أكد الناقد الدكتور جابر عصفور أن الرؤية الستينية التي أنجزها الروائيون العرب في ستينيات القرن الماضي للرواية العربية ما زالت مهيمنة على الرواية حتى اليوم، وأنه لا يمكن بالتالي الحديث عن أجيال في الرواية العربية،جاء ذلك في المحاضرة التي ألقاها د .عصفور تحت عنوان قضايا الرواية العربية مساء أمس الأول في ندوة الثقافة والعلوم في دبي، وأدارها علي عبيد الهاملي، بحضور محمد المر رئيس المجلس الوطني الاتحادي، وابراهيم بو ملحة مستشار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للشؤون الثقافية والإنسانية، وعبد الغفار حسين رئيس جمعية الإمارات لحقوق الإنسان، وسلطان صقر السويدي رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم، وعدد كبير من المتابعين والمهتمين بالأدب والنقد .

وحدد د .عصفور الرؤية الستينية للرواية بعدد من النقاط، حيث رأى أن تلك الرواية أتت بشكل رئيس كرد على هزيمة ،1967 معتبراً أن تلك الهزيمة هي اللحظة المفصلية في تاريخ العرب المعاصر التي لم يتم تجاوزها في الواقع حتى الآن، وقد أثرت في كل أشكال الفنون، وتحديداً على السرد من قصة ورواية، ومن تلك النقاط التي حددها د . عصفور تركيز الرواية على كابوس الهزيمة نفسه، وتمدده إلى مختلف مفاصل الحياة العربية، وولادة الرواية التاريخية التي حاول كتابها اكتشاف الهوية العربية، أو استخدام التاريخ كقناع لما يجري في الواقع خوفاً من بطش الأنظمة الديكتاتورية، وأعطى مثلا على ذلك برواية الزيني بركات لجمال الغيطاني، ومن النقاط الأخرى التي حددها د . عصفور تمرد الروائيين على الكتابة البلاغية، وفي مقدمتهم ابراهيم أصلان، وغيره الكثير، وسعي الروائيين إلى التجريب بشكل غير مسبوق قياساً إلى الجيل السابق الذي يمثله نجيب محفوظ وطه حسين، إضافة إلى ظهور الرواية الشيئية التي لا تعبر عن العواطف، وإنما تصف الواقع بشكل محايداً، وتقدم مشهدا يتعاطى مع الأحداث بوصفها أشياء، كما ظهر اتجاه روائي يمزج بين الواقعية والفانتازيا والرواية الشعبية، وظهور أعمال روائية تهتم بالمهمشين بشكل خاص، ومنها أعمال خيري شلبي من مصر، ومحمد شكري من المغرب، بالإضافة إلى أدب السجون خاصة أن الكثير من كتاب الستينيات من القرن الماضي خاضوا تجربة المعتقل السياسي .

وقال د . عصفور إن الرواية العربية استمرت في الاتجاهات التي تحددت مع روائيي الستينيات من القرن الماضي، والاختراق الوحيد ظهر في منتصف تسعينيات القرن الماضي، مع انتشار موجة العولمة، حيث ظهرت بعض الأعمال الروائية التي لا تعتمد في بنيتها على حبكة معينة، وإنما أتت وكأنها رسومات على ألواح، تمثل كل رسمة حالة مستقلة عن الأخرى، إضافة إلى تداخل تلك الألواح والرسومات، ومنها رواية أبناء الجبلاوي لمحمد فرغلي .

وراى د . عصفور أن هناك ظاهرة لافتة اليوم في الرواية العربية وهي ظاهرة الكتب الأكثر مبيعاً، والتي تتصدرها أعمال روائية لا يمكن أن تصمد مع الوقت، لكنها مملوءة بالتوابل، حيث فيها نوع من الفضائحية، والجنس المجاني، والسخرية، وهي اليوم من الأدب الرائج، لكنها ليست أدباً أصيلاً، واعتبر د . عصفور أن تاريخ الرواية في الغرب عرف مثل هذه الظاهرة، وهي موجودة دائما، ومنها تجربة الروائية فرانسوا ساغان كما في روايتها مرحباً أيها الحزن، ولكن هذا العمل لا يذكره أحد في يومنا الحاضر .

واعتبر د . عصفور أن جزءاً من مشكلة النقد أنه انشغل بالتفسير عن التقييم، وهو أمر أضر كثيرا بالنقد العربي، وعلى الناقد اليوم أن يسهم في تقييم الأعمال، وكشف الجيد منها، والإشارة إلى الأعمال الرديئة .

وبخصوص جائزة البوكر العربية قال د . عصفور إن معايير التحكيم فيها أكثر من جيدة وهي تقدم للمتلقي أعمالاً فيها مواصفات العمل الأدبي الجيد، كما أنها أسهمت في تحفيز الروائيين على الإبداع من خلال المنافسة .