قبل ايام مرت ذكرى وفاة الطيب صالح أحد رموز الرواية العربية المعاصرين او كما كان يطلق عليه (عبقري الرواية العربية) .
والطيب صالح كما يعرف الكثيرون اكتسب شهرة عربية وعالمية، بعد ان اصدر روايته موسم الهجرة الى الشمال في منتصف الستينيات من القرن الماضي .
في سنين مراهقتنا الأدبية -إن جاز التعبير- لم نكن نعبأ بالتنظيرات النقدية، وهكذا، كنا نقبل على قراءة الروايات من الآداب العالمية وبالدرجة الأولى الروسية وقليل من الفرنسية والامريكية، وعربيا كان الراحل نجيب محفوظ قد أوسع الساحة العربية روايات قلما تجد قارئاً للأدب إلا وعدّد اكثر من رواية لمحفوظ كان قد استذكرها وفهم مراميها .
أما بالنسبة للطيب صالح، فقد قفز الى ذاكرة القراء العرب حتى المتمرسين من الكتاب والادباء بعد ان صدرت روايته موسم الهجرة الى الشمال التي ترجمت الى اكثر من 30 لغة أجنبية وقام النقاد بتحليلها واعتبارها رداً ادبياً وثقافياً على الاستعمار الكولونيالي، الذي لا يزال يغالي في توحشه، في مناطق عديدة من مساحة وطننا العربي والاسلامي حتى الآن، نعم، لم نكن نعبأ بأي منظور نقدي سوى ذلك الحماس الذي يشدنا الى قراءة هذه الرواية أكثر من مرة .
كنا نتوقف طويلا امام مصطفى سعيد بطل الرواية الذي بدا لنا مغامراً استثنائياً وهو يجرجر ضحاياه الى مكان تنتعش في جنباته رائحة عود الند والبخور، فتنتهي حياتهن بالموت إما انتحاراً أو قتلاً .
وفي مرحلة لاحقة كنا نتوقف طويلاً أمام هذا المدماك الروائي، لنصنع لأنفسنا منظوراً نقدياً على قدّنا، ففي إحدى المرات فاجأنا أحد الاصدقاء بقوله إن كل شيء في الكون يحتاج الى أساس، وهذه الرواية تعرّف القارىء على سر نجاح أي عمل أدبي، الذي لا بد له من تناغم يحسن سرد أفكاره ومراميه، وكان يشير بحماسة الى تلك الشعرية التي تضمنتها رواية موسم الهجرة والتي تبدأ في التصاعد وصولاً الى حالة الذروة، فتعرفنا على مفهوم البناء الأدبي الذي لا بد له من اساس، وصولا الى الخاتمة، ولأنه كان يشتغل في الهندسة، فقد استخدم تمثيلا مستوحى من أساسات البناء الذي يبدأ بقاعدة خرسانية عادية ثم مسلحة وينتهي برفع الأعمدة ومن ثم السقف .
في ما تلا من أيام ذاع اسم الطيب صالح، واصبح ضيف المهرجانات والملتقيات، فمن كان يعتقد ان مثل هذه الرواية المزركشة بالوان ادبية متنوعة يمكن لها ان تنفد الى ذاكرة القراء بمثل هذه السرعة والشفافية .
انه الابداع، الذي يترك اثره في ذاكرة البسطاء قبل المخضرمين، وانه بكل تأكيد، الطيب صالح صاحب اللغة الخالية من الرتوش والاستعارات . . صاحب المساهمة الرائعة في التراث الأدبي العالمي .