هل بلغ الحال باليونان أنها بدأت تبيع أجزاء من جسدها المتربع على مياه البحر الأبيض المتوسط لقاء تغطية الإنكسارات المالية ولإنقاذ الوطن من تداعيات أكثر خطورة . مجلة بلومبيرغ رصدت تحركات لحكومة اليونان التي بدأت تدرس جديا بيع جزر وممتلكات مترفة بهدف التخلص من، بعض الديون . ولكن المشكلة التي يواجهها المشترون هي من يمتلك ماذا؟ وكتب كريج كوبيتاس المحرر في بلومبيرغ وقائع وتفاصيل غريبة ترافق كل تلك الأنشطة فقال: قبيل عيد الفصح بوقت قصير حل أنطوان معلوف ضيفا على وزيرة السياحة اليونانية، ولديه طلب غير عادي . فقد أراد شراء جزيرة يونانية . وعرض معلوف المدير العام لشركة مجموعة إم إم سي للاستثمارات ومقرها إمارة موناكو مبلغ 15 مليار دولار ثمناً للجزيرة، على أن تتم عمليات ضمانات التمويل عن طريق المؤسسات المالية الأكبر في الولايات المتحدة وأوروبا . وتمت المفاوضات حول بيع الجزيرة تحت سمع ونظر وزيرة السياحة .
كانت فكرة معلوف بسيطة للغاية . فقد عرض معلوف مبلغ 120 مليون جنيه استرليني ثمناً لجزيرة باتروكلوس القاحلة، وتبلغ مساحتها الف هكتار، وهي عبارة عن شريط من اليابسة يمتد عبر خليج سارونيك اليوناني، ويطلق عليها اسم جزيرة الحمار وتشكل ملاذا للصيادين وتحتوي على متنزه على طراز حدائق لاس فيجاس . وهي لا تبعد كثيرا عن طريق البحر عن مدينة أثينا . أما الهدف من الشراء فهو بناء سلسلة من الكازينوهات في الجزيرة فضلا عن روابي للعبة الجولف وتشييد مبان سكنية تتسع لنحو 50 ألف شخص وإنشاء موانئ بحرية يمكنها استيعاب الآلاف من اليخوت . ويمكن أن يوفر هذا المشروع العملاق وظائف لأكثر من 8 آلاف يوناني في وقت يعاني فيه آلاف اليونانيين من البطالة . ووقعت دوناتللا فيرساتشي عقدا لبناء فندق مترف على الجزيرة .
يقول معلوف إن كل ما أحتاج إليه هو رسالة من الحكومة اليونانية أتجاوز من خلالها كل التصرفات البيروقراطية المثيرة للسخرية في اليونان . أريد رسالة تحمل التزاما رسميا مكتوبا .
وأجابت وزيرة السياحة اليونانية فاني بالي بيتراليا على تساؤلات معلوف بالقول إن الحكومة تمنحك كل مساندتها ودعمها . نحن نبارك خطواتك وفيما تصبو إليه .
وأكد معلوف على الوزيرة قائلا إذن ستمنحيني الرسالة . فجأة تساءلت قائلة ماذا؟ ألا تثق بالحكومة اليونانية؟
يقول معلوف إنه لم يحصل على الرسالة أبدا ولم يحصل على جزيرة الحمار أيضا . وتوفي المشروع الاستثماري الذي لم ير النور قط . وراح ضحية الشلل البيروقراطي والفساد الممنهج الذي يحاول رئيس الوزراء اليوناني جورج باباندريو كبح جماحه .
وحالياً من المتوقع أن تصبح اليونان مثقلة بدين كبير يصل إلى 400 مليار يورو في العام 2012 في أعقاب حملة الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي لإنقاذ الاقتصاد اليوناني وأمام مطالبة اليونان الالتزام بدفع أقساط شهرية تبلغ 4 مليارات يورو إقترح باباندريو استراتيجية بيع أصول ثمينة . ولعل أهم تلك الكنوز القيمة التي يمكن لليونان عرضها للبيع هي جزرها المشمسة التي يتجاوز عددها 6 آلاف جزيرة، إلى جانب ممتلكات نفيسة وأراض أخرى تمتلكها الحكومة يمكن أن تغطي أقساط الديون عندما تطرح في السوق المفتوحة .
تعد معظم الجزر اليونانية ملكيات خاصة وتقدر قيمة الواحدة منها ما بين 3 ملايين يورو إلى 150 مليون يورو . وبينما لا تمتلك الحكومة هذه الجزر، إلا أنها ستستفيد من صفقات البيع من خلال عوائد الضرائب والتطوير، كما أنها توفر وظائف للمواطنين، وتصبح عامل جذب كبير للسياحة . وبالنتيجة فإن الحكومة سيكون لها يد ورأي في كل الصفقات من المصادقة على اية صفقة إلى تنظيم تفاصيل شراء العقارات والجزيرة، ووضع معايير يحجم المبالغ التي يمكن دفعها . ويعني ذلك أن صفقات البيع ستخضع لرحمة البيروقراطية اليونانية . وعلى الرغم أن شيئا لم يتم بيعه منذ أن طرح باباندريو الفكرة في أوائل العام الحالي،لكن الإمكانات لتحقيق ذلك عظيمة .
يفخر البحرالأيوني بأنه يضم سكوربيوس، وهو مجمع ارسطو أوناسيس الأسطوري . وتقع إلى الشرق جزر السبيتسوبولا التي تمتلكها عائلة نياركوس وكورونيدا وهي منتجعات لعشيرة ليفانوس . وتستمر القائمة طويلة . وتبقى المشكلة أمام عمليات البيع تواجه سلسلة من المصاعب العسيرة على الحل، فهناك الحكومة والملاك المحليون والجيش والتنظيمات الدينية والقوانين والمراسيم والإدعاءات بحق الملكية . كل ذلك يجعل عملية البيع بالنسبة لأي شخص مستحيلة، لأن أي شخص لا يمكنه أن يحدد من يمتلك ماذا؟
وليست اليونان البلد المعاصر الوحيد الذي يعاني نقصاً مأساويا حاداً في الميزانية ويحتاج إلى بيع أراض تمتلكها الدولة وبيع أصول أخرى لتجنب المقرضين . وعلى سبيل المثال، بيع في روسيا خلال الفترة ما بين العامين 1993 و1995 نحو 20 ألف مشروع من بين 27 ألفاً، وبلغت أسعار البيع 10 في المائة من قيمتها الحقيقية، وكان الهدف جمع رأسمال، بحسب الخبير في شؤون الكرملين بوريس كاجارليتسكي مدير معهد دراسات العولمة والحركات الاجتماعية في موسكو .
يقول مايك فاسيليو مدير مؤسسة ناي جلوبال العقارية اليونانية أن الجزر اليونانية تثير الكثير من فضول المستثمرين الأجانب أكبر مما تثيره المناقشات الخاصة بتوفير نسبة سداد ديون الصندوق، خاصة بوجود شخص يرغب في بناء سلسلة من الأسواق التجارية يحصل من خلالها على إعفاءات ضريبية على الأرض، ويعمل مايك مستشارا في مكتب المراقبة الدائم التابع لصندوق النقد الدولي في أثينا، ولدى الصندوق خطط تدقيق تخص عمليات البيع أو استئجار ممتلكات خاصة بالدولة لتوفير المال للمقرضين . ولكن ما يعنيه هو أن عرض الجزر قد يغري كل أصناف المشترين
الذين يقيمون مشاريع قد لا تكون اليونان بحاجة ماسة لها .
وعلى الرغم من حماس باباندريو لفكرة البيع، إلا أن عملية شراء جزيرة تدفع المستثمر لخوض معركة جنونية مع البيروقراطية . وفي الغالب يمضي المستثمرون المفترضون أوقاتا أكبر وينفقون أموالاً أكثر وهم يتفاوضون للوصول إلى السعر النهائي مع بيروقراطيي الحكومة اليونانية المالك الفعلي للعقارات . وتأتي المرحلة التالية وهي من ياترى يكون مالك الأرض .
يقول ستراتيس ستراتجيس الأمين العام السابق لوزارة الاقتصاد اليونانية، الذي ترأس فيما مضى لجنة تنظيم أولمبياد اثينا وعمل مستشارا قانونيا لشركة معلوف اثناء محاولته شراء جزيرة باترولدوس، لا نزال لم نتمكن من تسجيل الجزيرة .
وكان الاتحاد الأوروبي منح اليونان في العام ،1994 60 مليون يورو لإنشاء مكتب لتسجيل الأراضي ، ولكن بحسب بطرس دوكاس وكيل وزارة المالية ووكيل وزارة الخارجية السابق فإن الأوروبيين بعد فترة وجيزة طالبوا باسترداد جانب من الهبة التي قدموها . وارتفعت تكلفة بناء مقر لتسجيل الأراضي من 1300 يورو للكيلومتر المربع إلى 30 ألف يورو للكيلومتر المربع . وذكرت دراسة مستقلة اعدها فاسيليو في وقت سابق من العام الحالي وهي طالبت بإنشاء إدارة تسجيل أراض رسمية . وقال فاسيلي أنه اكتشف أن الدولة تخوض حاليا نزاعاً على أرض مساحتها 675 الف هكتار ويطالب بملكيتها العديد من الأفراد . وتخوض الكنيسة الأورثوذكسية اليونانية معركة قضائية في المحاكم حيث تدعي ملكية اراضي مساحتها 325 ألف هكتار . ويطلق ستراتيجيس على الأزمة بأنها أزمة رياضيات جوهرية . ويقول إن الحكومة اليونانية لن تتعلم فنون الحساب قط .
ومن اقرب الأمثلة على التعقيدات التي قد يواجهها المستثمرون الإجانب إن هم حاولوا شراء أراضي بغرض الاستثمار، هي المحاولة التي بذلها أعضاء فريق البيتلز لشراء جزيرة الروح القدس في خليج إيفيا، وكانت تبلغ مساحتها 12 هكتارا فقط . وكانت الجزيرة ملكا لمستشار البلاط الملكي اليوناني في الفترة ما بين العقدين الخامس والسادس في القرن الماضي سوفوكليس بابانيكولو . وعلى الرغم من بذلهم لأفضل الجهود لامتلاك الجزيرة إلا أن جميع جهودهم باءت بالفشل وانتهى بهم الأمر لشراء جزيرة أخرى في بحر إيجة اليوناني، لكنهم ما لبثوا أن باعوها بعد أشهر قلائل .
وعند البيع تختلط الأمور بالنسبة للبائع والشاري على حد سواء فيما يتعلق بتقييم الجزيرة ونسبة الضريبة التي تفرض عليها . ففيما تم تقييم جزيرة الروح القدس وتم دفع 20 مليون يورو للشاري قدرت نسبة الضريبة التي ستدفع على المبلغ ب 9 في المائة ولكن مكتب الضرائب ثمن الجزيرة ب 2 .1 مليون دولار، وتم دفع الضريبة على هذا المبلغ . وهكذا تقوم بدفع 20 مليون يورو ثمن الجزيرة للبائع، ولكن لا تدفع ضريبة سوى 9 في المائة على ال 2 .1 مليون فقط .
وتعد الالتباسات الخاصة بقيمة الأرض واحدة من التحديات التي تواجه أصحاب الأرض والمشترين على حد سواء عندما يشرعون في التفاوض لإبرام صفقة البيع . يقول سامابورولوس صاحب جزيرة الروح القدس لإتمام صفقة بيع الجزيرة لا بد من مشاركة ثماني وزارات في الصفقة بدءا من وزارة الثقافة وانتهاء بوزارة الدفاع، وهي جميعها لا بد أن يكون لها رأي في صفقة البيع . وما أن تحصل على توقيع الوزارات الثماني تعود إلى وزارة المالية لمعرفة ما إذا كانوا يرغبون في شرائها بسعر يشمل الضريبة .
ويخضع جميع المشترين من الدول غير الأوروبية لعملية تدقيق من قبل وزارة الدفاع اليونانية للتأكد من أنهم لن يشكلوا تهديدا أمنيا على اليونان في حال قيام غزو تركي . ويقول ساما بورولوس تعد عملية إتمام صفقة شراء جزيرة من أكثر الصفقات إيلاما في اليونان . إنك تسعى للحصول على 2500 رخصة رسمية وإذن لإتمام عملية البيع . ويجد الزبائن الأجانب الستون الذين يبدون اهتماما بشراء جزر مدهشة وهم لا يصدقون التعقيدات التي تمر بها عملية البيع .
وتابع سامابورولوس يقول نقدر أن الحكومة ستعرض أراضي يصل سعرها إلى 300 مليار دولار للبيع . وتضم على الأقل 15% من السواحل الجميلة المترفة والعقارات الواقعة في الجزر . فهل تتخيل حالة الإرباك التي يواجهها المشتري؟
كلف رئيس الوزراء جورج باباندريو جورج بابا أويوانو الرئيس التنفيذي في شركة بيريوس للعقارات، وهي فرع تابع لبنك بيريوس، لتقدير قيمة العقارات الحكومية لبيعها أو تأجيرها ولإصدار تصاريح إبرام صفقات بيع الجزر اليونانية . ويقع مكتب فريقه قرب متحف العملة في اثينا وهو عبارة عن ثمانية طوابق تقع فوق مول معظم مخازنه فارغة . ولدى الشركة العقارية 50 عقاراً متوزعة في أرجاء اليونان تنتظر البيع . يقول باباأويوانو إنني واحد من المستشارين الذين تركن الحكومة إلى نصائحهم حول ما ينبغي بيعه وكيف يمكن الوصول إلى أفضل صفقات البيع . فلا تقل لي كم هكتارا لديك ، لأن أحدا لا يعرف الحقائق .
وتخفى على باباأويوانو التفاصيل، فعلى سبيل المثال هناك25 هكتارا لأرض بكر تقع على واجهة بحرية من جزيرة رودس وقد طلبت منه الحكومة تقويم الممتلكات لبيعها ، وتعود ملكيتها لشركة كهرباء . ويقول قد لا تبلغ مساحة الأرض 25 هكتارا ولا ندري كم عدد الأشخاص الذين يعيشون على الأرض .
وتشمل تقديرات باباأويوانو أن الحكومة لديها أرض بقيمة 300 مليار يورو وهي جاهزة لبيعها لمسثمرين . . ويذكر التاريخ بيع أراضٍ ذات حجم مماثل وهي ولاية لويزانيا التي اشترتها الحكومة الأمريكية من نابوليون الذي باعها ب 15 مليون دولار عام 1803 وبلغت مساحتها 828 ألف ميل مربع وكان يعيش فيها 74556 ألف شخص . وكانت فرنسا في ذلك الحين مثقلة بالديون مثل اليونان اليوم، وكانت تسعى يائسة لإيجاد الأموال النقدية لدفع ديونها . وشحن الرئيس الأمريكي طوماس جيفرسون لنابليون 3 ملايين دولار على شكل سبائك ذهبية وجعل الإمبراطور الفرنسي يحصل على باقي المبلغ من خلال سندات صادرة عن مؤسسة بارينك أند كو في لندن ومن خلال بيوتات الاستثمار الإنجليزية والهولندية الأخرى .