الصناعة، العمالة، البطالة، ثلاثة أشياء ترتبط فيما بينها بعلاقة إيجابية أو سلبية، فإذا ازدهرت الصناعة، انتعشت أحوال الطبقة العاملة، وتحركت الحياة الاقتصادية، أما إذا توقفت الصناعة، أو تأثرت بأي كساد اقتصادي، تتأثر الطبقة العاملة بشكل مباشر وسريع، وتتبدل أحوالها لتبرز البطالة بصورتها السلبية، وتبدأ طوابير الطبقة العاملة تنمو يوماً بعد يوم باحثة عن لقمة العيش بعد أن كانت الطبقة المهمة والمطلوبة في فترات الازدهار . وقد تأثرت الصناعة بشكل كبير أثناء الكساد العظيم في الثلاثينات، ورأينا في حلقات سابقة معاناة الأمريكيين مع البطالة، وكانت من أولى مهمات روزفلت بعد توليه الرئاسة، النهوض بقطاع الصناعة الذي يعتبر أساس التقدم الذي وصلت إليه أمريكا، كما اهتم بالطبقة العاملة، ووضع حلولاً ناجحة لمشكلة البطالة . فكيف عالج روزفلت هذه المشكلات؟
لا يوجد بلد على مر التاريخ، توفرت له مقومات النجاح والتقدم مثلما توفرت للولايات المتحدة، فأمريكا كبلد توفرت لها أمور كثيرة اجتمعت في مكان واحد، فإضافة إلى الثروات الطبيعية مثل الأنهار والسهول الخصبة والأراضي الزراعية الشاسعة، توفرت أيضاً الثروات المعدنية، فالنفط اكتشف للمرة الأولى واستغل بشكل ناجح في أمريكا، إضافة إلى ثروات معدنية أخرى، كما أن أمريكا قارة متكاملة لا تربطها حدود مع دول منافسة تشغلها بالحروب والنزاعات الحدودية، فالدول التي ترتبط معها بحدود، هي كندا في الشمال، والمكسيك في الجنوب، وكلتا الدولتين لم تدخلا في نزاع مع أمريكا، بل إنهما تريدان أن تتكفيا شر هذا البلد بكل السبل . والأهم من كل ذلك، أن الرؤساء الذين تتابعوا على أمريكا استطاعوا استغلال هذه الموارد بشكل جيد، وفتحوا باب الهجرة على مصراعيه، واهتموا بشكل أساسي بالمهاجرين المهمين من علماء وفنيين وعمالة ماهرة، ووفروا لها كل الامتيازات من جنسية وعمل وسكن، وكان هذا هو سر النجاح . وازدهرت الصناعة في أمريكا منذ اكتشاف النفط في الخمسينات من القرن التاسع عشر، حيث ظهرت صناعة السيارات والآلات الميكانيكية وغيرها، وحلت السفن البخارية محل السفن الشراعية، وخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تتابعت الاختراعات التي ظهر كثير منها في أمريكا بفضل الاستقطاب والامتيازات التي منحت لأي مبدع يريد أن يقدم شيئاً جديداً سواء كان أمريكياً أو مهاجراً، وتأثرت الصناعة في فترات الأزمات وأولها خلال سنوات الحرب العالمية الأولى التي امتدت من 1914 إلى ،1918 ولكنها سرعان ما عادت للازدهار من جديد خلال فترة العشرينات، ولكن رياح الأزمة الاقتصادية التي هبت عام 1929 عصفت بها مثلما عصفت بالقطاعات الاقتصادية الأخرى، والواقع أن الصناعة مشكلتها أكبر من الزراعة، حيث إن التطور الهائل الذي شمل صناعة السيارات والآلات الميكانيكية والزراعية، إضافة إلى ظهور صناعات جديدة للمواد الغذائية والمياه الغازية وغيرها، كانت هي العلامة المميزة للتفوق الأمريكي، وهذا التميز أبهر العالم وخاصة في فترة العشرينات، وحث الكثير من الأوروبيين وغيرهم على الهجرة إلى العالم الجديد، وحساسية هذا القطاع الاقتصادي المهم تكمن في كونه قطاعاً يحتاج إلى مقومات عديدة للنجاح، منها العقول المبدعة القادرة على الابتكار، وتوفر المواد الخام، وتوفر العمالة، إضافة إلى وجود كادر إداري ناجح قادر على تسويق المنتجات في السوق الأمريكية والأسواق الأخرى، ولذلك اهتمت إدارة روزفلت عندما طرحت برنامج العهد الجديد في بداية الثلاثينات بهذا القطاع المهم وفروعه، ففي عام 1933 تم تأسيس إدارة الانعاش الوطني والمبينة على فكرة أن الأزمة في هذا القطاع يمكن حلها عن طريق تحديد الانتاج، وتثبيت أسعار أعلى، ولكن تبين فيما بعد ومن خلال التجربة أن تحديد الأسعار في بعض الأعمال يشكل حاجزاً ضد الانعاش، ومع ذلك استمر الانعاش، وصرفت الحكومة الفيدرالية آلاف الملايين من الدولارات لإغاثة العاطلين عن العمل، والحفاظ على الموارد الوطنية، وهذا الانفاق الباذخ والمستمر أدى إلى انتعاش الصناعة الأمريكية، ووجود طلب على ما تنتجه المصانع الأمريكية، وشجع هذا الانتعاش اتحاد العمال الأمريكي على بذل جهود أكبر للنهوض بالصناعة، وانتعشت صناعة السيارات والفولاذ من جديد، فبينما كان عدد العمال المدرجين في اتحاد العمال يبلغ 4 ملايين عامل عام ،1929 أصبحوا 11 مليوناً عام ،1939 و16 مليوناً عام 1948 (1) .
واستفادت أمريكا من نشوب الحرب العالمية الثانية، حيث ازدهرت الصناعة الحربية التي دأبت على توفير الاحتياجات الحربية، وأيضاً الاستهلاكية من ملابس وأغذية وغيرها للجيش الأمريكي .
الطبقة العاملة
كانت سياسة العهد الجديد التي طرحها روزفلت تقوم بالدرجة الأولى على الاهتمام بالطبقة العاملة التي هي أساس الانتاج الصناعي والزراعي، وعندما تأسست إدارة الانعاش الوطني عام ،1933 ضمنت للعمال حقوقاً كثيرة أهمها حق عقد الصفقات الجماعية (2) . ولكن المحكمة العليا في أمريكا أبطلت معظم ما تضمنه برنامج العهد الجديد، ومع ذلك، فإن إدارة الرئيس روزفلت لم تيأس، وعكفت على تجربة برامج جديدة، وفي عام 1935 أطلقت ما بات يعرف بالبرنامج الجديد الثاني، وقد دعا هذا البرنامج إلى الضمان الاجتماعي وإحداث إصلاحات مصرفية واسعة، وتطبيق برامج اشغال أكثر شمولاً، ومنها إدارة مشاريع الأشغال العامة، وزيادة الضرائب على الدخول المرتفعة والمواريث، ومنها ما يعرف باسم ضريبة الثروة على العقارات التي تزيد قيمتها على 50 مليون دولار، وإيلاء العمل المنظم رعاية خاصة ليسهل على الاتحادات تنظيم العمال في صفوفها، وقد أحدث هذا تغييراً جذرياً في بيئة العمل في الولايات المتحدة وخصوصاً في حقل التصنيع الذي قلب الاقتصاد الأمريكي آنذاك، وكان إصلاح علاقات العمل في الولايات المتحدة وكثير من التحسينات التي عزيت إلى البرنامج الجديد قد استهل في زمن رئاسة هوفر، وقد أبطل قانون موريس لاغارديا للعام 1932 عقود إذعان العامل، التي يتعهد العامل بموجبها بعدم الانضمام إلى اتحادات العمال، لكن الكساد خلف أثراً سلبياً بالغاً في العمل المنظم، ففي عام ،1933 لم تتعد عضوية اتحاد العمال الأمريكي 2،3 مليون عامل، وهذا هو ما كان عليه تقريباً منذ مطلع القرن العشرين، وفي عام ،1935 أقر قانون علاقات العمل الوطني الذي بات يعرف بقانون واغنر، على اسم واضع مشروعه عضو الكونجرس روبرت واغنر، وقد كفل هذا القانون حق العمال بالانضمام إلى الاتحادات التي يشاءون، وممارسة التفاوض الجماعي مع رب العمل، كما جاء بقائمة طويلة عدد فيها الممارسات المجحفة بحق العمال، وتم تأسيس مجلس علاقات العمل الوطني للرقابة على سوق العمل والاشراف على الانتخابات، وأصدرت معظم الولايات الصناعية الرئيسية قوانين، اتخذت قانون واغنر مرجعاً لها، وأصبحت الحكومة الأمريكية التي طالما كانت إلى جانب أرباب العمل، أصبحت نصيراً متحمساً للعمال، وفي السنوات الست التي أعقبت صدور القانون، ارتفعت عضوية الاتحادات العمالية بأكثر من الضعف، ومثلت الاتحادات العمالية في مطلع الخمسينات من القرن العشرين نحو 35% من العمالة الأمريكية، وتطورت عضوية النقابات الحرفية التابعة لاتحاد العمال الأمريكي كثيراً، لكن المكاسب الكبرى كانت من نصيب العمال غير المهرة، ونصف المهرة الذين كانوا في حاجة أكثر من غيرهم إلى اتحادات عمالية تدافع عن حقوقهم ومصالحهم(3) .
البطالة والحقوق المدنية
أثناء نقاشي مع أحد الأصدقاء من إحدى الجنسيات العربية، سألته: لماذا يفرح بعض الناس بالتقاعد ويحزن آخرون، في حين أننا نلاحظ استفادة الكثير من الشعوب، وخاصة الأوروبيين من ميزة التقاعد بالتجول حول العالم، والتحرر من قيود الوظيفة وتبعاتها، فردّ عليّ قائلاً: المتقاعد يفرح أو يحزن تبعاً للظروف التي يعيشها، والبلد الذي يعمل به، فإذا كان يعمل ببلده، ويتقاضى راتباً مرتفعاً، فهو على الأغلب سيفرح لكونه سيحصل على راتب تقاعدي معقول، وسيجد المزيد من الوقت لأعماله الخاصة وأبنائه، أما إذا كان أحد المغتربين القادمين للعمل في بلد غير بلده، ففي النهاية سيحصل على مستحقاته ويرحل إلى بلده، وذكر لي قصة أحد أقاربه وخلافه الشديد مع زوجته عندما بلغ سن التقاعد، وكان يعمل في إحدى دول الخليج، حيث رجع ببعض المستحقات، وأصبح عاطلاً عن العمل، ومن دون مورد، وكان هذا مفتاحاً لخلافات لا تنتهي مع زوجته، كما أصبح يشعر بقلة قيمته لتحوله من شخص ينفق على عائلته إلى شخص ينفق عليه أبناؤه . وهذه بالفعل مشكلة حقيقية لا يشعر بها إلا من يعانيها، وتؤدي أحياناً إلى الطلاق أو إلى خلافات عميقة، ولا شك أن نظام التقاعد يعتبر ميزة كبيرة في المجتمعات الحديثة، كما أنه يعتبر ميزة جيدة للموظف الذي يجد في النهاية مورداً يعينه على نوائب الزمن، ولنا أن نتصور كيف كان الوضع أيام الفقر، وخاصة في دول الخليج التي كان أبناؤها يمتهنون حرفة واحدة هي الغوص على اللؤلؤ، حيث ينتهي الأمر بالشخص إلى الجلوس في المنزل بعد بلوغه سناً معينة، والاعتماد على أبنائه أو أقاربه، وإذا كانت هناك من ميزات في عهد روزفلت، واصلاحات قام بها خلال فترة الثلاثينات، فإن نظام التقاعد الذي أصدره وأصر على تطبيقه يعتبر من أهم ما قام به روزفلت فيما يخص الحقوق المدنية للمواطن الأمريكي، والواقع أن قانون التقاعد لكبار السن وجد نفسه ضمن نطاق نقاشات مستفيضة مؤيدة ومعارضة لفترة طويلة قبل إقراره، وأقر القانون عام 1935 ليؤكد ضمان وجود راتب تقاعدي، وإن كان متواضعاً عند وصول المواطن الأمريكي إلى سن 65 عاماً لمختلف شرائح طبقة العمال، ولتحقيق هذا الغرض، ثم تأسيس صندوق تأمين من مساهمات العمال وأصحاب العمل، وفي عام ،1938 كانت كل ولاية لديها نوع من التأمين للمتقاعدين، وفيما يخص البطالة، فقد فرضت ضريبة فيدرالية إجبارية من قوائم الرواتب التي تمنح للعمال العاملين من مختلف الأعمار لتعويضهم في حالة تعرضهم هم أو غيرهم للبطالة في أي وقت(4) وكان ما قام به روزفلت فتحاً كبيراً، وتشجيعاً مهماً لخلفائه من الرؤساء الأمريكيين لمنح المواطن الأمريكي المزيد من الحقوق المدنية، وأهم تلك الحقوق التي ناضل كثير من الرؤساء لإقرارها، قانون الرعاية الصحية، وخاصة للمسنين، ولكن هؤلاء الرؤساء فشلوا في ذلك بسبب الضغط الذي تمارسه شركات التأمين على أعضاء الكونغرس، ومنعهم من تمرير هذا القانون، حيث حاول الرئيس ثيودور روزفلت، وهو قريب للرئيس فرانكلين روزفلت في بداية القرن العشرين وفشل، وتبعه الرئيس هاري ترومان في الأربعينات من القرن العشرين، ولكنه فشل أيضاً، كما فشلت محاولات نيكسون وليندون جونسون، وحاول بيل كلينتون إجراء اصلاحات، ولم يوفق، كما تحدث جورج بوش طوال فترة حكمه عن اصلاح هذا القطاع، ولكنه لم يتعامل معه بالجدية المطلوبة(5) ونحن لسنا بصدد التحدث عن تفاصيل الحقوق المدنية التي حصل عليها المواطن الأمريكي خلال فترات مختلفة من حكم الرؤساء والأمريكيين، بقدرما يهمنا توضيح نقطتين مهمتين، الأولى الجهد الذي قام به روزفلت لانتزاع حق مهم من حقوق الفرد الأمريكي في التمتع براتب تقاعدي، وفي الوقت نفسه مساعدة العاطلين عن العمل براتب يسّد حاجتهم، وفي معرض مقارنتنا بين كل من روزفلت وأوباما، يمكننا القول إن أوباما استطاع أن يتساوى مع روزفلت في القدرة على انتزاع حق من حقوق المواطن الأمريكي الذي لم يكن معمولاً به، وهو نظام الرعاية الصحية، وقبل أن نتناول ما قام به أوباما، سنرجع مرة أخرى إلى موضوع الرعاية الصحية ومحاولات الرؤساء الأمريكيين السابقين لإصلاحه، ويجب أن ننتبه إلى أن المواطن الأمريكي كان يتمتع بتأمين صحي منذ الستينات من القرن العشرين .
ويبدو أن أوباما الذي أتى إلى الحكم ووجد نفسه أمام كم هائل من المشكلات الاقتصادية، وجد ضالته في الرعاية الصحية كضرورة مهمة للمواطن الأمريكي، لتعيد له صورته الباهرة التي كانت قوية في نظر معظم أبناء الشعب الأمريكي في بداية حكمه، وبالتالي فإن إجراء إصلاحات في هذا القطاع، ومحاولة اصدار قانون حول هذا الموضوع، سيعوض كثيراً ما أخفق في تحقيقه فيما يخص الأزمة الاقتصادية، وبالفعل استطاع الرئيس اوباما تمرير مشروع الرعاية الصحية في مجلس النواب الأمريكي، حيث حاز على موافقة أغلبية ضئيلة، ووقع اوباما على القانون في 21 مارس ،2010 ويعتبر إقرار هذا القانون أكبر انتصار تحققه إدارة أوباما على الصعيد الداخلي منذ وصوله إلى البيت الأبيض، وقال اوباما في كلمته أمام النواب تمكن الأمريكيون أخيراً، وبعد 100 عام من الحصول على نظام شامل للرعاية الصحية، وفكرة مشروع القانون الجديد للتأمين الصحي تدور فكرته بوجوب شراء كل مواطن أمريكي بوليصة تأمين صحي تحت طائلة الغرامة في حال رفضه ذلك على أن يتم تخصيص الأموال لدعم الأسر التي لا يتجاوز دخلها السنوي 88 ألف دولار، وينص المشروع على توسيع كبير في مجال عمل مؤسسة الضمان الصحي الحكومي ميد كير مع إجراء تعديلات إضافية على عمل شركات التأمين الأخرى، وأهمها منع هذه الشركات من وضع سقف محدد لقيمة التأمين، ومنعها من حرمان المواطن من الحصول على ميزة التأمين بسبب إصابته بحالات مرضية سابقة، أو إلغاء بوليصة التأمين في حال إصابة حامل بطاقة التأمين بالمرض، ورفع سن الرعاية الصحية للأطفال المدرجين في بطاقة الوالدين إلى 26 عاماً، وتوفير الرعاية الصحية للمواطنين المرضى غير الحائزين على بطاقة تأمين حتى العام ،2014 أي عندما يتم تطبيق قانون توسيع مجال التأمين ليشمل شرائح أوسع في المجتمع الأمريكي .
إصلاح النظام النقدي
بقي شيء أخير من إصلاحات روزفلت، وهو النظام النقدي، وكانت هناك ثلاثة أهداف للبرنامج المالي للعهد الجديد، وهي: التضخم وإصلاح البنوك وسيطرة أفضل على التأمين وتبادل السلع، وكان ضمن سياسة روزفلت زيادة التضخم لأنه سوف يشجع على ارتفاع الأسعار، وبالتالي يشجع على زيادة الإنتاج، وأوضح روزفلت أنه بالتضخم سيصبح بالإمكان دفع الديون العامة والخاصة ليصبح السعر قريباً من مستوى السعر الذي كان عليه عند الإقراض .
وبدأ التحرك نحو التضخم مباشرة عند صدور قانون الطوارئ للبنوك في مارس/ آذار ،1933 وصدرت أوامر رئاسية بمنع تصدير الذهب إلا بموجب موافقة من الخزانة، وكذلك منع اكتناز الذهب وشهادات الذهب، وتم تأسيس قاعدة قانونية واسعة في شهر مارس منحت الرئيس الصلاحية لتوسيع القروض لبنوك الاحتياطي الفيدرالي إلى حد 3 مليارات دولار لغرض إصدار نقود أمريكية مبنية فقط على قروض الحكومة الأمريكية وتستعمل هذه النقود فقط لتقليص الالتزامات الفيدرالية، وتعتبر عرضاً قانونياً لجميع الديون العامة والخاصة، وتم تقليل الدولار الذهبي إلى 50%، وقبول الفضة إلى حد 200 مليون دولار لمدة ستة أشهر وبسعر لا يزيد على 50 سنتاً للأونصة من الحكومات الأجنبية عند دفعها ديون الحرب .
كانت إدارة روزفلت عازمة بقوة على زيادة التضخم، واتضح ذلك بقوة للعالم عندما رفضت الولايات المتحدة مناقشة موضوع استقرار العملة في مؤتمر لندن الاقتصادي في صيف عام ،1933 وتوضحت تلك السياسة بشكل أكبر في أكتوبر/ تشرين الأول من نفس العام عندما أعلنت الحكومة أنها ستقوم بشراء مناجم الذهب الجديدة من أصحاب المناجم الأمريكيين، وبعد ذلك شراء الذهب الأجنبي بسعر تقرره بنفسها .
إن الآلية التي تمت فيها عملية التضخم كانت بسيطة تماماً، فالحكومة قامت بخزن الذهب في الخزينة، وسمحت للورق بالتداول بدلاً منه، لقد عرضت بيع الذهب ولكن، عندما عملت ذلك، فإنها أبدلت الذهب بكمية إضافية من الدولارات الورقية مقارنة بالسابق عندما كان الدولار يحتوي على كمية أكبر من الذهب، ولكن التضخم عن طريق تقليل محتوى الذهب في الدولار لم يبرهن فعاليته كما كان متوقعاً، فعندما تم تقليل محتوى الذهب إلى 40،94% فإن الأسعار ازدادت بنسبة 22% فقط في الأشهر التالية، وعزا الفشل في التجاوب السريع إلى حقيقة أن 9 أعشار الأعمال في البلد كانت تدار بواسطة القروض بدلاً من العملة، وبعد ذلك وافق روزفلت على التعجيل بالتضخم عن طريق تعزيز كمية أكبر من الفضة في العملة، وبأسعار مرتفعة، وتوقفت الحكومة عن ترقيع العملة، وتحولت إلى تمديد القروض البنكية بعدة طرق، وكانت سياسة ترويج النقود الرخيصة عام 1936 قد وصلت إلى حد أن الحكومة عكست سياستها، وبدأت بتثبيت الأسعار .
ومن خلال ما ورد في هذه الحلقة والحلقات السابقة، يتبين حجم الجهد الذي قام به روزفت لإصلاح الاقتصاد الأمريكي وإنقاذه من الكساد الطويل الذي استمر معظم سنوات الثلاثينات، ومع ذلك، فإن كثيراً من المؤرخين يعتبرون دخول أمريكا الحرب العالمية الثانية كان هو حبل الإنقاذ القوي الذي أخرج أمريكا فعلياً من الكساد، فهل تكرر الولايات المتحدة ما فعلته في الثلاثينات، وتدخل حرباً جديدة تخلط الأوراق، وتعيد الحياة لاقتصادها؟ ليس هناك شيء مستبعد، خاصة أن حلفاءها الأوروبيين يعانون هذه الأيام وضعاً لا يقل سوءاً عن وضعها، وربما يجتمع كل هؤلاء كما اجتمعوا خلال الحرب العالمية الثانية في جبهة واحدة، ولكن هذه المرة ليس ضد بعضهم بعضاً، ولكن ضد عدو جديد ليس واضحاً من هو حتى الآن .
هوامش
(1) An Out line of American History PP .129-140
(2) Ibid
(3) جون ستيل جوردون، امبراطورية الثروة، ص 175-177
(4) An Out line of American History Ibid
(5) سيف الدين عبدالعزيز إبراهيم، محلل اقتصادي بالولايات المتحدة، خواطر حول برنامج أوباما لإصلاح قطاع التأمين والرعاية الصحية الأمريكية، انظر www .sudannile .com