يبدو أن بطولة العالم للفورمولا 1 تعيش حالياً أجمل أيامها منذ سنين طويلة، والتنافس الذي نراه في الموسم الحالي بين أكثر من سائق على اللقب العالمي الحادي والستين، سيجعلنا نعيش حالة من الترقب نتمنى أن تدوم حتى يصل قطار البطولة إلى محطته الأخيرة منتصف الشهر المقبل، خصوصاً وأن رحلته ما زالت مستمرة وبزخمٍ كبير، وعلى الرغم من أن الأسترالي مارك ويبر ما زال يقود الصدارة، إلا أن مارد الفيراري وماتادوره الإسباني فرناندو ألونسو قد أخرج ما في جعبته في لمرحلتين الماضيتين محققاً العلامة الكاملة، دون نسيان العودة القوية للألماني الشاب سيباستيان فيتيل، كذلك ساهمت المسيرة المتعثرة للبريطاني لويس هاميلتون، والنتائج الطيبة لزميله ومواطنه وحامل اللقب العالمي جنسون باتون في خلط الأوراق من جديد، ليدخل الصراع على اللقب في نفق طويل يبدأ من اليابان متجهاً إلى كوريا، ثم إلى النصف الآخر من العالم في البرازيل، على أن يعود مجدداً إلى القارة الآسيوية وإلى درة حلبات العالم، حلبة مرسى ياس في العاصمة الإماراتية أبوظبي .
لا شك في أن الكبوة التي أصابت سهام المكلارين في المرحلتين الماضيتين كانت قاسية على عشاق الفريق البريطاني الألماني، وبعد أن كان اللقب يتجه للعودة إلى خزائنه بعد أن فقده العام الماضي، وجد نفسه في موقف محرج، ليصبح مطالباً بالكشف عن كل ما يحتفظ به من أسلحة في المراحل المتبقية، خصوصاً أن الدرس الذي قدمته فيراري في مونزا وسنغافورة أثبت للجميع أن كل شيء ممكن، وباتت طموحات 5 من السائقين مشروعة كون الفارق بين ويبر المتصدر وبوتون الخامس يبلغ 25 نقطة، ونذكر جميعاً أن الفارق قبل مرحلتين بين المتصدر آنذاك لويس هاميلتون وصاحب المركز الخامس في ذلك الوقت فرناندو ألونسو كان قد بلغ 41 نقطة، بينما تشير النتائج الحالية وبعد مرحلتين فقط، إلى أن الإسباني يتفوق على البريطاني بفارق 9 نقاط، مما يؤكد وبشكل لا يقبل الشك بأن اللقب العالمي لا يزال مبهماً للجميع، ومن يدعي أن حظوظ أحد السائقين الخمسة أكبر من منافسيه سيكون واهماً من دون أدنى شك، ووحده المضمار سيكشف لنا مرحلة بعد أخرى عن ملامح البطولة النهائية، فهل يا ترى ستأتي فضية ممزوجة بقوة السهام، أم زرقاء بقوة الثيران، أم حمراء بسرعة الأحصنة؟
أصعب الحلبات
يبلغ طول حلبة سوزوكا اليابانية خمسة كيلومترات وثمانمئة وسبعة أمتار، ويقوم السائقون خلال جائزتها الكبرى بإنجاز 53 لفة يقطعون خلالها مسافة 307 كيلو مترات و 471 متراً، وتتكون من 18 منعطفاً عشرة منها باتجاه اليمين، كما يدور السائقون حولها باتجاه دوران عقارب الساعة، لكن وباعتبار أن الحلبة تأخذ شكل الرقم ثمانية باللغة الإنجليزية فإن الدوران بين المنعطفين العاشر والخامس عشر يكون بعكس دوران عقارب الساعة .
ومن الناحية الفنية تعد حلبة سوزوكا واحدة من أصعب الحلبات على روزنامة البطولة وتتطلب قدرة تحمل عالية من الهياكل والمحركات على حد سواء، وتركيز هائل ومهارة قصوى من السائقين باعتبار أن السرعة تتبدل عليها باستمرار، وتعتبر من الحلبات الزلقة التي تحتوي على العديد من المطبات مما يسبب استهلاك المكابح والإطارات بسرعة، وهذا ما دعا المراقبين لاعتبارها المجهر الذي يكشف مواهب السائقين ومهاراتهم القيادية، وهي من أمتع الحلبات بالنسبة للمشاهدين كون طرقاتها قريبة جداً من بعضها ويمكن للجالسين على المدرجات رؤية أكثر مسارات الحلبة .
أول سباق أقيم على هذه الحلبة كان عام 1963 لكنه لم يكن مدرجاً ضمن بطولة العالم للفورمولا واحد، وأول مرة أقيمت الجائزة اليابانية ضمن البطولة كانت عام ،1976 لكنها أقيمت على حلبة فوجي ذلك العام والعام الذي يليه، بعدها غابت الجائزة اليابانية حتى عام ،1987 حيث أقيمت ذلك العام على هذه الحلبة ودأبت بعد ذلك سوزوكا على استضافة البطولة ككل دون انقطاع حتى يومنا هذا، باستثناء أعوام 2007 و 2008 حيث أقيمت على حلبة فوجي، وأكثر من فاز على طرقاتها هو الألماني مايكل شوماخر 6 مرات أما بالنسبة للفرق فيتصدر الانتصارات على هذه الحلبة فريق فيراري بسبعة انتصارات، علماً أن فريق مكلارين فاز بلقب الجائزة اليابانية 8 مرات، لكن اثنين منها جاءا على حلبة فوجي أعوام 1977 و2007 .
سباق العام الماضي احتل فيه سائق ريد بل رينو الألماني سيباستيان فيتيل مركز الانطلاق الأول متقدماً على سائق تويوتا الإيطالي يارنو تروللي فيما حل سائق مكلارين-مرسيدس البريطاني لويس هاميلتون بالمركز الثالث، أما النتيجة النهائية للسباق فكانت على النحو التالي: (فيتيل أولاً وتروللي ثانياً وهاميلتون ثالثاً) والمراكز الأخرى على سلم النقاط من الرابع وحتى الثامن فكانت على النحو التالي وبالترتيب (رايكونن - روزبرغ - هايدفلد - باريكيللو - بوتون)، مع التذكير بأن السباق استغرق ساعة و29 دقيقة تقريباً، وسجل وصول 17 سيارة من أصل عشرين بدأت السباق، وخرج كل من ألغويروساري وبويمي وغلوك .
من الذاكرة
عام 2003 حسم الالماني مايكل شوماخر على متن فيراري اللقب العالمي السادس له في المرحلة الأخيرة على هذه الحلبة بحلوله في المركز الثامن قاطعاً الطريق على منافسه آنذاك الفنلندي كيمي رايكونن والذي كان بحاجة للحلول بالمركز الأول مقابل عدم حصول الألماني على أية نقطة لكن رايكونن أنهى السباق بالمركز الثاني وبذلك تخلف عن شوماخر بفارق نقطتين فقط في الترتيب النهائي للبطولة وبذلك اللقب انفرد شوماخر بالرقم القياسي لعدد مرات الفوز باللقب الذي كان يتقاسمه مع الارجنتيني خوان مانويل فانجيو . كما فازت فيراري بلقب الصانعين، للمرة الخامسة على التوالي والثالثة عشرة في تاريخها .
في عام 2004 وبعد حصوله على اللقب العالمي السابع في مرحلة سابقة حقق الألماني مايكل شوماخر المركز الاول في جائزة اليابان الكبرى المرحلة قبل الأخيرة من البطولة وكان شوماخر أول المنطلقين في السباق بعد أن سجل أسرع توقيت في جولة التجارب التأهيلية التي أقيمت صباح يوم السباق بعد تعذر إقامتها في موعدها المقرر يوم السبت، إذ أقفلت الحلبة بسبب إعصار ما-أون الذي ضرب الشواطئ اليابانية وكان ذلك الفوز الأخير لشوماخر على أرض هذه الحلبة .
على الرغم من أن فوز سائق مكلارين-مرسيدس الفنلندي كيمي رايكونن بالمركز الأول في سباق عام 2005 إلا أن ذلك لم يكن له أي تأثير في بطولة السائقين كونها حسمت في المرحلة السابقة لليابان لصالح الماتادور الإسباني فرناندو ألونسو، إلا أن بطولة الصانعين اشتعلت بين فريق رينو المتصدر ب 176 نقطة وفريق مكلارين-مرسيدس صاحب المركز الثاني ب 174 نقطة .
بفوزه بسباق عام 2006 قلب سائق رينو الإسباني فرناندو ألونسو الأمور رأسا على عقب مع بقاء مرحلة واحدة فقط حيث رفع بطل العالم رصيده إلى 126 نقطة، مبتعداً بفارق عشر نقاط عن منافسه المباشر الألماني مايكل شوماخر والذي كان ضحية عطل في المحرك فخرج في اللفة 37 بعد أن كان متصدرا . وكان السائقان متعادلين برصيد 116 نقطة لكل منهما، لكن الأفضلية كانت لشوماخر الذي فاز قبل جائزة اليابان بسبعة سباقات مقابل ستة لألونسو، وبالتالي بات ألونسو عقب السباق بحاجة إلى نقطة واحدة فقط في البرازيل ليتوج بلقبه الثاني على التوالي وسيتوج ألونسو أيضا في حال خروجه من السباق، شرط عدم إحراز شوماخر المركز الأول، وبالفعل توج ألونسو بعد حلوله ثانياً في البرازيل خلف ماسا فيما حل شوماخر بالمركز الرابع .
عام 2007 وفي أجواء ماطرة حقق البريطاني الشاب لويس هاميلتون سائق مكلارين-مرسيدس فوزه الرابع ذلك الموسم على حلبة فوجي، ليقترب من اللقب العالمي بعدما استفاد من انسحاب ملاحقه وزميله الاسباني فرناندو ألونسو والاستراتيجية الخاطئة لفريق فيراري وسجلت حلبة فوجي ذلك العام عودتها الى سباقات الفئة الاولى بعد غياب 30 عاماً كما شهد سباق ذلك العام صعود الفنلندي هايكي كوفالاينن سائق رينو لمنصة التتويج للمرة الأولى في مسيرته، ومن الأمور التي نحب ذكرها أن السائقين انطلقوا خلف سيارة الأمان بسبب سوء الأحوال الجوية وخطورة المسار المبتل، وبقوا خلفها 19 لفة كاملة .
عاد الاسباني فرناندو ألونسو سائق رينو لمنصة التتويج الأولى في جائزة اليابان الكبرى لعام 2008 والتي اقيمت على حلبة فوجي وعلى الرغم من انطلاقه من المركز الرابع إلا أنه استفاد من خيبة سائق مكلارين-مرسيدس البريطاني لويس هاميلتون والذي كان أول المنطلقين، وشهد ذلك السباق فقدان رايكونن للقبه العالمي رسمياً بعدما بات يتخلف بفارق 21 نقطة عن هاميلتون متصدر الترتيب العام قبل مرحلتين من نهاية الموسم لتنحصر المنافسة على اللقب بين هاميلتون وماسا والبولندي روبيرت كوبيتسا، علماً أن بداية السباق شهدت منافسة قوية بين هاميلتون وماسا وأدت إلى احتكاك بينهما في اللفة الأولى عندما حاول البريطاني تخطي البرازيلي وتراجع على إثرها إلى المركز الأخير بعدما استدارت سيارته حول نفسها واضطر إلى انتظار مرور جميع السائقين ليستأنف السباق . في حين دفع ماسا ثمن احتكاكه بهاميلتون وعوقب بالمرور بخط الحظائر، ولم يسلم هاميلتون نفسه من العقوبة عينها بسبب تسببه في خروج رايكونن من الحلبة عقب الانطلاقة .
عقب فوزه عام 2009 أرجأ سائق ريد بل-رينو الألماني سيباستيان فيتيل حسم لقب بطولة العالم للفورمولا واحد لصالح البريطاني جنسون بوتون سائق فريق براون جي بي-مرسيدس والذي حل بالمركز الثامن كما تأجل حسم لقب الصانعين بعد أن عززت ريد بل-رينو رصيدها إلى 120 نقطة ونصف في المركز الثاني، مقابل 156 نقطة ل براون جي بي المتصدر، وشهد سباق ذلك العام تأخر الاتحاد الدولي للسيارات في إعلان لائحة الانطلاق للسباق حتى قبل أربع ساعات بسبب غياب الألماني تيمو غلوك سائق فريق تويوتا الموجود في المستشفى إثر تعرضه لحادث خطر خلال التجارب الرسمية مع أن التقارير الطبية أكدت أن إصابته طفيفة .
ولم يتمكن غلوك من المشاركة في السباق مع أنه كان سينطلق من المرآب لأن سيارته بحاجة إلى تغيير كامل الهيكل، وحتى السائق الثالث في الفريق الياباني كاموي كوباياشي والذي شارك في التجارب الحرة بدلاً منه لم يسمح له بالمشاركة لعدم موافقة جميع الفرق الأخرى لأن الأمر يشكل مخالفة للقانون، كما تقرر إرجاع ستة سائقين 5 مراكز لعدم تقيدهم بالقواعد والأنظمة التي تقضي بتخفيف السرعة أثناء رفع العلم الأصفر خلال التجارب الرسمية وهم باتون وباريكيللو وسوتيل وليوتزي وألونسو وبويمي .
فيتل الأسرع في تجربتي الحرة الأولى والثانية
أنهى الألماني سيباستيان فيتل (ريد بول-رينو) التجارب الحرة الأولى والثانية لجائزة اليابان الكبرى في المركز الأول، فيما جاء زميله في فريق ريد بول-رينو، الاسترالي مارك ويبر ثانياً في التجارب الأولى والثانية أيضاً على حلبة سوزوكي .
في التجارب الأولى قطع فيتل اسرع لفة بزمن 1،32،585 دقيقة بمعدل سرعة وسطي 225،795 كلم/ساعة متقدماً على ويبر (1،32،633 د) والبولندي روبرت كوبيتسا (رينو) (1،33،129 د) .
واحتاج فيتل إلى 1،31،465 دقيقة لقطع أسرع لفة في الجولة الثانية بمعدل سرعة وسطي 228،560 كلم/ساعة، وحل أمام ويبر (1،31،860 د)، فيما كان المركز الرابع من نصيب الإسباني فرناندو الونسو (فيراري) بطل العالم عامي 2005 و2006 مع فريق رينو .
وحل البريطاني لويس هاميلتون (ماكلارين)، بطل العالم عام 2008 في المركز الثالث عشر .