عادي
توقعات بنمو أعداد الجياع حول العالم إلى 1.44 مليار

زيادة أسعار الغذاء والوقود تهدد بأزمة عالمية جديدة أكثر كارثية

06:13 صباحا
قراءة 12 دقيقة

بينما لا تزال الأزمة المالية العالمية تجثم على صدور العالم خاصة كبرى اقتصادات العالم، فوجىء العالم بأزمة جديدة، وهي في هذه المرة تمس لقمة العيش التي باتت مهددة بتداعيات أخطرها إثارة الاضطرابات الاجتماعية وأعمال العنف وحتى تفجر المشكلات بين البلدان . وتلعب التغيرات المناخية العنيفة أيضا دورها في ترك آثار كارثية على المحاصيل الغذائية والمواد الأولية المهمة للصناعات .

حذر تقرير للبنك الدولي من أن أعداد الأشخاص الذين سيعانون من سوء التغذية سيتضاعف وسيضاف 44 مليون جائع جديد إلى المليار جائع المسجلين رسميا في العام ،2008 وقال التقرير الدولي إن العائلات الفقيرة سيلقى بها إلى حافة التعثر وضيق العيش وهو ما سيؤدي إلى إلحاق أضرار بصحة الملايين من الأطفال بصورة من الصعب تصحيحها فيما بعد . وأضاف التقرير وهو بعنوان ارتفاع المواد الغذائية وأسعار النفط أن هناك محاذير من أن ينجم اضطرار الأسر لتقليص نفقاتها إلى إلحاق مخاطر جسيمة بمستوى أداء الأطفال الصغار التعليمي . وأضاف التقرير أنه بينما يركز العالم المتطور على الأزمة المالية فإن الكثيرين ينسون أن هناك أزمة إنسانية تتكشف أبعادها سريعاً في الأقطار النامية . وأضاف أن الأزمة المالية ستضاعف المصاعب أمام الأقطار النامية في توفير الحماية لشعوبها الهشة نتيجة زيادة الأسعار والوقود .

وقال البنك الدولي إن الأطفال الذين يعانون سوء التغذية سيصابون بعلل صحية ستظهر عليهم في سن النضوج ولن يكونوا مواطنين منتجين يسهمون في النمو والخروج من دائرة الفقر .

وكان البنك الدولي طور مبادرة في مايو/ أيار الماضي وفرت ملياراً و200 مليون دولار خصصت على شكل مساعدات للبلدان الفقيرة للتغلب على أزمة الغذاء . ومنذ ذلك الحين تم إنفاق ما لا يقل عن 850 مليون دولار على تمويل البذور والزراعة وبرامج التغذية . وفي إبريل/ نيسان دعا البنك الدولي إجراءات جديدة خاصة بسياسة الغذاء العالمية التي تشمل إجراءات متنوعة لتوفير المساعدات الفورية إلى الفقراء والمزارعين لزيادة إنتاجهم من الغذاء .

ومنذ العمل بالمبادرة نفذت منظمة (الفاو) مهام تقويم الوضع في أكثر من 58 بلدا وعملت المنظمة الدولية بالتعاون مع فريق عمل مهمته معالجة أزمة الغذاء العالمية لتطوير إطار عمل شامل للتحرك واستراتيجية عالمية وخطة عمل مهمتها التخفيف من الصدمات الفورية الناجمة عن ارتفاع الأسعار وتوفير إجراءات طويلة الأمد لتحقيق أمن غذائي مستدام . كما وفرت الفاو المشورة للحكومات، بتوفير إرشادات فورية لها من أجل التحرك لمواجهة أزمة الأمن الغذائي وتصعيد رقابتها لأسعار الغذاء في البلد والإقليم وعلى المستوى العالمي من خلال معلوماتها العالمية ونظامها الخاص بالإنذار المبكر بشأن الغذاء والزراعة .

في أواسط العام ،2008 عندما وصلت أسعار المواد الغذائية إلى أعلى مستويات هي الأولى من نوعها منذ 30 عاماً، أطلقت الفاو سلسلة من المشاريع الطارئة مدتها عام واحد حيث زودت المزارعين الصغار بنوعيات محسنة من البذور والأسمدة الزراعية والمعدات والمساعدات التقنية لدعم إنتاجهم الزراعي على وجه السرعة .

واتخذ هذا الدعم المبكر دور المحفز لتخصيص مبالغ إضافية . وفي العام ،2009 بدأت الفاو بتنفيذ مشروعات في 28 بلداً في كل من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والكاريبي وصلت تكلفتها إلى مليار جنيه إسترليني، ويعود الفضل في المقام الأول إلى إسهام الاتحاد الأوروبي .

نحو أمن غذائي طويل الأمد

يحتاج العالم الآن إلى تجنيد كل الجهود على كافة الصعد لتعضيد قابلية المزارعين الفقراء على التصدي لأية صدمات مستقبلية مثل الكوارث الطبيعية، وإضطرابات السوق والأزمات المالية والقدرة على رفع القدرة الإنتاجية الزراعية حتى يمكن أن تتم المساهمة في وضع نظام أمن غذائي بعيد الأمد .

ولتحقيق هذه الغاية تتعاون (الفاو) مع الحكومات للتأكد من حصول المزارعين بشكل دائم على البذور ذات الجودة والأسمدة والمعدات والعون التقني والتدريب والمال اللازم . ويعد ذلك موقفاً داعماً لتحسين البنية التحتية الريفية مثل الطرق وأنظمة الري والتخزين والوصول إلى الأسواق وتعزيز قدرة المزارعين على الاستفادة من المصادر المائية والأرض على نحو أفضل .

كما تعمل (الفاو) على الدفاع عن زيادة حجم الاستثمارات بدءا من دعم التطوير الرسمي إلى الإنفاق العام والاستثمارات الخاصة، كوسيلة حتى تعود الزراعة إلى وضعها السليم لمقاومة الفقر والجوع وسوء التغذية .

مجموعة العشرين

وكان زعماء مجموعة العشرين الكبار المجتمعون في قمة أكويللا تعهدوا جمع أكثر من 20 مليار دولار لاستثمارها في تطوير زراعي مستدام وإقامة شبكات أمان بالنسبة لجميع الشعوب المهددة بالمجاعة . وفي أوائل العام 2010 أنشأ برنامج أمن غذائي وزراعي عالمي، وهو عبارة عن صندوق يشارك فيه متبرعون من جنسيات مختلفة، لتحقيق جانب من تلك التعهدات وقدم متبرعون عدة التزامات بلغ إجمالها 880 مليون دولار .

وقدمت (الفاو) مساعدات لأكثر من 15 بلدا العام الماضي لتنفيذ خطط استثمارية مستدامة في إطار آليات مبادرة التمويل مع التوجه الخاص لدعم برامج التطوير الحكومية في إطار برنامج تطوير الحياة الزراعية الإفريقية الشامل .

التمويل

توفر (الفاو) الكثير من الإجراءات الطارئة الخاصة بالدعم من صندوق تمويلها الخاص على شكل دعم مشروعات برامج التعاون التقنية التي تصل إلى 3 .37 مليون دولار . كما يسهم الاتحاد الأوروبي بمبلغ 341 مليار دولار يقدمها للفاو من خلال هيئة الغذاء الأوروبية .

مخاطر عالمية جديدة

وبينما تواصلت أسعار الغذاء في الارتفاع بحدة باتت نذر أزمة جديدة بالتكشف وهو ما يحمل معه احتمالات نقص الغذاء التي سيصاحبها تفجر اضطرابات خاصة في الدول الفقيرة .

وتوقعت تقارير مختلفة أن تبقى الأسعار مرتفعة في العام الحالي وهو ما يثير القلق بأن العالم يتجه نحو أزمة جديدة على الرغم من أن علماء الاقتصاد نبهوا إلى أن أهمية وجود مخزونات كافية من الأصناف الرئيسية للحبوب، يمكن أن تحول دون تفجر مشكلات خطيرة .

بيانات دولية

في تقديراتها تقيس بيانات الأمم المتحدة أسعار السلع في ضوء وضع سوق التصدير العالمية .

ويعلق وليم نيومان على ذلك في مقال نشر في صحيفة نيويورك تايمز أن تلك البيانات لا تخص الأسعار في محال السوبرماركت كتلك الموجودة في البلدان الثرية مثل الولايات المتحدة . ففي هذا البلد تمت السيطرة على تضخم أسعار الغذاء نسبياً . ومن المتوقع أن ترتفع الأسعار هنا من 2 - 3 في المائة العام الحالي . لكن الوضع يختلف في الأقطار الفقيرة التي تعتمد بصورة أكثر كثافة على الاستيراد . وكان مؤشر أسعار الغذاء الخاصة بمنظمة الأغذية والزراعة ارتفع إلى 32 في المائة من يونيو/ حزيران إلى ديسمبر/ كانون الأول العام الماضي 2010 وبينما لم يتم تعديل التضخم فإن إجراء مقارنة دقيقة مسألة صعبة مع مرور الوقت .

الفقراء معرضون للحرمان من الغذاء الأساسي

ترتفع أسعار المواد الغذائية إلى مستويات خطيرة . ويكثر الحديث عن أزمة قادمة مثل تلك التي فجرت أحداث عنف وشغب في العام 2008 والعام 1974 . ويحتشد الكثير من مكونات وقوع كارثة ولكن يمكن للحكومات الحيلولة دون وقوع ذلك قبل أن تؤدي إلى التسبب في أضرار جسيمة . ومن تلك المؤشرات ارتفاع أسعار الحبوب مثل الذرة والأرز والدقيق . وفي العام 2010 ارتفعت أسعار تلك الحبوب إلى مستويات بلغت 26 في المائة خلال شهري يونيو ونوفمبر/ تشرين الثاني متجاوزة المستويات المرتفعة التي كانت وصلت إليها في العام ،2008 بحسب مؤشر أسعار الغذاء الخاص بمنظمة الفاو . وتسبب الارتفاع في الأسعار أفدح الضرر ببلدان فقيرة تستورد الكثير من موادها الغذائية منها الفلبين والمكسيك ونيجيريا وباكستان .

وتحرم الأسعار المرتفعة الفقراء، الذين ينفقون أكثر من نصف مداخيلهم على تغذية أفراد أسرهم . ويتوقع المراقبون أن يؤدي ارتفاع المواد الغذائية من دون التوصل إلى أية حلول إلى تفجير إضطرابات واسعة . وفي الهند التي يلعب فيها البصل دوراً غذائياً كبيراً صعدت أسعاره إلى مستويات مثيرة للقلق . ويعد سعر البصل مقياساً على مجمل أسعار المواد الغذائية في الهند .

ولكن بالنسبة لمعظم الأقطار الكبيرة، فإن الأسعار هي شأن محلي . ففي البلدان التي تنتج معظم غلتها الزراعية محليا مثل الصين وروسيا والهند وغالبا ما يدفع المشترون أسعارا تقرها الحكومة فإن تسعير السلع ليست لها صلة كبيرة بالأسواق العالمية، ومع ذلك فإن تلك البلدان تعاني .

ومن المتوقع أن ترتفع أسعار الحبوب 2 في المائة العام 2011 عندما يتراجع الإنتاج بنسبة 4 في المائة .

ويرى مصرف رابوبنك الهندي في مومباي أن احتياطيات الحبوب تصل إلى 17 في المائة من الحجم الكلي المستهلك، وهي المستويات الطبيعية لاحتياطيات الحبوب . ولكن يمكن أن يؤدي الإقبال على استهلاك الحبوب إلى ميل أكثر نحو الوقوع في أزمة ولكن المزيد من الإنتاجية واتباع وسائل زراعية آلية في الصين والهند وإفريقيا يمكن أن يؤديا إلى تجاوز تلك المشكلة .

إجراءات لحماية المخزونات والأسعار

ولكن يبدو أن السبب الأول هو توفر أحجام مبالغ فيها من الأموال . فالحكومات تقوم بطباعة أوراق نقدية ضخمة لمساعدة اقتصاداتها على التعافي .

وأدى ذلك إلى إيجاد مؤثرين جانبيين: الأول، شراء مستثمرين الانكشاف على السلع باعتبارها رافعة اقتصادية . أما المؤثر الثاني فهو تخزين السلع لبيعها في فترات لاحقة وهو ما يؤدي إلى حرمان طبقات فقيرة من شرائها في حين أن المستفيد هو التاجر القائم على تخزين تلك السلع ولا يستنثى من ذلك الصين التي تراكمت فيها السيولة النقدية إلى مستوى 20% عام 2010 .

ويعتمد احتمال تغير الارتفاع في الأسعار على عاملين اثنين . أولا، وجود حلول قصيرة الأمد . فمنتجو المواد الغذائية يلجأون إلى حظر التصدير عندما يخشون من شح أو زيادة محتملة للأسعار .

وأحيانا يحق لهؤلاء أن يشعروا بالقلق حتى يلجأوا إلى هذا الأسلوب . ومثال ذلك أن حدوث الجفاف في روسيا منح الروس مسوغات لوقف التصدير لفترة قصيرة قبل استئنافه بناء على مخاوف من مواجهة شح مخزونات القمح . وكانت الهند أيضاً حظرت تصدير البصل لمواجهة الصعود المفاجئ لأسعاره .

وحظرت الهند، التي تمتلك فائضاً من إنتاج الأرز، تصديره في العام 2007 مما أدى إلى مضاعفة أسعار الأرز في الأسواق العالمية . وبحلول العام 2008 وضعت أكثر من 30 حكومة في العالم نوعا من القيود على التصدير . ويؤدي فرض حظر على الصادرات عادة إلى التسبب في حدوث فقاعات في الخارج . وتحول دون استفادة المزارعين من جني أرباح الأسعار المرتفعة التي يمكن أن تؤدي إلى نمو زراعتهم .

أما النقطة الثانية المهمة فهي أسعار النفط التي تؤدي زيادتها إلى ارتفاع تكلفة نقل المواد الغذائية . ويؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى تشجيع السياسيين أيضا على تحويل الحبوب إلى وقود حيوي أصبح منافسا للنفط الذي تتصاعد أسعاره .

وبحسب استطلاع أجرته وكالة رويترز فإن متوسط سعر برميل النفط سيصل إلى 84 دولاراً في ،2011 ولجأت الولايات المتحدة التي تصدر ثلثي إمدادات العالم من الذرة إلى تحويل كميات كبيرة إلى وقود حيوي خلال تفجر الأزمة المالية العالمية في 2008 مما أدى إلى زيادة أسعار الذرة إلى 70 في المئة، بحسب صندوق النقد الدولي، وأدى هذا التصرف إلى إلحاق أفدح الأضرار بالفقراء في العالم .

وتوقع جون فولي في مقاله المنشور في نيويورك تايمز احتمال حدوث اضطرابات اجتماعية بسبب ارتفاع أسعار الغذاء، لكنه أشار إلى أن ذلك ليس حتمياً . ورأى أن على العالم التعود على قصور المواد الغذائية خاصة مع الزيادة الكبيرة في أعداد السكان، وتصاعد أسعار المواد التي يعتمد عليها الفقراء في غذائهم . ويعتقد أن السياسات الحكيمة للحكومات يمكن أن تحول دون وقوع أزمات حقيقية .

الهند وأزمة بصل

وصفت أزمة تصاعد أسعار المواد الغذائية التي وصلت إلى أرقام تضخم عالية في الهند بأنها أزمة بصل وقال تقرير لصحيفة فايننشال تايمز من نيودلهي إن أسعار السلع الغذائية في الهند بلغت مستويات هي الأضخم في أكثر من عام ( 18%) حتى نهاية ديسمبر الماضي . ولن يؤدي ذلك سوى إلى مضاعفة الضغوط على البنك المركزي الهندي لانتهاج سياسة نقدية متشددة . وبلغت أسعار المواد الغذائية في غضون أسبوع وحتى الخامس والعشرين من ديسمبر الماضي 32 .18 في المائة مقارنة بالعام الماضي وأدت هذه الأنباء إلى تصاعد عائدات السندات فيما رفع مستثمرون من حجم توقعاتهم بزيادة نسبة الفائدة إلى مستوى عال . ويذكر أن البنك المركزي الهندي ضاعف أسعار الفائدة في العام 2010 ست مرات ويتوقع أن يتخذ الإجراءات ذاتها عندما يقوم بمراجعة سياساته المالية في 25 يناير/ كانون الثاني الشهر الحالي .

وقال هيتندرا ديف رئيس قسم الأسواق العالمية في بنك إتش إس بي سي في مومباي ل رويترز: إن أرقام التضخم هذه تعزز سيناريو ارتفاع الأسعار ولا بد من الاستعداد الآن لمواجهة سلسلة من ارتفاعات الأسعار زيادة عما كان متوقعا في الشهر الماضي، ولذلك فإن منحنى الأسعار لا بد أن ينتقل إلى مستويات متصاعدة . ورأى اقتصادي هندي آخر في بنك فيسيا في مومباي أن الارتفاع الحاد في أسعار السلع الغذائية غالباً ما يكون له تأثير شديد في أسعار السلع غير الغذائية . ولا يخفي اقتصاديون هنود قلقهم من أن يستمر ارتفاع أسعار السلع الغذائية لفترة طويلة . وكان صندوق النقد الدولي قال في تقرير له أخيرا إن الحاجة تقتضي أن ترتفع الأسعار للتخلص من التضخم .

وقالت فايننشال تايمز إن الهند تعد واحداً من أفضل الاقتصادات أداء في العام 2010 وينظر إليها باعتبارها محركا لتعافي الاقتصاد العالمي حيث تعمل على التخلص من تأثير الأزمة المالية العالمية . ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينمو الاقتصاد الهندي بنسبة 75 .8% في العام الذي ينتهي في 31 مارس/ آذار و8% في الأشهر الاثني عشر المقبلين بدافع الطلب الكبير للمستهلك ونمو القطاع الصناعي القوي .

الكوارث الطبيعية

تعزو مجموعات بيئية ارتفاع مستوى الأسعار إلى زيادة تأثير العوامل المناخية المضطربة التي يرجح أنها تعود إلى سبب ظاهرة سخونة الغلاف الجوي . وترى منظمة أوكسفام أمريكا أن المساهم الرئيسي في ارتفاع المواد الغذائية هو الأحوال المناخية العنيفة التي تؤثر في محاصيل منتجات زراعية معينة . ونبه جاوين كربكيه مدير السياسات في فاو إلى أن الارتفاع القياسي في أسعار المواد الغذائية هو تذكرة خطيرة بأنه ما لم نتحرك لمعالجة أسباب الجوع والتغير المناخي فسنجد أنفسنا أخيرا على حافة كارثة مستمرة . وعلى سبيل المثال، فإن محاصيل القمح في روسيا الصيف الماضي تعرضت لخسائر مخيفة بسبب الجفاف غير العادي والحرائق الواسعة . كما أن إنتاج باكستان من المحاصيل الزراعية تقلص بسبب السيول العارمة التي ضربت مناطق الإنتاج الزراعي . كما تراجع إنتاج المواد الغذائية في كمبوديا ولاوس بسبب تأخر هطول الأمطار . ولحسن الحظ فإن أسعار الأرز، الذي يعد غذاء رئيسيا للفقراء، بقي مستقرا ولذلك فإن ارتفاع الأسعار لا يتوقع عموما أن يخلق أزمة مجاعة . وبالمقابل فإن أسعار السكر والدهون والزيوت ارتفعت أكثر من 50 في المائة إعتبارا من العام 2009 .

أما العوامل الأخرى غير تأثير العامل المناخي المؤثرة في الإمدادات الغذائية فتشمل قضايا التجارة وقيمة الدولار العملة الرئيسية للمساعدات الغذائية .

لكن العلماء يرون أن تضرر المحاصيل الزراعية المتأثرة بالتقلبات المناخية أمر لا مفر منه في كوكبنا الذي تتزايد حرارة غلافه الجوي .

لا نينا ظاهرة مناخية كارثية

قال جاك فارشي في صحيفة فايننشال تايمز إن ظاهرة لا نينا المناخية الحقت أضرارا كارثية بمحاصيل زراعية مهمة وبتجارة السلع بدءا من الفحم الحجري وانتهاء بزيت النخيل . ويتوقع أن تحمل السنوات المقبلة المزيد من الاضطرابات المناخية . ويراقب التجار البيانات الصادرة عن مكتب الأرصاد الجوية الأسترالية عن كثب، ويصف المكتب ظاهرة لا نينا الحالية بأنها الأعنف خلال 3 عقود ويتوقع أن تستمر هذه الظاهرة ثلاثة أشهر أخرى على الأقل . ووصفت الآثار التي خلفتها ظاهرة لا نينا بأنها مثيرة فقد أغرقت هذه الظاهرة المناخية عددا من البلدان بدءا من أستراليا وإندونيسيا وحتى كولومبيا .

وأغرقت المياه مناجم الفحم الحجري في شمال شرقي أستراليا، وتعاني أستراليا من ظاهرة الفيضانات منذ ثلاث سنوات والفيضانات الأخيرة هي الأشد خلال ،2010 في حين أن الظاهرة أدت إلى تعطيل شريان نقل البن من المناطق الداخلية في كولومبيا . ونقل فارشي عن بل باتزسيرت عالم شؤون البحار والمناخ في وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) قوله إن لا نينا تنشر لعناتها وبركاتها عبر كوكب الأرض . . . .

أما المحللون فقد حولوا اهتماماتهم من قضايا السلع إلى قضية التغيرات المناخية، وبدأت ميليندا مور محللة السلع في بنك كريدي سويس بإرسال تقارير لزبائن البنك أسبوعياً تعلمهم حول أحوال الطقس خاصة ما يتعلق بمناجم الحديد والفحم الحجري . وعلقت ميليندا على الوضع بأنه سيئ بسبب الاضطرابات المناخية .

وكانت لا نينا تسببت في الأشهر الستة الأخيرة برفع أسعار الفحم الحجري بنسبة 32 في المائة والمطاط إلى 42 في المائة والقهوة العربية بنسبة 75 في المائة .

ويذكر أن ظاهرة لا نينا المناخية أدت خلال العامين 1973 -7691 إلى التسبب في حالة جفاف شديد وفي أزمة مواد غذائية كانت الأشد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية . وقالت الأرصاد الجوية الأسترالية إن لا نينا لا تزال تتشكل وستتخذ أعنف وضع لها، للمرة الأولى، منذ عقد السبعينات .

ومن الأمور التي تثير القلق بالنسبة للأسواق حالة الجفاف التي تعم الأرجنتين والمناطق الجنوبية في البرازيل وهو ما يهدد محاصيل فول الصويا والذرة في تلك المناطق . وما يثير المخاوف أن أنتاج تلك المناطق يغطي 45 و26 في المائة من الصادرات العالمية . وتوقعت الأرجنتين أن يتراجع إنتاجها من الذرة من 25 مليون طن إلى 3 .21 مليون طن، وهو ما تراقبه وزارة الزراعة الأمريكية عن كثب .

وتسببت حالة القلق حول محاصيل أمريكا الجنوبية في رفع الأسعار بصورة كبيرة خلال العامين الماضيين . ولكن يتوقع أن ترتفع تلك الأسعار ارتفاعا حادا إذا نجم عن تلك الظاهرة تطور أحوال جوية سيئة في أمريكا اللاتينية .

وقالت فايننشال تايمز إنه إذا امتدت هذه الظاهرة إلى أمريكا الشمالية فإن الجفاف سيعصف بالولايات المتحدة . وقال جويل وايدنور من مجموعة استشارية زراعية أمريكية إنه إذا استمرت ظاهرة لا نينا بالتأثير حتى الصيف المقبل، فأعتقد أن ذلك لن يكون طيبا بالنسبة للمواسم الزراعية في أمريكا .

وقال درو ليرنر رئيس مؤسسة المناخ العالمي في مدينة كانساس الأمريكية إن ظاهرة النينو تشطب عادة موسم الأمطار من مناخ الولايات المتحدة في مواسم الزراعات الصيفية وتؤدي إلى رفع أنماط درجات الحرارة أيضا . وكانت الولايات المتحدة عانت من مواسم جفاف خطيرة في العام 1974 خلال السنوات التي امتدت فيها الظاهرة إلى أمريكا في أواسط السبعينات . وبينما يتوقع علماء مناخ تراجع قوة الظاهرة في الربيع المقبل في استراليا، فإن آخرين يرون أنه لا وجود لأي مؤشرات تدل على أنها تضعف بصورة مثيرة .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"