عن دار زيد يوكس البريطانية صدر كتاب الباحثة الفلسطينية فاطمة قاسم بعنوان النساء الفلسطينيات: تواريخ مروية وذاكرة فئوية في 264 صفحة من القطع المتوسط، وهو بالأساس أطروحة دكتوراه، نالت بها الكاتبة شهادة الدكتوراه في العلوم السلوكية .

هذا الكتاب يوثق ذاكرة الفئة النسائية لتاريخ مرسوم بالفجيعة والألم، يبين وجهة نظر النساء الفلسطينيات المهمّشات في المجتمع الإسرائيلي تجاه أحداث ،1948 عندما نشأت إسرائيل .

تتطرق الباحثة إلى الشخصية النسائية الفلسطينية المقموعة، من خلال بعض المفاهيم والعادات الخاطئة التي تقلّل من شأن المرأة، وتلغي وجودها الحيوي ودورها الفعال في أحلك الظروف .

يعد هذا الكتاب الأول من نوعه في تناول النساء الفلسطينيات في إسرائيل، ويستند إلى تحليل مقابلات أجرتها الكاتبة مع سبع وثلاثين امرأة فلسطينية، ممن يعشن في مدينتي الرملة واللد، يروين قصة الوجع النسائي الفلسطيني، الذي لم يهدأ على مدى سنين طوال، والتي هي جزء من واقع ملبّد بالاضطهاد والإلغاء والهامشيّة .

هذه الحوارات هي صرخات ألم بكل ما تحمل الكلمة من معنى، إنها تواريخ بقيت قابعة في قلوب ونفوس نساء صابرات مكابرات على جروحهن المتجددة، لكن نجد أن فاطمة قاسم بروحها الفلسطينية الثائرة أماطت اللثام عنها، مظهرة عمقها الإنساني، وبشاعة ما ارتكبه العدو الصهيوني بحق نفوس بريئة . ومدينتا الرملة واللد يعيش فيهما الآن خليط من الفلسطينيين واليهود، بعد أن كانتا عربيتين بالمجمل قبل 1948 .

يذكر أن الباحثة قوبلت بالرفض عند تقديم أطروحتها، بسبب استخدامها العديد من المصطلحات التي تقشعر لها أبدان الإسرائيليين غيظاً ورفضاً مثل مصطلح النكبة، الذي يعده الإسرائيليون تاريخ استقلالهم، خاصة أن فاطمة قاسم تحمل الجنسية الإسرائيلية .

في الفصل الثالث من الكتاب تتحدث الباحثة الفلسطينية فاطمة قاسم عن قصتها عند كتابة البحث الذي استند عليه هذا الكتاب بالمجمل، وتبيّن العلاقة المعقدة بينها كباحثة وبين الأكاديمية الإسرائيلية، التي زوّدتها بالإطار المؤسساتي في البحث، كما أن نتائج هذه القصة تثير أسئلة كثيرة حول حرية البحث الأكاديمي في إسرائيل، ودور المؤسسات الأكاديمية في إنتاج المعرفة .

نجد في هذا الفصل الكثير من التفاصيل الدقيقة حول عملية قبول بحثها، الذي تخللته جدالات ومناقشات مطوّلة مع الباحثة، في ما يتعلق بجمل معيّنة واصطلاحات هي جزء من صميم الهوية الفلسطينية . تدفع الباحثة بانتباهنا إلى هويتها الفلسطينية التي لا تعترف بوجودها السلطات والأكاديمية الإسرائيلية مطلقاً، وبالتالي هذا الفصل يزعزع كل الأفكار النمطية والتعميمات عن الفلسطينيين في إسرائيل، ويعرض نظرة مختلفة . ومما قالته الباحثة عن ذلك ترجمنا التالي: في هذا التداخل المعقّد من كوني امرأة وفلسطينية ومواطنة إسرائيلية وباحثة أكاديمية، تكمن رغبتي في التركيز هنا على مسألة الحرية الأكاديمية . وأقوم بإلقاء نظرة على هذه الإشكالية في سياق كلية العلوم الاجتماعية، التي هي مقر بحثي، ومن منظور سياسة الجامعة التي ترتبط بإيديولوجية الدولة والسياسة القومية، وبشكل خاص، أفحص بالتفصيل كيف أن عملية الموافقة على بحثي المقترح كانت محاولة لإخضاع كل من البحث نفسه والباحثة عن طريق أجندة سياسية صهيونية .

وعن عملية الموافقة على بحثها قالت التالي: في 5 فبراير/شباط ،2003 قدّمت النسخة الأولى من بحثي، الذي حمل عنوان: بين الذاكرة الجمعية والخاصة: حالة النساء الفلسطينيات في اللد والرملة . نجد أن الباحثة لقيت قبولاً من مشرفها البروفيسور ليف غرينبيرغ ومن رئيس لجنة الدكتوراه في قسم العلوم السلوكية في جامعة بن غوريون، ثم تم إرساله إلى مدرسة كريتمان لدراسات المتخرجين المتقدمة، التي يترأسها البروفيسور ياغال رونين، وهنا تتحدث عن الجدل الذي دار حول بحثها، والذي لم يلقَ قبولاً عند رونين، وبناء على نصيحة من مشرفها طلبت مقابلة البروفيسور رونين لمناقشة سبب الرفض، وتوجهت إليه الباحثة وقالت التالي: بينما كنت أنتظر البروفيسور رونين، فتح باب مكتبه وسأل: هل أنت فاطمة؟ أجبت: نعم . حدّق فيّ وطلب مني الدخول، ثم قال لي على الفور: أشعر بغيظ كبير عندما أجد مواطناً إسرائيلياً يشير إلى يوم استقلالنا بالنكبة .

تجد الباحثة هنا أن تعليق رونين الافتتاحي يعبّر عن الموقف السياسي ليهوديّ إسرائيلي نشأ وتربّى على الروايات الصهيونية، وطلبت منه الباحثة أن يسمح لها بتوثيق ما جرى بينهما من حوار وتدوين ملاحظاتها حوله .

اعتراضات رونين

خلال لقاء فاطمة قاسم بالبروفيسور رونين، كانت هناك أربعة اعتراضات من جانبه على موضوع البحث، وطلب منها أن تحذفها من البحث، الاعتراض الأول كان على استخدام مصطلح النكبة، خاصة أن الباحثة قد عرفت الغرض من البحث في الجمل التالية: هذه الدراسة تركّز على الذاكرة الشخصية للنساء الفلسطينيات من الرملة واللد، اللواتي هن الجيل الأول من النكبة في إسرائيل، وقال لها رونين: إنه لايقبل من مواطن إسرائيلي بأن يشير إلى يوم الاستقلال بالنكبة . تبين له فاطمة قاسم أن البحث هو من وجهة نظر النساء الفلسطينيات، اللاتي اختبرن سنة 1948 بطريقة مختلفة عن اليهود الإسرائيليين، رغم أنهن مواطنات إسرائيليات الآن . تجد فاطمة أن الرقابة على كلمة النكبة وطلب إزالتها من البحث هو فعل سياسي ناتج بعمق عن الصراع السياسي العنيف والمستمر في فلسطين المحتلة، وتتوصل معه الباحثة إلى تسوية باستخدام 1948 بدلاً عن النكبة، واستخدام مصطلح النكبة ضمن أحاديث الآخرين .

الاعتراض الثاني كان في سؤاله: لماذا تستخدمين مصطلح عبرنة أسماء المدن والأحياء والقرى بعد 1948؟ يبرر رونين اعتراضه بأن كل ما تمّ تغييره بعد 1948 هو إعادة التسمية العبرية الأصلية إليها بعد أن غابت عنها لفترة طويلة، ويرى أنه لابد من استخدام كلمات مثل حرب الاستقلال التي حرّر فيها اليهود أرضهم من الفسطينييين الوافدين والمحتلين لأرض الميعاد .

أما الاعتراض الثالث هو على كتابة الجيل الأول من النكبة، وأصرّ رونين على خطأ هذا المصطلح، لأن فيه إشارة إلى الهولوكوست، حيث يقول اليهود دائماً الجيل الأول والثاني أو الثالث بعد الهولوكوست، وتجد الباحثة أن رونين حاول أن يجعل هذا الاصطلاح حكراً على اليهود، وذلك ليسكتها وليثبت لها أن اليهود كانوا الجماعة الوحيدة الذين عانوا من الهولوكوست، في إشارة واضحة منه إلى أنه لايجوز لأحد آخر أن يحمل صفات مشابهة لمعاناتهم، وتجسيد حالة الضحية الأبدية .

والاعتراض الرابع كان على الجملة التالية: فرضية أن قصص الحياة الفردية والتجارب التي ينقلونها، تمكّننا من الاطلاع على الثقافة والمجتمع والاقتصاد وسياسة ذلك العهد، الذي تشهد عليه هذه القصص وتضعفها .

تشير فاطمة قاسم إلى الدور السيادي الذي أظهره البروفيسور رونين حيالها، وإلى إصراره الشديد -النابع من الإيديولوجية الصهيونية- على حذف تلك الجمل التي اعترض عليها، وذلك بغرض عدم توثيق وتسجيل وإظهار تجارب أولئك النساء، التي تروي قصص جورهم وإقامة كيانهم على حساب الدم الفلسطيني . وتتعرض الباحثة لمساءلة قانونية بعد المحادثة التي أجرتها مع رونين، لكن تمّ قبول البحث لاحقاً مع تغييرات أخف من اعتراضات رونين .

رمزية اللغة عند الفلسطينيات

في الفصل الرابع الذي يحمل عنوان اللغة، تستكشف الكاتبة اللغة العامية والاصطلاحية التي تستخدمها النساء في اللد والرملة حين رواية الأحداث التاريخية . وتظهر كيف أنهن استخدمن كلمات خاصة لتأسيس عوالم الذاكرة الجمعية والشخصية، والإصرار على عدم فقدان شرعية تواريخهن كفلسطينيات في الدولة الصهيونية، وإظهار التحدي على تغييب النساء من التاريخ الوطني الفلسطيني، وبدفع الباحثة الانتباه إلى اختيار النساء للمصطلح يساعد على توضيح أهمية الأحداث في حياتهن .

تتحدث فاطمة قاسم عن مكالمتها الأولى مع أم محمد من الرملة، وعن استفسارها عن عنوانها، فقالت لها أم محمد: شارع صلاح الدين، ثم رجعت وصححت وأعطتها الاسم العبري الجديد للشارع وهو شارع هرتزل، وعن ذلك قالت الباحثة: إحلال اسم صلاح الدين (على الرغم من أنه ليس عربياً، لكنه شخصية في التاريخ الإسلامي يرمز إلى الإقليم الإسلامي والفلسطيني والعربي) باسم هرتزل إحدى الشخصيات اليهودية الصهيونية، هو مؤشّر على الصهينة المستمرة للأرض العربية/ الفلسطينية، حيث كان تغيير أسماء الشوارع يمثل مظهراً من الإيديولوجية الصهيونية المنتصرة منذ 1948 .

وتجد الباحثة أن استمرار أم محمد باستخدم الاسم يدلّ على رفضها ومقاومتها للإيديولوجية الصهيونية، التي تعمل على تكريس هامشيتهن .

تشير الباحثة إلى أن أغلب النسوة استخدمن في بداية حديثهن نمطاً معيناً من الكلام يدلّ على أنهن من السكان الأصليين، ولسن طارئات مع أهلهن على هذه الأرض . ومن كلامهن ترجمنا التالي على لسان أم عمر من الرملة: أنا بنت هذا البلد، لسنا مهاجرين من بلد آخر، أنا من هذا البلد . كنا نملك عقاراً ومزارع زيتون وآلة لصناعة الصابون ومعصرة زيت الزيتون وخدم . لكن كل شيء تغير فجأة وانقلب رأساً على عقب . .، كما تتحدث الباحثة عن الشاعر الفلسطيني محمود درويش، الذي يشبّه الوطن كثيراً بجسد امرأة، فيغدو حبه لوطنه كحبه لامرأة غانية، وتستشهد بالمقطع التالي من قصيدة يوميات جرح فلسطيني: آه يا جرحي المكابر/ وطني ليس حقيبة/ وأنا لست مسافر/ إنني العاشق، والأرض حبيبة! .

تشير الباحثة من خلال حوارها مع سبع وثلاثين امرأة إلى أنهن كلهن لم يستخدمن كلمة النكبة، بل استخدمن: عندما جاء اليهود أو عندما أخذتنا إسرائيل، وهن بذلك يختلفن عن الرجال، الذين يستخدمونها بدورهم، وتعزو الباحثة ذلك إلى نجاح الصهيونية في إسكات المصطلح الفلسطيني والحرص على عدم نشره . وفي هذا الفصل تبين الكاتبة الكثير من الفروقات في استخدام الكلمات العربية أيضاً، والمعنى الذي تحمله، واختلاف التسميات الرجولية والنسائية، وكذلك توضيح استخداماتها في السياق الاجتماعي والسياسي والثقافي، كما تتحدث الباحثة عن ضآلة الثقافة الجنسية عند النساء الفلسطينيات، بسبب التابوهات المفروضة على الحديث عن الجنس في المجتمع الفلسطيني، على خلاف الأحقية البطرياركية الذكورية بالحديث عن الجنس وحتى ممارسته، وسط تسامح المجتمع مع الذكر واعتباره جريمة عند الأنثى .

روايات الهجرة واللجوء

تتحدث الباحثة عن استخدام النساء لكلمة الهجرة، حيث كن يقلن: هاجرنا أو خرجنا، وكلهن استخدمن الضمير الجمعي نا، الذي يعكس أن فهمهن تجاه ما حدث كان تجربة جمعية . وترى الباحثة أن تأكيد استخدام الهجرة أو هاجرنا لوصف الأحداث في عام ،1948 ليس بالضرورة أنه يشكّل نكران طردهم، بالأحرى، يخلق تعبيراً بديلاً للإشارة إلى المقاومة، ويدل على أن النساء كن يتمتعن بقوة في الاختيار والتحكم بحياتهن على الرغم من القوى الصهيونية الغازية، وتجد أن الهجرة كانت فعلاً مستنداً على الأمل بالقدرة على العودة إلى الوطن في وقت ما .

وفي الحقيقة ترى الباحثة أن قرار الهجرة كان عقلانياً حينها، لأنه أسهم في إنقاذ حياة الأطفال والعائلات بالكامل، وتستشهد فاطمة بالمفكّر إدوار سعيد الذي قال: الهجرة على خلاف أن تكون لاجئاً، فإنها تستلزم عنصر خيار أكبر، الذي ينعكس على سبيل المثال في التنقل لبلد آخر .

وممن قابلتهم الباحثة أيضاً كانت أم دياب، وهي بالأصل من كفر عانة، تصف الظروف التي أصبحت هي وعائلتها من المقيمين المرحّلين في اللد ومما قالته: غادرنا قريتنا كفر عانة، وعشنا في قرية عند مدخل اللد، لم نكن وحدنا فقط، بل كانت هناك اثنتا عشرة عائلة، بقينا هناك حتى انتهى وقف إطلاق النار . . جاءت طائرة وأطلقت النيران على اللد، هرب الجميع، وتضيف بعد أن هربوا من اللد، رفضوا الذهاب إلى الأردن، إلى أن جاء الجنود الإسرائيليون، وسمحوا لهم بالعودة إلى اللد والبحث عن مكان يؤويهم، ومصطلح لاجئ داخلي يشير إلى حالات مثل أم دياب ممن بقوا ضمن حدود 1948 .

ترى الباحثة أن الغياب الكبير لمصطلح لاجئ من لغة المحاورات ربما يفسّر في بُعدين: أولهما أنّ مصطلح لاجئ يحمل معه نغمة من العار والفاقة والعوز والتذلل . ثانياً: نتيجة لمواقع هؤلاء النساء كمواطنات في إسرائيل، حيث تمّ إسكاتهن بخصوص حقهن في العودة إلى منازلهن والمطالبة بأملاكهن . بالمقارنة مع اللاجئين الفلسطينيين خارج حدود 1948 فإنهم من أكثر من يصرّح بكفاحهم وحقهم في العودة، وتعتبر الدولة اليهودية أن أي مطالبة من الفلسطينيين المرحّلين بعقاراتهم أو العودة إلى منازلهم الأصلية هو أمر غير مشروع .

صلابة الفلسطينيات أمام المحن

تتحدث فاطمة قاسم بشكل كبير عن طريقة استخدام النساء لكلمات معينة، ترسم الحالة التي تم أخذهن بها وإبعادهن مع عائلاتهن عن منازلهن وبلداتهن مثل: دخل اليهود وأخذونا أو وضعونا في الشاحنات ورمونا خارجاً . ترى فاطمة قاسم أن مثل هذه التعابير تعبّر عن تجاربهن العاطفية، التي رافقتها مشاعر التذلل والحزن والقلق والفقدان والغضب، كما كانت هناك أوقات يسيطر فيها الصمت على النساء عند الحديث عن تجاربهن، كان هذا الصمت يعبّر عن مآسٍ إنسانية كتمت أنفاسهن، وتشير إلى كلمات تدلّ على دأبهن المتواصل للحفاظ على التماسك الأسري، من خلال القيام بأعمالهن المنزلية على نحو كبير ومكثف بالإضافة إلى قيامهن بأعمال جلبت لهن مورد رزق، أمّن لهن ولعائلاتهن ما يسدّ الجوع ويحمي من الفاقة والعوز . عن ذلك قالت أمُّ عمر من اللد: صدقيني . .كنت أعمل ليل نهار . بالمناسبة، كنت أعمل وأجلب للبيت أكثر مما كان زوجي يفعل . فقد كنت أواظب على الخياطة وهو . . لاتكمل الجملة، يظل حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل . كان ينام وكنت أستمرّ بالخياطة . ما إن أنتهي من الخياطة حتى أقوم بغزل ونسج الصوف . اشتريت آلة الصوف وجاؤوا وعلموني من الشركة .

تستمر أم عمر في وصف الأعمال التي كانت تقوم بها لتعيل عائلتها وتبقي على منزلها قائلة: كنت أدمج الليل بالنهار، صدقيني . كنت أنظّف جدران المنزل، وأغسل النوافذ والمفارش، وأحمّم الأطفال وأغسل ثيابهم . لم يكن يغمض لي جفن حتى أنتهي من كي الثياب وترتيبها . . طيلة الوقت كنت أقوم بالخياطة والغسل والطبخ والعجن . . كنت أقوم بكل شيء . لم نكن مثل هذه الأيام نشتري الخبز وكل شيء محضّر . أقول الآن أنني عملت في الداخل والخارج، أين ذهب كل هذا؟ أين ذهبت تلك القوة التي كنت أملكها؟

وعن ذلك قالت الباحثة فاطمة قاسم: إنهن عملن كل هذا ليُعِلن عائلاتهن بعد انهيار الإطارات الاجتماعية والاقتصادية التي كانت موجودة قبل ،1948 وأيضاً اضطلعن بأدوار وأعمال يؤديها الرجال بشكل رسمي، وهذه الأدوار الجديدة تحدّت غالباً الحدود التقليدية لمهام النساء الاجتماعية، لكن من دون التسبّب في فرض شروخ في الجدران التي تقسّم العوالم الخاصة والعامة . إن هذه الأدوار الجديدة وإسهامهن في تحسين الوضع الاقتصادي، حقق للمرأة مكانة في منزلها، وفي علاقتها مع أعضاء العائلة الذكور، لكن لم يجلب هذا تغييراً مهمّاً في مكانتهن كنساء في المجتمع .

أيام مرسومة بالأسى

تشير الباحثة إلى أن النساء أشرن إلى فترة الانتداب البريطاني في فلسطين بالعهد الإنجليزي أو أيام الإنجليز عند الحديث عن قصص حياتهن في تلك الفترة التي سبقت ،1948 وكذلك فترة العثمانيين بأيام الأتراك، وفي بعض الحالات كان العهد البريطاني بالنسبة لهن وقتاً أفضل بكثير من حياتهن الحالية، لأنهن كن يشعرن بأمان أكثر وحرية في التنقل، كما أن البعض منهن يجدن أن الإنجليز أثروا في حيواتهن واستغلوا أرضهن، ومن إحدى الحوارات التي أجرتها الباحثة كانت مع السيدة عيشة من إسدود، التي تعيش في الرملة الآن: دائماً ما تعرض شعبنا الفلسطيني إلى الاضطهاد والتمييز، فالأتراك غزوا بلادنا ودفعوا بشبابنا إلى الموت، كان زوج أمي يقاتل في تركيا . . بعد الأتراك جاء الإنجليز، وبعد الإنجليز جاءت إسرائيل تضحك . في أيام الإنجليز أتذكر أن جارنا كان يملك طلقتين، زجّه الإنجليز في السجن لسنتين، على الرغم من أنهم لم يجدوا معه بندقية أو أي سلاح . . كان يُعدم من كان ثورياً . . هناك أغنية لا أتذكرها عن الفلسطينيين الذين أعدموا في عكا، كانت الأغنية عن بداية الغزو الإنجليزي، حيث كان الإنجليز يعدمون حتى من يتنفس أو من كان ثورياً أو ما شابه ذلك .

وفي الحديث عن المقاتلين الفلسطينيين الذي سعوا إلى حق تقرير المصير بعد خروج الأتراك، كان للباحثة حوارات مع العديد ممن قابلتهن وكانت إحداهن السيدة داعسة من اللد، التي تحدثت للباحثة عن تجربة مرتبطة بوالدتها قائلة: خالي، أمين حسونة، وقع في كمين في الليل على الطريق من الرملة أيام الإنجليز . قال له الضابط الإنجليزي توتلي: استدر . لكنه لم ينفذ أمره، فأطلق توتلي النيران على خالي في ظهره . اعتاد الإنجليز أن يلتقطونا من الحقول، حيث الفلاحون كانوا يحصدون الحبوب . في تلك الأيام، كان الثوار يرتدون جلابيب سوداء للنساء ويختفون في الحقول .

تجد الباحثة أن البعض من النسوة يسميّن أيام الإنجليز بأيام العرب، التي وجدنها فترة جيدة لهنّ من ناحية الاهتمام بالتعليم، حيث تلقينه في نادي المجتمع الأرثوذوكسي في المركز المسيحي، ولكن توقف التعليم بمجيء اليهود، كما تتطرق الباحثة ضمن هذا الفصل إلى الحديث عن استعادة بعض العائلات في اللد لأراضيها، تحت ظروف اقتصادية بالغة وإجراءت قاسية منعت الكثيرين منهم من استعادة الأرض التي ورثوها عن أهله .