لا مسافة حقيقية بين كل من الشعر الفصيح والشعر النبطي، فكلاهما يمتحان من البيئة العربية نفسها، التي تتعدد فيها اللهجات وتكثر، وأية دراسة نقدية حصيفة لنخب وعيون الشعر الشعبي، ستظهر انه، انما يستمد لهجته لغته من العربية الفصيحة ، بما يعني دون شك ان اللهجات على اختلاف مشاربها وبيئاتها، قريبة الشبه وذات اشتقاقات مؤكدة من جذر اللغة العربية.
لعل من المهم القول ان اهمية الشعر الشعبي تنبع من كونه يترجم احاسيس الناس، وهواجسهم وتطلعاتهم، ويشكل نافذة لفهم علاقاتهم وتطلعاتهم الى الحياة، وهناك العديد من الدراسات النقدية المحكمة التي ردت الاعتبار لهذا الشعر، الذي هوجم في اكثر من منبر ادبي عبر السنوات الماضية وألحقت به الكثير من الاحكام التي نفرت المتلقين منه على اعتبار انه يخاطب شريحة قليلة من الناس ليس الا، وبالتالي فلا يليق الاهتمام به الا بكونه يخاطب تلك الشريحة وينطق بلسانها.
وفي مقابل هذا الحكم زادت نسبة المتعاطفين مع الشعر الشعبي، على غرار ما كتبه شعراء عرب وكانت لأشعارهم التي أسهم الغناء في نشرها، اثر كبير في التعاطف مع هذا اللون الشعري.
ان الكثير من الامسيات الشعرية النبطية والشعبية التي تعقد هنا او هناك تؤكد مثل هذه الخلاصة، وقد لا نجانب الصواب اذا قلنا ان بعض قصائد هذا اللون الابداعي ليست سهلة كما يظن المرء، بل انها تحتمل من الحكمة ما يمكن ان تحتمله من القدرة على التعبير، واضاءة مفردات من التراث العربي وامكانية التواصل مع الناس، والقدرة على الحفظ والترديد، هذا عدا عن خاصية التأصيل، بمعنى الاصالة والنقاء، لذا، فإن عينا محايدة ومنتبهة، لا شك انها سترى في هذا الفضاء الشعري ما يستحق ان تعقد لاجله ندوات اكثر، تسلط الضوء على عوالمه وهواجسه.
ربيع بن ياقوت واحد من فرسان الكلمة في الإمارات والخليج العربي الذين حضروا بقوة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي في التاريخ الاماراتي، وهو أيضاً أحد الذين عاشوا معاناة الامس وشاهد ايام العز والرخاء في الدولة، وهو من الشعراء المخضرمين الذين فتحت لهم الابواب في كل محفل ومجمع وارهفت لهم الآذان في كل شدو وهمس، فقد اشتهر بالقصائد الاجتماعية وتناول القضايا العربية والقومية مستخدما الكلمة الشعبية في التعبير عن مشاعره الصادقة واحساسه تجاه امته وقال الكثير في الحياة والشكوى والغزل والرثاء.
وبهذه المناسبة اصدر النادي الوطني للثقافة والفنون في عجمان مؤخرا ديوان حصاد العمر للشاعر الاماراتي الكبير ربيع بن ياقوت بناء على مرسوم اميري من صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي عضو المجلس الاعلى حاكم عجمان، ليشكل مساهمة فعلية تلقي الضوء على فنون ومجالات واغراض متنوعة، تم رصدها في هذا الكتاب، الذي شكل صاحبه بن ياقوت مرجعاً واسعاً، ويتوزع كتاب حصاد العمر الذي جاء في 290 صفحة من القطع الكبير على اغراض شعرية مرتبة في ابواب: المدح، الوطن، المناسبات، الغزل، الشعر الاجتماعي وشعر الرثاء.
في باب المديح يقول ابن ياقوت في قصيدة دولتي وهي مهداة الى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وقيلت بمناسبة العيد الوطني:
كملت الاوصاف لله الكمال
دولتي وكل ما فيها جميل
كل ما فيها بديع كالخيال
أنظر لها وانتشي فرح واميل
واحتضن في شوق كل ذرة رمال
وبحرها عذب وطعمه سلسبيل
شيخها معروف قيدوم الرجال
زايد الخيرات ذل المستحيل
كافي وافي وموفور الخصال
في الكرم والجود كالغيث الهميل
عمم الخيرات كالمزن الثقال
اينعت ازهار ريحان ونخيل.
وفي هذا الباب ايضا وفي قصيدة اهل السيوف التي اهداها الى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي:
أسج واسرح وانتبه قلت انا وين
قالوا دبي ولا خلا من ثراها
ذي دار ابو مكتوم سيد الميامين
ما راح صيته باقي في علاها
دار الشيوخ اللي على المجد رابين
مكتوم واخوانه ربوا في حماها
الى ان يقول:
اهل السيوف المرهفة ذات حدين
والعاديات اللي تخوف اعداها
يا شوق مزيون تفوق المزايين
عفية ليّ ما تعثر خطاها
دعيت لك دعوى الحجيج الملبين
دعوة محب من فواده صداها.
اما في باب الغزل فكتب ابن ياقوت اكثر من اربعين قصيدة، تميزت بحسن سبكها ورهافة مفرداتها وقدرتها على توصيف المعشوق، وتعتبر بنت الخليج واحدة من القصائد التي تصور ابداعاته في هذا المجال، ويقول فيها:
اطلع اذا غاب القمر
واطلع وزيد النور نور
اطلع وحنا ننتظر
وجه السعادة والسرور
شوفتلك للدنيا سمر
تضوي على كل الحضور
مثل القمر بين الخدر
توطى على فوع الزهور
اطلع بزخات المطر
دنياك ريضان وغدور
فوح الخزامى منتشر
غرة ذوابيها حدود.
وقد برع الشاعر ربيع بن ياقوت في شعر المحاورات فحاور الشاعر راشد شرار في أشعار متبادلة بينهما، وكذلك حاور سالم الزمر ومصبح بن علي الكعبي وعلي بن رحمة الشامسي ومحمد بن علي الكوس، ومن خصائص المحاورات عادة أن تكون متماثلة الوزن والغرض، وتدل هذه المحاورات على سرعة بديهته وعلو كعبه في هذا الميدان وقدرته على منازلة الكبار من المبدعين، ومن جيد محاوراته قوله يخاطب الشاعر علي بن رحمة الشامسي:
يا ربيع وش بلانا
ما نفرح بالمطر
اضحك وغن ويانا
لا تازم تفتكر
صاحبنا ما نسانا
معروفه يتذكر
اللي جانا كفانا
جعله دايم ذخر
وقد رد عليه علي بن رحمة:
يا هلا بربيع إخوانا
في جلسات الشعر
يا ما الخوي يدعانا
لا هان ولا حقر
لي يهوانا ويبانا
نوقف دونه سبر
وقد عرف عن ربيع بن ياقوت جرأته وشجاعته وغيرته على وطنه وتراث هذا الوطن، وكان يسعى دوما لخدمته وتدل أشعاره على ذلك. فهي تحمل كل معنى الوطنية وأكبر أثر لتلك الوطنية أن الشاعر يسعى دوما إلى ترك طابع المجتمع الإماراتي في شعره، فكأنه خارطة ثقافية لعادات وطبائع وأخلاق مجتمعه.