تعيش الشارقة هذه الأيام أجواء تراثية وتاريخية تستعيد عبق الماضي وأصالته من خلال فعاليات أيام الشارقة التراثية التي تقام دورتها الثامنة هذا العام تحت شعار تراثنا أمانة في ساحة التراث بمنطقة الشارقة القديمة .
وتشهد الأيام فعاليات مختلفة قسمت إلى بيئات حية منها البيئة الجبلية، وحرف أهل الجبل، ومعرض البيئة الزراعية، وحرف أهل الزراعة، ومعرض الأدوات الزراعية والهياسة، وسوق الجمعة، والبيئة البدوية، بجانب مختلف ألوان الفنون التي برع فيها الأجداد، وعازف الربابة وبيت الشعر، وعروض الفنون البحرية.
ويجد زائر منطقة التراث نفسه يتجول في زمن الأجداد الحافل بالتراث فالخيام منصوبة وأهل البادية يمارسون يومهم، وكذلك أهل البحر وأهل الزراعة يعملون بالوسائل التقليدية القديمة، إضافة إلى ذلك فهناك عروض مختلفة للمهن التراثية القديمة مثل المشغولات اليدوية وصناعة الخناجر والطبل وترويب الليخ وإعداد التوابل والعوال وفلق المحار ورعي الأغنام وتصنيع القفال . ولم تنس الفعاليات العروض التراثية المختلفة التي تقدمها فرق الفنون الشعبية التراثية الإماراتية والتي تشمل الهبان، والنوبان والطنبورة، والعيالة، والسومة، والرزيف، والوهابية، والدان، والويلية، والأنديمة والرواح والندبة والتوريد والكران .
رحلة برية في حياة أهل البحر
يوميات الصيادين مذكرات تراثية
الشارقة - أحمد مصطفى:
حنا الوفاء من طبعنا نحيي تراث أجدادنا يا مرحباً بضيوف الشارقة دار السلام . كلمات يستقبل بها أعضاء فرقة الفنون البحرية الموجودة في منطقة البيئة البحرية المقامة خلال فعاليات أيام الشارقة التراثية كل من يحرص
على مشاهدة أعمالهم التي تعبر عن عادات أهل البحر قديماً، وما كانوا يقومون به خلال المناسبات المختلفة .
عند زيارة منطقة البيئة البحرية في ساحة التراث بمنطقة الشارقة القديمة، تحضرنا أيام الأجداد، وما كانوا يقومون به في حياتهم
وكيف كانوا يقضون يومهم بين البحر في رحلات الصيد والتجارة . يستمتع الحضور بتصميم رائع للبحر يحيطه مركب شراعي كبير وأناس جالسون على الأرض يبتاعون الخير ويصنعون الشباك ولوازم الصيد، وفرقة تشدوا بأحلى وأمتع أغاني أهل البحر عند العودة من رحلة الصيد .
الرحلة إلى تراث أهل البحر تحتاج أياماً لنعرف كيف كان الأجداد يمارسون حياتهم وأيامهم ورحلات صيدهم، ويقول عبدالله سيد ربيع من أهل البحر: حياتنا مختلفة عن الآخرين فالبحر غايتنا وهدفنا نقوم برحلات الصيد والتجارة من أجل لقمة العيش، نرمي الشباك لصيد الأسماك ونصطاد اللؤلؤ والسمك .
وأضاف: نشارك في أيام الشارقة التراثية لنحيي تراثنا وتراث الأجداد من خلال هذه الفعالية ونستحضر الزمن الجميل، لتعرف الأجيال الجديدة كيف كان الأهل والأجداد يعيشون في البحر؟ وكيف كانوا يصطادون الأسماك بطرق بدائية؟
الوالد محمود محمد أحمد تحدث عن أكلات أهل البحر قائلاً: لنا أكلات مختلفة نفضلها فعندما كنا نصطاد الأنواع المختلفة من الأسماك، كنا نطهوها طازجة، ولا نترك لها فرصة المبيت، وعندما كنا نصطاد سمك الجاشع أو العومة وهو نوع من الأسماك الصغيرة كنا نقطع منه الرأس ونطحنه ونضعه في أوان صغيرة ونأكله بالخبز مع السمن وكنا نخزنه لأوقات عجاف في الوقت الذي لا يوجد فيه صيد .
ويضيف: أكل السمك بالعيش خلطة يحبها أهل البحر، وفيها نخلط السمك بالعيش والبصل في أوان كبيرة ونضعه على النار، حتى يطيب ثم نقدمه كطعام لنا أو للضيوف .
ويقول أبو مسلم العلوي قائد فرقة الفنون البحرية التي تستقبل زوار المنطقة البحرية بالحفاوة والترحاب والأغاني التي تعبر عن عراقة وأصالة أهل البحر: نحاول إحياء تراث الأجداد من خلال الفنون البحرية المختلفة التي تعودنا عليها وننشد أغاني أهل البحر وقت عودتهم من رحلة الصيد أو التجارة، كما نغني أيضاً أغاني للسفن والمراكب الصغير فكل واحدة منهما لها سمة مميزة .
ويضيف: عادات الأجداد في الماضي نحييها ونبقى عليها لأنها أصل حضارتنا وماضينا، لذا نقدم فنوناً مختلفة منها التقصيره وهي من أغاني وأناشيد أهل البحر وهي شلات يغنيها مغنيان، الواحد تلو الآخر ويرد البقية عليهما مثل الكورال، وهي أبيات شعر قصيرة قليلة الكلمات وتغنى عند سحب السن إلى المرساة لتغيير الموقع في الهير إلى مغاصة اللؤلؤ، كما يتغنى عندما يقوم النواخذة بتقصير حبل الخراب وهو حبل يربط السفينة بقاع الهير .
ومن فنون أهل البحر أيضاً الخطيفة وهو ضرب من الغناء يختص بسحب الحبال لرفع أشرعة السفينة، لذا تقسم من حيث الضرب والغناء على حسب أسماء أنواع الأشرعة: شراع العود أي الكبير وشراع القلمي وشراع الجيب ويأتي في مقدمة السفينة، ويبدأ النهام الخطيفة بالافتتاحية التالية يا الله بدينا . وتكون بعدها أهزوجة الإيقاع الرتيب لعملية سحب الحبال وهي هو . . لو الهولو . . الهولو .
عبد اللطيف جرجور الذي كان يجهز شباك الصيد قال: نختار شباك الصيد ونربطها بالحبال ونضيق المساحات الكبيرة في شبكة الصيد من أجل صيد كميات أكبر من الأسماك وعدم ترك مسافات للأسماك الصغيرة .
البيئة البدوية تحاكي الماضي
تستقطب منطقة البيئة البدوية في فعاليات أيام الشارقة التراثية زوار الفعاليات لأنها تحاكي تراث الأجداد من خلال خيام تشبه ما كان يعتمد عليه الأهل في الماضي، وحظائر لتربية المواشي وأماكن لبيع الأكلات الشعبية .
ويقول سالم بن ركاض العليلي مسؤول البيئة البدوية في أيام الشارقة التراثية ان أهل البادية لهم طباع خاصة، فهم أهل كرم وخير، لديهم عاداتهم الطيبة واصالة نقلت عنهم ولا يزال أهل الحضر يحتفظون بها وهم يمتازون بالشجاعة والإقدام .
يضيف العليلي: هذا المكان الذي يعبر عن البيئة البدوية نموذج مميز لحياة أهل البادية وحياتهم وطباعهم، حيث كانوا يعيشون في الخيام، كما ان المساحة المخصصة تضمنت مكاناً للزراعة وأماكن بيع المأكولات الشعبية القديمة التي اشتهرت بها الإمارات مثل الخمير واللقيمات واللحباب والقهوة والجرص والتمر .
وهناك أيضاً الماشية والإبل والحمير وهي نماذج لحيوانات أهل البادية والتي كان لكل منها استخدام خاص .
أما فنون أهل البادية، فكانت العزف على الربابة واليولة والزفة والردحة والعيالة والونة والتغرودة، وكلها ثقافات توارثتها الأجيال حتى وصلت إلينا وها نحن الآن نمارسها ونحافظ عليها لأنها تراثنا وتاريخ يجب ان نحافظ عليه طوال السنين .
وأوضح أن أهل البادية لهم أناشيدهم المتميزة ومنها يا ناقتي خبي خبيب النودي ومرادفها أن صاحب الناقة يطلب منها السير بسرعة من أجل اللحاق بمن يريد أو الهروب من هجوم الأعداء، وكل هذه فنون .
وقال أحمد سالم: من أشكال الحياة في البادية آبار المياه التي كان الأجداد يترحلون من مكان لآخر بحثاً عنها، وعن العشب من أجل اطعام الأغنام والماشية التي كانوا يعتمدون عليها في الحصول على الألبان والطعام، وكان هناك من يبيع الماشية والابل من أجل التجارة وكسب لقمة العيش .
وهناك عادات ثقافية يحرص عليه أهل البادية مثل إلقاء الشعر والفولكلور الشعبي، وهي موجودة في المنطقة البدوية الآن من خلال شباب صغار يلقون الشعر ويتسامرون .
ومن العادات المميزة لأهل البادية كذلك الإنصات للكبار عند الحديث .
كما كانت الزراعة من سمات أهل البادية فكانوا يجتمعون عند الآبار والأماكن التي تنبت فيها الحشائش من أجل توفير أماكن للزراعة، وكانوا يزرعون نباتات مختلفة بحسب المنطقة التي توجد فيها المياه والآبار .
ويقول خالد عجلان أحد زوار منطقة البيئة البدوية إن زيارته بصحبة أولاده للمكان جعلتهم ينبهرون بما كان يعيش عليه الأجداد في الماضي وكيف كانت حياتهم الحافلة بالعمل .
ملتقى حول الشارقة القديمة
يبدأ اليوم بدار الندوة، الملتقى العلمي حول (الشارقة القديمة وإمكاناتها كمحمية للتراث غير العادي) يشارك فيها مجموعة من المهتمين بالتراث من الإمارات، وضيوف أيام الشارقة التراثية من بلدان عربية وأجنبية، وتستمر أعمال الملتقى على مدى يومين في الفترة الصباحية ويترأس الجلسة ويلقي كلمة الافتتاح عبدالعزيز المسلم مدير التراث والشؤون الثقافية دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة .
أما الجلسة الثانية فيترأسها ماجد بوشليبي أمين عام المنتدى الإسلامي، وفي اليوم الثاني يترأس الجلسة الأولى د . نور الدين الصغير رئيس قسم التاريخ كلية الآداب جامعة الشارقة كما تعقد الجلسة الثانية برئاسة د . سيف محمد البدواوي رئيس قسم التاريخ والحضارة الإسلامية جامعة الشارقة .
مساهمة بارزة ل "الإنماء التجاري والسياحي"
تسهم هيئة الإنماء التجاري والسياحي في الشارقة في الترويج لفعاليات أيام الشارقة التراثية حرصاً من الهيئة على تقديم الدعم والمساندة لهذا الحدث المهم الذي يقدم نسيجاً مترابطاً فريداً عن حياة الآباء والأجداد .
ويقول محمد علي النومان مدير عام الهيئة نحرص في كل عام على المساهمة بشكل بارز في إنجاح أيام الشارقة التراثية عبر الترويج لتراث الامارات الذي يعد ركيزة أساسية في عملية الترويج السياحي للدولة بشكل عام والشارقة على وجه الخصوص، انطلاقاً من أهمية هذا الحدث في التعريف بعراقة التراث الذي يميز الشارقة ويجعل منها وجهة سياحية فريدة ويعزز من مكانتها على خريطة السياحة الدولية.