هل تيقنت أثناء نومك أنك غارق في حلم؟ وهل نجحت في إحدى المرات في أن تتحكم في حلمك وفي سير الأحداث فيه؟ فإذا كانت إجابتك نعم، فأنت ممن يطلق عليهم صائدي الأحلام، وهم الأشخاص الذين لديهم أحلام واضحة وتعرف بأنها حالة من الوعي توجد بين مرحلتي الاستيقاظ والنوم على عكس الأحلام التقليدية التي تكون فيها على وعي تام بأنك تحلم، وتستطيع التحكم في تصرفاتك .

أوضح تقرير رصدته مجلة نيو ساينتيست الأمريكية أن ظاهرة الأحلام الواضحة أثارت اهتمام علماء المخ والأعصاب حيث قاموا بإجراء بعض التجارب على أشخاص يحلمون أحلاما واضحة للكشف عن بعض الأوجه الغريبة في سلوك المخ أثناء حالة الحلم حيث ألقت نتائجها الضوء على الطريقة التي ينتج بها المخ الوعي الذاتي .

اقترح جيرارد أدلمان الباحث في معهد أبحاث سكريبس في لاهويا في ولاية كاليفورنيا عام 1992 وجود حالتين من الوعي أطلق عليهما الوعي الأولي والثانوي . وقال إن الوعي الأولي هو الوعي الذاتي البسيط للإدراك الحسي والانفعالات ويوجد عند معظم الحيوانات .

وعلقت أورسولا فوس الباحثة في جامعة فرانكفورت في ألمانيا على الوعي الأولي قائلة إنه حالة من الوجود والاحساس فقط .

وقال أدلمان إنه بالنسبة للإنسان العادي يبدو الأمر أكثر تعقيداً، لأنه على وعي بما يفعله مما يجعله يفكر في نفسه ومشاعره وعالمه، ويصدر قرارات ويقع ذلك تحت الحالة الثانية التي تسمي الوعي الثانوي .

وأشارت فوس إلى أن الإنسان عندما يكون مستيقظاً يكون لديه الوعي الأولي والثانوي، فالوعي الثانوي هو الوعي الانعكاسي ويحدد جزءاً كبيراً من إدراكنا الحسي أثناء الاستيقاظ .

وأوضحت أن إدراكنا لكيفية ان تنتج عقولنا هاتين الحالتين من الوعي (الأولي والثانوي) هو تحد كبير لأنه من الصعب أن نعزل الأوجه المختلفة للوعي عند أشخاص في حالة استيقاظ كامل عن العمليات العصبية الأخرى غير المرتبطة بالوعي .

وأشارت إلى أنه عندما ننام نحلم بأحداث، ولكننا نفتقد بعض جوانب الوعي الذاتي الذي نشعر به أثناء الاستيقاظ، ويبدو هذا الأمر أكثر وضوحاً عند الأشخاص المنشغلين في التأمل العقلاني، فبإمكانهم أن يروا بسهولة أحداثاً خيالية مثل قطة بلون بمبي تطير بأجنحة ذهبية من دون أن يغمض لهم جفن في حلم .

وقال باتريك نامارا في جامعة بوسطن إنه إذا كان يمكننا تقبل الأحداث الغريبة على أنها طبيعية فهذا يعني وجود خلل ما في إدراكنا العقلي الانعكاسي .

ولهذا السبب يعتقد بعض الباحثين من أمثال الآن هوبسون في مدرسة طب هارفارد أن الأحلام أقرب إلى تعريف اديلمان عن الوعي الأولي . ولكن عند مقارنة حالة الحلم بحالة الاستيقاظ يمكننا اكتشاف الطريقة التي ينتج بها المخ الإدراك الذاتي المنبثق من الوعي الثانوي . وتم في أواخر التسعينات إجراء بعض التجارب في هذا الاتجاه .

وفي عام 1997 قام زينجر وعدد من الباحثين في جامعة بيت في ولاية بنسلفانيا الأمريكية بمقارنة نشاط المخ لأشخاص في حالة استيقاظ وأشخاص نائمين مستخدما جهاز الرسم بالبوزترون الذي يكشف عن الأجزاء الموجودة بالمخ وتستهلك طاقة أكبر، واكتشف الفريق ثلاث مناطق رئيسية في المخ تعرض نشاطاً أكثر أثناء النوم والاستغراق في الحلم وتتميز هذه الفترة بحدوث حركة سريعة للعين وتمتد هذه المناطق الثلاث على امتداد الخط الأوسط من المخ والمنطقة الضيقة بين الفص الأمامي والفص الدماغي والأخيرة تقع على اليسار في المنطقة التي تشبه اللوزة، ويعتقد أن هذه المناطق مسؤولة عن آليات التحفيز وتشغيل العواطف وعلى حسب نوفزينجر فهي توضح لماذا الأحلام تكون عاطفية؟

وأشار هوبسون إلى أن العديد من المناطق الأمامية في المخ المسؤولة عن التفكير والتخطيط كانت في حالة نشاط عند الأشخاص النائمين والمستغرقين في الحلم، لكن الاستثناء الوحيد هو منطقة الطبقة الخارجية للجزء الجانبي الأمامي من المخ كانت غارقة في النوم بالمقارنة بنشاطها أثناء الاستيقاظ وهذه المنطقة هي المسؤولة عن إحداث الوعي الانعكاسي الموجود في حالة الاستيقاظ وهو ما يطلق عليه الوعي الثانوي .

وأجرت فوس العام الماضي بعض الاختبارات لمعرفة كيفية استخدام الأحلام الواضحة في دراسة الوعي من خلال تدريب مجموعة من الأشخاص ليكونوا من ذوي الأحلام الواضحة وأخبرتهم أنهم عندما يستيقظون في وسط الحلم يجب أن يخبروها أنهم كانوا في حالة حلم واضح من خلال تحريك عيونهم في نمط متفقين عليه مسبقا حيث قامت بقياس حركة أعينهم باستخدام جهاز رسم العين الكهربائي .

وأوضحت فوس أن حركة العين هذه تعد مجهوداً شاقاً بالنسبة لهؤلاء الأشخاص لأنهم بالفعل مستغرقين في حلمهم ولديهم أشياء أخرى كثيرة مشغولين بها، كما تم في نفس الوقت استخدام جهاز آخر لتسجيل نشاطهم العقلي عبارة عن شريحة من الالكترود توضع على فروة الرأس لقياس النشاط الكهربائي للمخ .

ولسوء الحظ استطاع الفريق أن يحقق ثلاثة أحلام واضحة فقط، لكنها كانت كافية للكشف عن وجود اختلافين بين الأمخاخ التي تحلم أحلاماً واضحة والأخرى التي تحلم أحلاماً غير واضحة وهو الأمر الذي سيسهم في تفسير حالة الوعي الثانوي، أولاً لاحظ الفريق زيادة في موجات المخ حيث تحدث ذبذبات عند 40 هرتز في المنطقة الأمامية أثناء الأحلام الواضحة بالمقارنة بالأحلام غير الواضحة والتي تحدث فيها موجات مخ بطيئة . واكتشف أيضاً وجود نشاط كبير للمخ بين المناطق الأمامية والجانبية غير موجود في حالات النوم التي تحدث خلالها حركة سريعة للعين، وذلك على الرغم من أنه أقل من المتوقع في حالات الاستيقاظ الكامل .

وتفسير ذلك أن النشاط الكلي للمخ مازال مختلفاً في حالة الاستيقاظ الكامل عن حالة النوم مما يعني أن الأشخاص لا يمكنهم أن يكونوا في حالة استيقاظ ويدعون أنهم في حالة حلم واضح .

واستخدم ميشيل سزيخ بمعهد ماكس بلانك للطب النفسي في ميونيخ بألمانيا التصوير بالرنين المغناطيسي لفحص حالة المخ لذوي الأحلام الواضحة، وأشار إلى أن هذا التصوير يعكس نشاطاً عالياً في المناطق الأمامية للمخ وكذلك المناطق الجانبية ومنطقة الفص الصدغي عندما يكون الشخص في حالة حلم واضح أثناء النوم .

وأشارت التجارب المعملية إلى أن الطبقة الخارجية من المنطقة الأمامية الجانبية للمخ هي المسؤولة عن الإحساس حيث تقوم بتحليل المعلومات في الذاكرة وتلعب دوراً رئيسياً في عملية صنع القرار . ويساعد النشاط العصبي مناطق المخ المتعددة على الاتصال مع بعضها بشكل أكثر كفاءة، حيث تقوم بتجميع كل الأفكار والمشاعر المختلفة التي تعمل بشكل منفصل في المخ في تجربة موحدة مفردة ومن الممكن أن يتوقع المرء المزيد من هذا التجمع في الوعي الثانوي عن الوعي الأولي .

وتكون الذبذبات المحددة للنشاط العصبي في المنطقة الأمامية هي 40 هرتز، وتنتشر ذبذبات المخ البطيئة في حالة النوم- بينما الموجات التي تقدر ب 40 هرتز تعبر عن حالة الاستيقاظ - مما يجعل الوعي الثانوي يظهر إذا كانت الأعصاب في حالة اتصال بمعدل سريع .

وعلى الرغم من قلة التجارب التي أجريت في الأحلام الواضحة لكنها تحدث تأثيراً كبيراً في الحالات الطبية خاصة عند دراسة الأمراض العقلية .

فعندما تكون مصاباً بانفصام في الشخصية فأنت تكون في حالة وعي أولي، وما تفتقده هو الوعي الانعكاسي، وبذلك لا يمكنك أن تميز بين الحقيقة والهلوسة . وعلى هذا الأساس تتساءل فوس إذا كان بإمكانها أن تحاكي المناطق الضرورية لدى المرضى المصابين بانفصام الشخصية لمساعدتهم على تحقيق وضوح أكثر في حياتهم وهم مستيقظون، وكذلك إيجاد وسائل أخرى للأشخاص من ذوي الصحة الجيدة للاستمتاع بأحلام واضحة، وتساءلت فوس ألن يكون ذلك عملاً رائعاً إذا استطعت أن تجعل شخصاً ما في حالة نوم أن يحلم أحلاماً واضحة من خلال محاكاة عقله؟ لكن لم يقم أحد بتجربة ذلك من قبل .

5 خطوات للحلم الواضح

أكدت دراسة جديدة لفيكتور سبورماكر من جامعة أوترتشت في هولندا أن الأحلام الواضحة تساعد الأشخاص على التغلب على الكوابيس، ولا يوصي بها لمن لديهم تاريخ من المرض العقلي . وهذه بعض الأفكار عن كيفية تحقيق حلم واضح:

الخطوة الأولى: اختبار الحقيقة: أن تسأل نفسك هل أنت تحلم أثناء النهار، ثم عندما تنام يجب أن تفكر بعمق في هذا السؤال فإذا نجحت في أن تشغل نفسك به أثناء النوم فقد فتحت الباب لأحلام واضحة .

الخطوة الثانية: أن تركز أفكارك: الأشخاص الذين يركزون على عمل واحد أثناء اليوم كاللعب على الكمبيوتر أو العزف على أداة موسيقية أكثر عرضة للأحلام الواضحة . الخطوة الثالثة: خطط لأن يكون خيالك جامحاً: قبل أن تذهب إلى السرير فكّر فيما تريد أن تحلم به بالتفصيل .

الخطوة الرابعة: التذكر الكامل عندما تستيقظ حاول أن تتذكر أكبر قدر من الأحلام كلما أمكن . الخطوة الخامسة: استيقظ وحفّز نفسك ثم ارجع للسرير مرة أخرى: اضبط المنبه قبل ساعة من ميعاد استيقاظك المعتاد وعندما يرن حاول أن تتذكر ما كنت تحلم به، ثم اخرج من السرير وبعد ساعة ارجع له ثانية وركز على محاولة تحقيق حلم واضح .

الأحلام تبدأ مع الكلام

يقضي الأجنة وقتاً طويلاً في مرحلة من النوم يعرفها البعض بأنها حالة حلم حيث تأتي عيونهم بحركات سريعة، بينما يقضي الأطفال في عامهم الأول وقتاً أطول يماثل أربعة أضعاف الشخص البالغ في هذه المرحلة من النوم، لكن هل هم فعلاً يحلمون؟

يقول ألن هوبسون في مدرسة طب هارفارد إنهم عندما ينتفضون وتكون لديهم عضلة تتحكم في حركة العين ونشاط مخي فهذه إشارة مؤكدة إلى أنهم في حالة نوم لكن ذلك لا يعني أنهم يحلمون .

يقول باتريك مك نامارا في جامعة بوسطن إن الأحلام تبدأ في سنوات العمر الأولى عندها يكون الأطفال قادرين على الكلام فهم يبدأون في سرد كل ما يحدث لهم في أحلامهم . ولم يتضح حتى الآن لماذا الحيوانات هي أول المخلوقات التي يبدأون الحديث عنها؟

يضيف إن الأطفال الذين يسردون معظم الأحلام لديهم قدرة خيالية أكبر وهم مستيقظون ويرتبط ذلك بتطور الفصوص الجانبية المسؤولة عن مهارات الرؤية المكانية وتصل الأحلام عند المراهقين إلى أوجها ثم تقل بعد سن العشرين، وتكون أحلام البالغين أقل سعادة ومواضيعها أكثر عدوانية .