين على إدارة شؤون الحكم، وأنجبت منه ولدين وبنتين، ولما مات ولداها سنة 467ه فوّض زوجها الأمور إِليها وكان يرغب في الإقامة في صنعاء، فطلبت أن يحشر الناس إلى الميدان، وأن يشرف عليهم، وعندما فعل لم يقع بصره إلا على برق السيوف ولمع البيض والأسنة، فنصحته بالانتقال إلى مدينة جِبْلة.

تأكد للمكرم صواب نصح زوجته فور وصوله وإياها إلى جِبلة، إذ أشارت عليه بأن يجمع الناس ويحشرهم إلى الميدان وأن يشرف عليهم وعندما فعل لم يقع بصره إلا على رجل يجر خروفاً وآخر يحمل ظرفاً فيه سمن أو عسل، وآخر يخرز نعلاً، فقالت له العيش بين هؤلاء أصلح، فاستقر المكرم بعد ذلك في مدينة جِبلة سنة 473ه (1081م) واختط فيها دار العز مقراً له، وأتخذها عاصمة للدولة الصليحية منذ ذلك التاريخ.

كانت جِبْلة الواقعة جنوبي صنعاء بنحو 200 كم. وجنوب غرب مدينة إب بسبعة كيلومترات، فوق هضبة مسطحة في السفح الشمالي لجبل التعكر بارتفاع 1350 متراً فوق سطح البحر، بلدة عامرة أسسها الأمير عبد الله محمد الصليحي عام 458ه (1066م) وتُعرف باسم مدينة النهرين لتوسطها نهرين كبيرين دائمي الجريان على مدار العام، وما تزال من أجمل المدن اليمنية طبيعةً وأطيبها هواءً وأعذبها ماءً، وازدهرت بعد اتخاذها عاصمة.

وتولت الملكة أروى باسم زوجها تدبير أمور الدولة الصليحية في اليمن خير قيام واستطاعت أن تبسط نفوذها على قبائل البلاد فخضع لها الناس اعتباراً من العام 477 ه (1085م) وفق المصادر التاريخية. ومنحها الخليفة الإمام المستنصر بالله منصب داعي الدعاة ولقبها: السيدة الحرّة، وحيدة الزمن، سيدة ملوك اليمن، عمدة الإسلام، ذخيرة الدين، عصمة المؤمنين، كهف المستجيبين، وليّة أمير المؤمنين، كافلة أوليائه الميامين، ولا غرابة، إذ يذكر صاحب عيون الأخبار الداعي إدريس قيس أن الملكة أروى كانت: متبحرة في علم التنزيل والتأويل والحديث الثابت عن الأئمة والرسل عليهم السلام، وكان الدعاة يتعلمون منها من وراء الستر، ويأخذون عنها ويرجعون إليها، وقد استحقت التقديم والتفضيل على الفضلاء من الرجال. وكان الإمام المستنصر عليه السلام أصدر إليها أجل أبواب دعوته، فأفادها من علوم الدعوة، ورفعت عن حدود الدعاة إلى مقامات الحجج.

حكمت الملكة أروى اليمن موحداً 51 عاماً (477-532ه/1085-1138م) اشتهرت خلالها بالثبات والحكمة والعدل، وخلفت مآثر عديدة، أبرزها ترميم وتوسعة الجامع الكبير في صنعاء، ورصف وتبليط مدينة جبلة وثلأ وغيرهما من المدن اليمنية بالحجارة، وشق الطرقات وتشييد الجسور، وإنشاء المساجد والمدارس العلمية ووقف الوقفيات الكبرى لها ورواتب لمعلميها والعلماء وغيرها من المحاسن، يتقدمها جامع جبلة الكبير.

كان هذا الجامع في الأصل هو مبنى قصر الحكم دار العز الأولى في جبلة. وفي العام 480ه (1087م)، وقبيل وفاة المكرم بعام واحد، رأت الملكة أروى أن تجعل للمدينة مسجداً جامعاً، فأمرت بتحويل هذه الدار منبراً للأذان وللجمعة والعزاء والعيدين كما يأتي في الشريط الكتابي على الجانب الأيمن لضريحها الذي أشرفت الملكة أروى بنفسها على تشييده في مبنى ملحق بالجامع أيسر القبلة، وأوصت بأن تدفن فيه.

درج الألف

يعتلي الجامع إحدى سبع رُبى في جِبْلة تدعى رابية ذي أور، ويقع على مساحة إجمالية تبلغ حوالي 510 أمتار مربعة. وهو مستطيل الشكل يتكون من بيت الصلاة وفناء (صحن) مكشوف يتوسط الجامع ويشغل 356 متراً مربعاً، وتحيط به أربعة أروقة أهمها الرواق الشمالي الذي يفصل بين الفناء وبيت الصلاة في الجهة الشمالية، ومئذنتان، ومكتبة ومعلامة (مدرسة)، وضريح الملكة أروى، ومطاهر الوضوء.

بنيت قاعدتا المئذنتين من الحجر وبنيت بقية الأجزاء من الآجر. وتنتصب الأولى عند الزاوية الجنوبية الشرقية، والثانية في الزاوية الجنوبية الغربية للجامع. وقد بنيتا في تاريخين مختلفين، فالمئذنة الغربية يُرجعها بعض الباحثين إلى القرن الخامس الهجري، وتتشح بياض الجص بكاملها. بينما المئذنة الشرقية ترجع إلى القرن السابع، ويتألف بدنها من 16 ضلعاً وحظيت بزخارف أكثر وأدق، تصطبغ باللون الأبيض والأحمر.

وللجامع سبعة مداخل، ثلاثة منها تفتح في الواجهة الشرقية، واثنان في الواجهة الجنوبية، ومدخل واحد في الواجهة الغربية ومدخل في الواجهة الشمالية. وتعلو بعض هذه المداخل النقوش الكتابية القرآنية، مثل ما تقرأه على عتبات مداخل الواجهة الغربية: (بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين).

يرتبط المدخل الرئيسي في الواجهة الشرقية المطلة على سوق المدينة، بسلم بني من الحجر، يسميه الأهالي درج الألف باعتبار أنه يتكون من خمسين درجة وكل درجة تتراص عرضاً بعشرين حجراً محكمة التصميم، ما يجعل السلم مكوناً من ألف حجر. لم نقم بعد الحجارة حجراً حجراً، لكن هذا ما يتداوله أهالي جبلة، مثلما يتداولون حكاية سبحة الملكة أروى ذات الألف حبة على أركان ضريحها، أيسر القبلة.

وقد صُنعت جميع أبواب الجامع من خشب الطُنب وطرزت بزخارف نباتية عتيقة، وكتابات منها أنعمت فزد، أنعمت فلك الحمد و(بسم الله الرحمن الرحيم ادخلوها بسلام آمنين). وبيت الصلاة يتكون من أربعة صفوف من الأعمدة والدعامات، يتباين عددها في كل صف ويبلغ إجمالاً 11 دعامة و92 عموداً بعضها ترتفع بأشكال مثمنة، وبعضها الآخر مستطيلة الأشكال، فيما تيجان هذه الأعمدة متنوعة ما بين مستطيلة ومربعة.

أما محراب بيت الصلاة فعبارة عن تجويف بعمق 85 سم في منتصف الجدار الشمالي لرواق القبلة، يعلوه عقد (طاقية) مدبب محمول على عمودين يحيط بهما عمودان أكثر سمكاً يرتكز عليهما عقد مدبب. وتغطي الزخارف الهندسية والنباتية والكتابية تجويف المحراب وواجهات عقوده والأعمدة التي تكتنفه من الجانبين، فيدور شريط كتابي محاط بشريط زخارف نباتية متداخلة تتمثل في أوراق العنب، مشكلاً إطاراً مستطيلاً للمحراب.

تقرأ في الشريط الكتابي للمحراب كتابة بالخط الكوفي نصها: (بسم الله الرحمن الرحيم أقبل على ربك وكن من الساجدين ولا تكن من الغافلين وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين). وللمحراب خزانة تسمى المحارة، وتم مؤخراً ترميمه وتجديد ألوان زخارفه، وعلى يمين المحراب يقف منبر مصنوع من الخشب، ومُطرز بزخارف هندسية ونباتية ملونة، ويؤدي مدخله إلى سلم صاعد من عشر درجات تنتهي بمقعد جلسة الخطيب.

مصندقات زخرفية

ومايزال سقف بيت الصلاة محتفظاً ببقايا مصندقاته الخشبية الزخرفية المشابهة لمصندقات أسقف الجامع الكبير بصنعاء التي أحدثتها توسعة الملكة أروى للجامع في القرن الخامس الهجري. وتتوزع زخارف سقف جامع جبلة إلى مناطق زخرفية، في كل منطقة ثلاث مصندقات. ويرى أستاذ فنون العمارة الإسلامية في جامعة صنعاء د. محمد علي العروسي، أن هذه الزخارف رائعة إجمالاً، رغم ظهور أشكال زخرفية بعضها يتكرر.

ويذكر د. العروسي من هذه الأشكال الزخرفية: النجمة ثمانية الأضلاع فيعتبر تكوينها ثرياً، إذ تحتوي بداخلها على مربعات ومثلثات متشابكة ودوائر صغيرة، وتحيط بالنجمة زخرفة نباتية عبارة عن أوراق ثلاثية وأشكال الورود وأوراق الأكانتس وأشرطة من الزخارف الحلزونية والتشابكات الهندسية، وقد استخدم اللون الذهبي والبني والأزرق الفاتح والأبيض والأسود في تنفيذ هذه الزخارف الرائعة. وجددت عام 1358ه.

يشغل هذا الرواق (الشمالي) المساحة الأكبر بين أروقة الجامع. فهو يمتد من الشرق إلى الغرب، وله خمسة مداخل بالضلع الجنوبي. وهو مؤلف من أربع بلاطات تتكون من أربعة صفوف من الأعمدة، تتركز عليها عقود مدببة تحمل السقف. وينتهي جدار الواجهة الجنوبية لهذا الرواق من أعلى بزخارف هندسية عبارة عن شرفات متدرجة بخمسة مستويات مُقامة على قواعد مرتفعة. وتغطي قبة صغيرة، المساحة بينه وبيت الصلاة.

مدرسة لتعليم القرآن

يتكون الرواق الشرقي من بلاطتين بكل منهما ثمانية أعمدة ترتكز عليها عقود مدببة. والرواق الجنوبي بلاطة واحدة تتألف من سبعة أعمدة، وفي ضلعه الجنوبي يفتح على مطاهر الوضوء بمدخلين. فيما الرواق الغربي من بلاطتين، الأولى تطل على الفناء بوساطة ثمانية أعمدة، والثانية تتألف من خمسة أعمدة تحتل الجزء الشمالي للرواق، وفي زاويته الجنوبية مع الجهة الشرقية للرواق الجنوبي، توجد ردهة ماتزال تستخدم مدرسة.

عُرفت هذه المدرسة باسم المعلامة (كُتاب) وخصصت لتعليم قراءة وتجويد القرآن الكريم وتفسيره. وتجاورها مكتبة الجامع التي مازالت تحوي مصاحف يصل عمر بعضها إلى 700 عام، ومخطوطات في مختلف العلوم والمعارف ولايزال بعضها يتضمن هوامش وتعليقات بخط الملكة أروى التي وصفها المؤرخون بأنها كانت على جانب كبير من الأخلاق وجمال الخلقة، جهورية الصوت، قارئة، كاتبة، تحفظ الأخبار والأشعار والتواريخ وأيام العرب.

ونصل إلى ما يَعده الآثاريون والباحثون أهم أضرحة القرن السادس الهجري في اليمن على الإطلاق باعتباره الأثر الباقي من أضرحة الدولة الصليحية. يقع هذا الضريح في بناء مربع تبلغ مساحته 13 متراً مربعاً (50.3*70.3م)، ويضم قبر وتابوت الملكة أروى، التي تذكر مصادر التاريخ أنها لما أمرت ببناء دار العز الأول جامعاً استثنت موضع ضريحها من بناء الجامع حيث أشارت في وصيتها وعاينها الشهود والقضاة.

دفنت الملكة أروى سنة 532ه (1138م) أيسر القبلة في منزل متصل بالجامع كانت هي التي تولت عمارته وهيأت موضع ضريحها فيه حسب المصادر. وتزين جدران الضريح زخارف كتابية قرآنية بخطي النسخ والكوفي المزهر (حروف نهاية الكلمات تخرج منها الورقة النباتية على هيئة غصن نباتي)، وتمثل إطاراً يدور حول واجهتي الضريح، بجانب زخارف نباتية ومراوح نخيلية وأشكال ورود متعددة البتلات والسيقان والفروع النباتية.

نُفذت هذه الزخارف بالنقش والحفر البارز المتقن على الجص، بين كوشات عقود الدخلات المجوفة على شكل أشرطة رأسية. ومايزال الضريح مزاراً للطائفة الإسماعيلية في أرجاء اليمن وشبه الجزيرة العربية والهند وغيرها من الأصقاع.. مثلما لا تزال جبلة قبلة لطالبي العلم في المدارس الإسلامية التي عرفتها المدينة وجعلتها مدينة علم لا تقل شأناً عن مدن صنعاء وزبيد وتريم وغيرها من هجر العلم التاريخية في اليمن.